لم تعد مخيمات الروهينجا في منطقة كوكس بازار جنوب شرق بنغلاديش تواجه تحديات إنسانية مرتبطة بالغذاء والمأوى فقط، بل أصبحت تعيش أزمة أمنية متفاقمة تهدد حياة اللاجئين يوميا.
وبينما تواصل بنغلاديش استضافة نحو 1.2 مليون لاجئ من الروهينجا، تتصاعد الأنشطة الإجرامية المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، في مشهد حوّل بعض المخيمات إلى بؤر “للعنف والابتزاز والاتجار بالبشر”.
وتكشف بيانات “تقرير الرصد المشترك للحماية” التابع لخطة الاستجابة الإنسانية للروهينجا في بنغلاديش، أن الربع الأول لعام 2025 شهد 117 حالة اختطاف، و38 جريمة قتل، و49 حادثة إطلاق نار، و63 حالة ابتزاز داخل المخيمات، ما يعكس تدهورا أمنيا متواصلا يطال اللاجئين أنفسهم قبل أن يمتد أثره إلى المجتمعات المضيفة.
العنف يتصاعد
يقول محمد جنيد، لاجئ روهينجي يعمل في المجالين الإنساني والإعلامي، إن “الخوف يبدأ مع حلول الظلام”، حيث تتجنب الأسر مغادرة مساكنها خشية الاشتباكات أو عمليات الخطف، بينما “يضطر بعض السكان إلى السهر لحراسة منازلهم”.
ويؤكد أن الجماعات المسلحة باتت تتنافس على النفوذ، مثل “جيش إنقاذ روهينجا أراكان” و”منظمة التضامن مع الروهينجا”، اللذان تشير تقارير أممية إلى تورط عناصر منهما في اشتباكات وأعمال عنف داخل عدد من مخيمات كوكس بازار.
ويتابع: “قد يتعرض المدنيون للتهديد إذا حاولوا التحدث عن هذه الجماعات”، في إشارة منه إلى أحد أسباب تفشي الجريمة داخل المخيمات.
وتشير تقارير شرطة بنغلاديش إلى أن المخيمات شهدت خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2023، مقتل 66 شخصا في حوادث مرتبطة بالصراعات الإجرامية، ما دفع السلطات إلى تشديد إجراءاتها الأمنية.

واستجابة لذلك، عززت بنغلاديش انتشار “كتائب الشرطة المسلحة” داخل المخيمات، حيث تتولى الكتيبتان 14 و16 مسؤولية الأمن في منطقتي أوخيا وتيكناف، إلى جانب إقامة أسوار شائكة ونقاط تفتيش وتنفيذ حملات ضد الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
ورغم مساهمة هذه الإجراءات في ضبط أسلحة واعتقال مشتبه بهم، يرى سكان وباحثون أنها لم تتمكن من احتواء نشاط الجماعات المسلحة بصورة كاملة.
من جانبه، يرى (ق.م) باحث ميداني يعمل مع منظمة دولية أن “السياج الشائك وحده لا يوفر حماية حقيقية للمخيمات”
داعيا إلى “تشديد الرقابة، وإنهاء الفساد، واستخدام أنظمة المراقبة الحديثة، وتعزيز التعاون بين بنغلاديش والأمم المتحدة للحد من نفوذ الجماعات الإجرامية”.
الجريمة المنظمة
ولا يقتصر الخطر في مخيمات الروهينجا على انتشار العنف وجرائم القتل، بل يمتد إلى تنامي نفوذ شبكات الجريمة المنظمة التي تجني أرباحا طائلة من أنشطة غير مشروعة، أبرزها تهريب حبوب “اليايبا”، والاتجار بالأسلحة، والاتجار بالبشر.
ويقول جنيد: “بعض الشباب يقبلون مهام بسيطة في نقل المخدرات مقابل مبالغ تتراوح بين 500 و1000 تاكا”، قبل أن يجدوا أنفسهم، مع مرور الوقت، “جزءا من شبكات إجرامية يصعب الانفصال عنها”.
ويؤكد الباحث الميداني أن تجارة المخدرات ليست ظاهرة عامة داخل مجتمع الروهينجا، وإنما “تمارسها مجموعات محدودة تستغل حاجة الفئات الأكثر ضعفا”، وأطراف من ميانمار مثل جيش أراكان البوذي، محذرا من وصم مجتمع اللاجئين بأكمله بسبب أنشطة تلك الشبكات.

ولا تتوقف المخاطر عند ذلك، إذ تستغل شبكات الاتجار بالبشر حالة اليأس والقيود المفروضة على اللاجئين لاستدراج الشباب والنساء والأطفال إلى رحلات بحرية غير نظامية، عبر وعود بإيصالهم آمنين إلى ماليزيا أو إندونيسيا.
لكن ما يحدث على أرض الواقع يبدد أحلامهم، حيث حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من أن نحو 900 شخص لقوا حتفهم أو فُقدوا خلال رحلات الهجرة البحرية غير النظامية في عام 2025.
ويظهر تقرير الحماية المشترك أيضا استمرار عمليات الخطف مقابل الفدية، حيث يطلب الخاطفون بين 20 ألفا ومليون تاكا للإفراج عن المختطفين، فيما دفعت معظم الأسر ما بين 60 ألفا و300 ألف تاكا لإطلاق سراح ذويها.
جذور الأزمة
ويرى خبراء أن تنامي الجريمة داخل المخيمات لا يعكس ثغرات أمنية فحسب، بل يرتبط أيضا باستمرار القيود المفروضة على التعليم والعمل، إلى جانب تراجع التمويل الإنساني، إذ لم تحصل الخطة الأممية لعام 2025 إلا على أقل من نصف التمويل المطلوب، ما أدى إلى تقليص خدمات أساسية يعتمد عليها اللاجئون.
ويحذر محمد جنيد من أن استمرار هذا الواقع سيجعل مزيدا من الشباب “عرضة لاستغلال الشبكات الإجرامية”، مؤكدا أن الاستثمار في التعليم والتدريب وخلق فرص كسب العيش يمثل “خط الدفاع الأول ضد الجريمة”.
وحتى يتحقق ذلك، ستظل دائرة الخطر التي تحاصر مخيمات الروهينجا تتغذى على الفقر واليأس وغياب الأفق، ليبقى اللاجئون أول ضحاياها، قبل أن تمتد تداعياتها إلى المجتمعات المضيفة.



