أغسطس 16, 2026

عودة الروهينجا إلى ميانمار.. بين الاتفاقات السياسية وواقع الحرب

15 أغسطس 2026

كتابة: تهاني علي

بعد سنوات من تعثر محاولات إعادة الروهينجا إلى ميانمار، أعلن رئيس الوزارء الماليزي أنور إبراهيم أواخر يوليو الماضي، أن ميانمار وافقت على استقبال 5 آلاف لاجئ من الروهينجا في ماليزيا، مشيرا إلى إمكانية إعادة نحو 300 ألف من بنغلاديش أيضا. ولم يتضمن الإعلان جدولا زمنيا أو آليات تفصيلية للتنفيذ.

وجاء الإعلان وسط ضغوط داخلية متزايدة بشأن وجود اللاجئين، وفي وقت طلبت فيه ماليزيا من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تعليق تسجيل لاجئين جدد مؤقتا، بينما تعمل على نظام وطني لتسجيلهم.

لكن بعد أيام، قالت الحكومة الماليزية إنها لن تمضي في إعادة الـ5 آلاف إذا تبين أن حياتهم ستكون معرضة للخطر، فيما تستمر عمليات الفحص والتدقيق.

ثم جاء موقف ميانمار ليضيف مزيدا من الغموض إلى العملية؛ إذ قالت الحكومة أنها تحققت من بيانات 426,545 شخصا من قائمة بنغلاديش التي تضم 828,824 لاجئا، واعتبرت 308,797 منهم من المقيمين سابقا في ولاية أراكان، مؤكدة استعدادها لاستقبال من جرى التحقق منهم عندما تتحسن الظروف الأمنية.

وفي المقابل، قال مسؤول في وزارة الخارجية الميانمارية لـ”وكالة أسوشيتد برس” إن برنامج الإعادة من ماليزيا يركز حصرا على مواطنين ميانماريين جرى التحقق منهم ومحتجزين في مراكز بماليزيا، رافضا التقارير التي تفيد بأن الحكومة وافقت على استقبال الروهينجا.

ويرى عبد الله زينول، المحلل المتخصص في شؤون الروهينجا لدى منظمة “ليغال أكشن وورلدوايد” ومقرها إسطنبول، أن الضغوط الداخلية قد تكون جزءا من خلفية التحرك الماليزي، لكنه يرى أن كوالالمبور “ستتعامل بحذر” مع أي عودة قد تعرض الروهينجا لانتهاكات جديدة.

ويشير إلى أن السلطات المركزية في ميانمار “لا تملك السيطرة الفعلية” على مناطق واسعة من ولاية أراكان، ما يطرح سؤالا أساسيا: من سيضمن أمن العائدين؟

عودة الروهينجا إلى ميانمار.. بين الاتفاقات السياسية وواقع الحرب
مستوطنة للروهينجا في سونغاي تكالي بماليزيا (صورة: ستريتس تايمز الماليزية)

سجل محاولات طويل

ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها “العودة” إلى هدف دبلوماسي.
ففي التسعينيات، بدأت عملية إعادة واسعة للاجئين الروهينجا من بنغلاديش، وأطلقت المفوضية عملياتها للمساعدة في العودة الطوعية عام 1994.
وبحلول منتصف 1997، كان نحو 230 ألف لاجئ قد عادوا إلى ميانمار.

لكن العودة لم تنه أسباب النزوح؛ إذ استمر خروج الروهينجا من ميانمار في السنوات التالية، بما في ذلك عودة آلاف منهم إلى بنغلاديش.

وبعد موجة النزوح الكبرى عام 2017، وقعت بنغلاديش وميانمار اتفاقات لإعادة اللاجئين، فيما أبرمت المفوضية مذكرة تفاهم مع بنغلاديش عام 2018 لإطار عودة طوعية وآمنة وكريمة عندما تصبح الظروف مواتية.

كما اتفقت المفوضية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع ميانمار على العمل لتهيئة ظروف العودة، بما في ذلك مسار نحو الجنسية وحرية الحركة.
لكن المفوضية أكدت أن الظروف في ولاية أراكان لم تكن مواتية للعودة المستدامة.

وفي 2023، تعثرت محاولة أخرى ضمن مشروع تجريبي، كان يستهدف نحو 1100 لاجئ، بعدما رفض كثير من الروهينجا العودة من دون ضمانات للأمن والحقوق والجنسية.

العودة ليست مجرد عبور

تؤكد المفوضية أن العودة يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة، وأن يتخذ اللاجئ قراره بحرية وبناء على معلومات موثوقة بشأن ظروف بلده ومنطقة العودة.
كما تؤكد أن العودة المستدامة تتطلب بيئة تسمح للعائدين بالعيش بأمان وكرامة.

ويقول فارون كار ثواي، مساعد ميداني بالمفوضية في ميانمار، إن “المفوضية لم تتلق، بحسب علمه، معلومات واضحة بشأن الاستعدادات الملموسة لعملية العودة الماليزية”.

مؤكدا أن الأمن والوضع القانوني والجنسية والحماية من التمييز والاضطهاد، يجب أن تكون في صدارة أي عملية.

ويتفق ذلك مع موقف طالب روهينجي وناشط شاب في ماليزيا، طلب عدم الكشف عن هويته، إذ يرى أن أي عودة يجب أن تضمن “الجنسية والمساواة وحرية التنقل والتعليم والرعاية الصحية”، إلى جانب “مراقبة دولية مستقلة”.

عودة الروهينجا إلى ميانمار.. بين الاتفاقات السياسية وواقع الحرب
بلدة في ولاية أراكان بعد غارة جوية شنها جيش ميانمار (صورة: مواقع التواصل الاجتماعي)

إلى أين سيعود الروهينجا؟

ربما هي العقدة الأكثر تعقيدا، فولاية أراكان، موطن غالبية الروهينجا في ميانمار، لا تزال تشهد صراعا بين “جيش ميانمار” و”جيش أراكان البوذي”.

وتشير تقديرات أممية إلى وجود نحو 630 ألف روهينجي في الولاية، يواجهون مخاطر أمنية وقيودا وانتهاكات في مناطق النزاع.

وأكدت الأمم المتحدة استمرار تدهور الوضع الإنساني والنزوح في ميانمار، بينما تشير بيانات المفوضية إلى أن نحو 1.2 مليون لاجئ من ميانمار، معظمهم من الروهينجا، موجودون في بنغلاديش.

ويقول ني سان لوين، ناشط روهينجي مقيم بألمانيا ومؤسس مشارك لـ”ائتلاف الروهينجا الأحرار”، إن المكان الذي يمكن إعادة اللاجئين إليه لا يزال غير واضح، وإن “العودة تبدو مستحيلة عمليا في ظل استمرار القتال وغياب جهة واحدة قادرة على ضمان أمنهم”.

ويرى أن أي عودة حقيقية تحتاج إلى تمكين الروهينجا من العودة إلى مناطقهم الأصلية، ومنحهم المواطنة الكاملة والاعتراف بهويتهم، وتوفير ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.

لهذا، فإن نجاح أي اتفاق جديد لا ينبغي أن يقاس بعدد من يعبرون الحدود، بل بقدرتهم على البقاء في ميانمار من دون اضطرارهم إلى الفرار مرة أخرى.

وبعد عقود من محاولات الإعادة، تبدو المشكلة الجوهرية كما كانت: الاتفاقات يمكن أن تحدد آلية العودة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخلق الأمن أو المواطنة أو الحقوق.

فالعودة لا تبدأ عند الحدود، وإنما عندما تتغير الظروف التي جعلت العودة مستحيلة في المرات السابقة.

شارك
×