يعيش أقارب نور خان في مخيمات اللجوء ببنغلاديش، بينما يقيم أبناء عمومته في ماليزيا وشقيقته في الولايات المتحدة؛ هم أفراد أسرة واحدة فرقتهم الجغرافيا، لكنهم مجتمعين يلتقون المحتوى نفسه، يشاهدونه ويتناقشون بشأنه. رغم آلاف الكيلومترات التي تفصل بينهم.
يقول خان، لاجئ روهينجي حاصل على بكالوريوس في الصيدلة ويعمل مدرسا: “أصبحت (زيتا تي في) نقطة لقائنا الرقمية؛ مكانا تختفي فيه المسافات”.
في عام 2017، فر أكثر من 750 ألف روهينجي إلى بنغلاديش عقب حملة عسكرية في ولاية أراكان، لينضموا إلى موجات نزوح سابقة.
ويبلغ إجمالي عدد اللاجئين الروهينجا في البلاد نحو 1.2 مليون شخص حتى نهاية يونيو 2026، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
وسط هذا الشتات، تحاول “زيتا” (تأسست عام 2020) توظيف الإعلام الرقمي واللغة الروهينجية، للحفاظ على الروابط بين أفراد المجتمع.
وبحسب بيانات “ميتا” التي قدمتها المنصة، حتى مطلع أغسطس الجاري، تجاوز عدد متابعي صفحتها على “فيسبوك” 224 ألفا، بينما سجلت مقاطع “ريلز” نحو 42 مليون مشاهدة. ويتركز 61.5% من جمهور الصفحة في بنغلاديش، فيما يمتد إلى الهند وماليزيا وميانمار والسعودية ودول أخرى.

من فراغ إعلامي إلى منصة للروهينجا
جاء تأسيس المنصة في وقت تراجع فيه الزخم الإعلامي حول قضية الروهينجا، مقارنة بالسنوات التي أعقبت موجة النزوح الكبرى عام 2017.
ويقول سليم الأركاني، مؤسس “زيتا” والمدير التنفيذي لجمعية أركان الإنسانية، إن تواصله مع الروهينجا في بلدان مختلفة كشف عن شعور مشترك بـ”الإحباط والتذمر واليأس”، ما دفعه إلى التفكير في خطاب إعلامي يخاطب المجتمع نفسه.
ويضيف الأركاني، بأن المنصة حاولت منذ بدايتها إبراز جوانب أخرى من حياة الروهينجا، إلى جانب تناول المعاناة الإنسانية، من خلال تسليط الضوء على قصص النجاح والثقافة والحياة اليومية.
وترجمت “زيتا” هذا التوجه إلى محتوى توعوي وثقافي وتعليمي؛ حيث أنتجت 40 حلقة من برنامج “المطبخ الروهينجي” للتعريف بالأطعمة التقليدية، إلى جانب محتوى عن التاريخ واللغة.
فيما تتعاون المنصة مع “مجلس امتحانات اللاجئين الروهينجا” لإنتاج مواد مرتبطة بالتعليم والمنح الدراسية والأنشطة المدرسية.
اللغة و”رابط الشتات”
تطرح خريطة جمهور “زيتا” سؤالا يتجاوز أرقام الوصول: كيف تحافظ أجيال نشأت في بيئات لغوية مختلفة على لغة مشتركة؟
يرى تقي الدين، الإعلامي المتخصص في قضايا الروهينجا، أن اللغة الروهينجية ما تزال “عاملا مشتركا بين أفراد المجتمع”، رغم اختلاف اللهجات وتأثر الأجيال الجديدة بلغات البلدان المضيفة.
ويشير إلى أن أبناء الروهينجا أنفسهم هم من “يقدمون المحتوى ويصنعونه”.
ويؤكد ذلك نور خان، الذي يرى أن خصوصية المنصة تكمن أيضا في أن الرواية تأتي من داخل المجتمع، قائلا: “هم ليسوا غرباء يروون قصتنا؛ إنهم منا، ونحن من نروي قصتنا وهويتنا بأنفسنا”.
أما مونغ سليمان شاه، الناشط الروهينجي في مجال حقوق الإنسان والقيادي الشبابي، فيرى أن أهمية المنصة تتجاوز التواصل، إذ يوفر محتواها مساحة تساعد على “الحفاظ على الشعور بالانتماء والاستمرارية رغم النزوح”، خصوصا بالنسبة إلى الأجيال التي تنشأ بعيدا عن موطنها ميانمار.

المشاهدات وحدها لا تكفي
ورغم اتساع جمهور المنصة، يرى مايو علي، الخبير في الإعلام الرقمي، أن أعداد المتابعين والمشاهدات “لا تكفي وحدها لقياس تأثيرها”.
ويقول في هذا الصدد: “ينبغي ألا يقاس تأثير زيتا بأعداد المتابعين والمشاهدات وحدها، بل بمدى قدرتها على تعزيز المشاركة المجتمعية وتبادل المعرفة، إلى جانب الحفاظ على الهوية الثقافية“.
ويضيف، أن من مؤشرات تأثير المنصة، قدرتها على تمكين أبناء الروهينجا من إنتاج المحتوى ورواية قصصهم، إلى جانب انتقال المعرفة بين الأجيال واستمرار استخدام اللغة.
أما نور خان فيؤكد أن التأثير الحقيقي يظهر عندما يبدأ شباب الروهينجا في الشتات، باستخدام كلمات من لغتهم الأم مجددا، أو عندما تجتمع العائلات حول المحتوى وتنقل ما تتعلمه منه إلى أطفالها.
لكن استمرار هذا الدور يواجه تحديات، من بينها محدودية الموارد والكوادر.
ويشير خان كذلك إلى ضعف خدمات الإنترنت و”المضايقات التي يواجهها العاملون في مجال الإعلام داخل المخيمات”.
فيما يعتقد مايو علي، أن التمويل المستدام من أبرز التحديات أمام استمرار التجربة، معتبرا أن تنويع مصادر الدعم وبناء الشراكات والتوسع المدروس إلى لغات أخرى، يمكنه مساعدة المنصة على تطوير محتواها، شرط “إبقاء اللغة الروهينجية في صميم هويتها”.
وبينما تسعى “زيتا” إلى توسيع حضورها، وسعيها بممارسة دور رائد في نقل قضية الروهينجا للعالم ببعد إنساني، يبقى الحفاظ على اللغة والهوية، تحديا مستمرا أمام أجيال من الروهينجا لا تزال تنشأ في بلدان اللجوء بعيدا عن موطنها.




