كتابة: خلود فطافطة
حين تنفد المواد الغذائية من منزل سيد أمين في مخيم 14 بمدينة كوكس بازار في بنغلاديش، لا يكون موعد المساعدة التالية قد حان بعد. عندها يلجأ الرجل إلى الاقتراض من جيرانه لتوفير احتياجات أسرته المكونة من ثمانية أفراد، ثم يسدد ما عليه بعد وصول الحصة التالية.
ويقول أمين: “نضطر إلى الاقتراض حتى نتمكن من الاستمرار، وأذهب إلى جيراننا وأطلب منهم إقراضي بعض الاحتياجات الأساسية”.
ويعيش نحو 1.2 مليون لاجئ من الروهينجا في بنغلاديش، معظمهم في مخيمات كوكس بازار.
ومنذ أبريل 2026، اعتمد برنامج الأغذية العالمي نظاما جديدا للمساعدات الغذائية يستند إلى مستوى احتياج الأسرة، إذ تحصل الأسر الأشد احتياجا على ما يعادل 12 دولارا للفرد شهريا، مقابل 10 دولارات للأسر ذات الاحتياج الأقل، و7 دولارات للفئات المصنفة ضمن المستوى الأدنى من الاحتياج.
وبرر البرنامج الأممي هذا التخفيض، بأنه يمثل ضرورة قصوى للتكيف مع شح الموارد الدولية التي وصلت إلى أدنى مستويات لها خلال الأعوام الأخيرة، ما جعل الاستمرار بالحصص السابقة أمرا غير ممكن ويهدد استقرار المساعدات على المدى الطويل.
خمسة أيام من الغذاء
يقول أمين، البالغ 54 عاما، إن بعض المواد الغذائية، خصوصا الطازجة منها، لا تكفي أسرته سوى نحو خمسة أيام، ما يدفعه إلى البحث عن وسائل أخرى لتأمين احتياجات الأسرة خلال بقية الشهر.
ويضيف: “بعد ذلك نواجه فترة طويلة تمتد طوال الأيام الخمسة والعشرين المتبقية من الشهر، وخلالها أضطر إلى البحث عن وسائل أخرى لتأمين معيشتنا”.
وتحصل أسرته على الأرز والزيت والعدس والبصل والثوم والتوابل، إلى جانب كميات محدودة من الدجاج والسمك.
وعندما تنفد بعض المواد، يستدين من الجيران، لكن الاقتراض يتحول سريعا إلى عبء على المساعدة التالية.
ويقول: “الاستمرار في الاقتراض يشكل عبئا ثقيلا علينا، لأننا في النهاية مطالبون برد ما اقترضناه، وهذا يعني أن جزءا من مساعدات الشهر التالي يستهلك قبل أن يبدأ الشهر فعليا”.
ولا يقتصر الاقتراض على الطعام، بل يشمل الملابس والتعليم والدواء عند مرض أحد الأطفال. ويقول أمين إن فرص العمل داخل المخيم محدودة جدا وتخضع لقيود ورقابة صارمة.

العمل لا يكفي لسداد الديون
وفي المخيم ذاته، تعيش أمينة خاتون، 40 عاما، مع عشرة أفراد من أسرتها.
فزوجها غير قادر على العمل بسبب مشكلات صحية في العين ومعاناة مزمنة من مشاكل صدرية، فيما تحصل هي على فرص عمل متقطعة قد تفصل بينها شهران أو خمسة أو ستة أشهر، وتستمر بضعة أيام فقط.
وتعمل أمينة متطوعة في وحدة لإدارة الكوارث، مقابل بدل شهري يبلغ 2500 تاكا، نحو 20 دولارا، لكنها تقول إن أسرتها تحتاج إلى نحو 7 آلاف تاكا شهريا، أي نحو 57 دولارا، لتغطية احتياجاتها، بينما تتحمل أيضا تكاليف تعليم خمسة أطفال.
وتقول: “عندما لا يكفي دخلي لتغطية نفقاتنا، ولا نجد أي مصدر آخر للمساعدة، تصبح أوضاعنا بالغة الصعوبة ولا يكون أمامي خيار سوى الاقتراض”.
وتبلغ ديون أسرتها حاليا بين 10 آلاف و20 ألف تاكا، ما بين 80 و160 دولارا تقريبا، ويعود الجزء الأكبر منها إلى حالات طبية طارئة.
وتقول أمينة إن غياب فرص العمل يجعل سداد الديون صعبا، ويزيد قلقها بشأن مستقبل أطفالها.
الدين يصل إلى المتاجر
ولا يتوقف الاقتراض عند الجيران، بل يمتد إلى المتاجر داخل المخيم، حيث تتحول الحاجة اليومية إلى ديون مؤجلة.
ويوضح محمد شفيق، صاحب متجر في المخيم ذاته، أن الأسر تشتري بالدين مواد أساسية مثل الزيت والبصل والعدس والثوم والتوابل، وأن بعض الديون تستمر من أسبوع إلى 15 يوما.
ويقول شفيق: “يمكن القول إن نحو خمسة من كل عشرة زبائن يشترون بالدين”، مؤكدا أن هذا التقدير يستند إلى تعامله اليومي مع الزبائن وليس إلى إحصاء رسمي.
ويشير إلى أن بعض الزبائن تتراكم عليهم الديون من شهر إلى آخر، وقد تصل في بعض الحالات إلى 6 آلاف تاكا، نحو 49 دولارا.
كما لفت إلى أن الأسر التي “لا تضم سوى شخص واحد قادر على العمل” تكون أكثر عرضة للتأخر في السداد.

ضغوط التمويل
وتأتي هذه الديون الفردية وسط ضغوط متزايدة على الاستجابة الإنسانية للاجئي الروهينجا، مع استمرار فجوات التمويل التي تهدد قدرة البرامج الإغاثية على تلبية الاحتياجات الأساسية.
فقد أعلن برنامج الأغذية العالمي في فبراير 2026 أنه يواجه فجوة تمويلية بقيمة 147 مليون دولار لبرامج الغذاء والتغذية المنقذة للحياة الموجهة إلى الروهينجا.
وفي مايو 2026، ناشدت الأمم المتحدة وشركاؤها توفير 710.5 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الأكثر إلحاحا للاجئي الروهينجا والمجتمعات المضيفة في بنغلاديش.
وبين مساعدات غذائية محدودة وفرص عمل نادرة، تتحول الديون بالنسبة إلى بعض الأسر إلى وسيلة لسد الفجوة بين ما تحصل عليه من مساعدات وما تحتاج إليه من طعام ودواء وتعليم وملابس، لكنها في الوقت نفسه تستهلك جزءا من مواردها المستقبلية، لتبدأ الأسرة كل شهر بعبء من ديون الشهر السابق.



