لغة الروهينجا .. هل تنجح في الانتقال من مرحلة الذاكرة إلى التدوين؟

لغة الروهينجا .. هل تنجح في الانتقال من مرحلة الذاكرة إلى التدوين؟
مجلس التعليم الوطني للروهينجا يحتفل بتخريج 350 معلم لتعزيز "لغة الهوية" في مخيمات كوكس بازار (صورة: أرشيف ANA)
شارك

وكالة أنباء أراكان

تقرير: تهاني علي

لا شك بأن اللغة الروهينجية اليوم تمثل أبرز الشواهد الحية على صمود هوية شعب كامل في وجه محاولات المحو الممنهج، حيث تتجاوز أزمتها مجرد كونها وسيلة تخاطب مهددة، لتصبح معركة وجودية يخوضها شعب مشتت بين ذكريات الوطن وقسوة المنفى.

كما لا تبدأ القصة من مخيمات اللجوء في بنغلاديش فحسب، بل تمتد جذورها إلى قرون من التاريخ في إقليم أراكان بميانمار، حيث شكلت هذه اللغة الوعاء الثقافي لمجتمع واجه عقوداً من التهميش، الذي وصل إلى حد “الإبادة الثقافية”، عبر قمع نظامها الكتابي ومنع تداول أدبياتها.

واليوم، بينما يصارع كبار السن لحفظ ما تبقى في ذاكرتهم من مفردات عتيقة، يحاول الشباب تطويع التكنولوجيا الحديثة لخلق فضاء رقمي يحمي لسانهم الأم من الذوبان في لغات المجتمعات المضيفة، مما يجعل من عملية التدوين الحالية ليس مجرد جهد لغوي، بل فعل مقاومة لاستعادة كيان أمة.

 

 اللغة كجسر فوق هوة الاغتراب

يمثل جيل شباب الروهينجا في المهجر حائط الصد الأول ضد اندثار الهوية، حيث تشكل اللغة بالنسبة لهم الرابط المعنوي الوحيد بوطنٍ بعضهم لم يراه أو أُجبِر بعضهم على مغادرته في سن مبكرة.

خلال حديثه مع “وكالة أنباء أراكان” عبَّر أنور صادق، المعروف باسم “ماونغ هلا”، عن هذا الارتباط بوصفه للروهينجية بأنها “اللغة التي ولد فيها وتحمل في طياتها راحة نفسية وقدرة فطرية على التعبير لا تضاهيها أي لغة أخرى” رغم إتقانه للغات أجنبية بحكم دراسته.

ومع ذلك، يواجه هذا الجيل فجوة لغوية تظهر بوضوح عند التطرق للمواضيع التقنية أو التخصصية، حيث يضطر الشباب إلى استعارة مفردات دخيلة لملء الفراغ الذي خلفه غياب التطور اللغوي المؤسسي.

لغة الروهينجا .. هل تنجح في الانتقال من مرحلة الذاكرة إلى التدوين؟
قاموس للغة الروهينجية

 

هذا التحدي يولد شعوراً بالحاجة الملحة لإنتاج أدب مكتوب، حيث يرى صادق أن “غياب الروايات والشعر باللغة الروهينجية يضعف الاتصال بالجذور التاريخية”.

ويسرد قائلاً: “بدون كتب تحمل العواطف والحضارة، يظل الشباب في حالة تيه ثقافي بعيداً عن ميراثهم الحقيقي”.

تآكل الهوية في المخيمات

في بيئة اللجوء المكتظة، وتحديداً في مخيمات “كوكس بازار” ببنغلاديش، تتعرض اللغة الروهينجية لعملية “هجين” قسري تهدد أصالتها نتيجة الاختلاط اليومي مع اللهجات المحلية واللغات الرسمية للدول المضيفة.

ويوضح الناشط الثقافي ضياء الحسون، أن هذا التآكل يبدأ من المفردات اليومية البسيطة، حيث يلاحظ استبدال كلمات روهينجية أصيلة بمفردات بنغالية، مثل التحول من كلمة “Anda” إلى “Deam” لوصف البيضة، إلى جانب تغير صيغ التحية المعتادة.

لا يتوقف الأمر على تغيير لغوي فحسب، بل يرافقه تحول ثقافي أعمق يمس تفاصيل الحياة اليومية؛ فالتكلفة العالية للقماش التقليدي “اللونجي” دفعت الرجال لتبني أزياء محلية.

كما اختفت مظاهر ثقافية رمزية كانت تميز نساء أراكان، مثل ارتداء البرقع مع المظلة المميزة، ما يعكس ذوباناً تدريجياً في النسيج الثقافي المحيط.

وأضاف الحسون في معرض حديثة عن تحديات تواجه اللغة، إن “حمايتها يتطلب مبادرات جماعية تتجاوز أسوار المدارس لتصل إلى المنازل، فاللغة تبدأ من حضن الأسرة قبل المدرسة، وعلى الآباء تقع مسؤولية زرع الفخر باللسان الأم في نفوس أطفالهم لمواجهة ضغوط الاندثار”.

معتبراً أن استعادة العدالة للروهينجا تبدأ من حماية تراثهم الذي تعرض “لعملية طمس ممنهجة سبقت عمليات القتل الجسدي”، وفقاً لتعبيره.

التدوين: من النسخ الخشبي إلى الذكاء الاصطناعي

لم تكن رحلة إيجاد نظام كتابي ثابت للغة الروهينجية مفروشة بالورود، بل كانت مسيرة محفوفة بالمخاطر والملاحقات الأمنية التي جعلت من التعليم والبحث عملاً “تحت الأرض” لعقود طويلة.

لغة الروهينجا .. هل تنجح في الانتقال من مرحلة الذاكرة إلى التدوين؟
صفحة من قاموس روهينجي

يستذكر الخبير اللغوي محمد شالي، البدايات في السبعينيات حين كان العلماء، وعلى رأسهم مولانا حنيف (الأب الروحي لعملية توثيق اللغة الروهينجية المعاصرة)، يجمعون المعلومات من النقوش الحجرية القديمة في “مراوك-يو” بميانمار، لإثبات الجذور التاريخية للغة، مستلهمين من أنظمة كتابة متنوعة لابتكار “النظام الحنيفي”.

في تلك الحقبة، وبسبب غياب المطابع والملاحقات الحكومية، كان الناشطون يلجؤون لنسخ الكتب يدوياً باستخدام أدوات خشبية بدائية لنشر المعرفة بين الطلاب بعد ساعات الدراسة الرسمية.

ويشدد شالي، على أن هذا التدوين يمثل “وثيقة سياسية” تثبت وجود الروهينجا كشعب”.

واليوم، تبرز بارقة أمل من خلال تطبيقات الهواتف المحمولة والذكاء الاصطناعي، إلا أن الخبراء يحذرون من أن هذه الجهود لا تزال “فردية وتطوعية” وتفتقر للتمويل المؤسسي اللازم لتحويلها إلى واقع رقمي مستدام، يحمي لغة شعب كامل من النسيان.

شارك

آخر الأخبار

القائمة البريدية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.