هنا في مخيمات اللاجئين الروهينجا في بنغلاديش، لم تعد الأمطار الغزيرة مجرد حدث عابر، بل أصبحت “كابوسا” يطاردهم خلال موسم الأمطار السنوية ويحصد أرواحهم، ليترك أسرا تواجه آثارا نفسية ومادية قاسية.
وباتت الانهيارات الأرضية والفيضانات تهدد حياة الروهينجا في مناطق مكتظة وعالية الخطورة، بعدما حوّلت مناطق يُفترض أنها “ملاذا للناجين” إلى “بؤر تهدد حياتهم”.
هذا ما حدث في “الفاجعة” التي ضربت مدرسة خديجة الكبرى بالمخيم رقم 5 ، عندما انهار جزء من المدرسة الدينية للفتيات جراء الأمطار الغزيرة، ليبدأ “فصلا جديدا” من معاناة الروهينجا بمخيمات بنغلاديش.
وبين أب يواجه إصابة ابنته، وناج يروي لحظات احتجازه، وزعيم مخيم يحصي أعداد الضحايا، وناشط يحذر من غياب الحلول، انكشف “الواقع الخدمي المأساوي والهش” الذي يعيشه الروهينجا.
نجاة فتاة بإصابات بالغة
“ابنتي كانت في مدرسة تحفيظ القرآن وعندما هطلت أمطار غزيرة، انهار أحد الجدران بشكل مفاجئ ودُفنت وزميلاتها تحت الأنقاض”. هكذا بدأ إمداد الحق (47 عاما)، حديثه لـ”وكالة أنباء أراكان”.

مضيفا أن ابنته نجت من الحادث لكنها تعرضت لإصابات بالغة.
وأوضح أنها نُقلت إلى مستشفى حكومي في كوكس بازار لاستكمال العلاج، وبعد استعادتها وعيها، أبلغت أسرتها بأنها شاهدت وفاة فتاتين كانتا تجلسان إلى جوارها، بينما لا تزال عاجزة عن المشي بسبب إصاباتها.
وأشار إلى أن الأسرة لم تتلقَ تحذيرا قبل وقوع الكارثة، وذهبت ابنته إلى المدرسة كالمعتاد، لكن لم يتمكن الكثير من الأطفال من الوصول إلى مدارسهم بسبب الأمطار الغزيرة.
وذكر “الحق”، أن فرق الإنقاذ تأخرت في الوصول إلى موقع الحادث بسبب ضيق الطرق داخل المخيم، إذ اضطُر رجال الإنقاذ إلى قطع نحو 10 دقائق سيرا على الأقدام بعد توقف سيارات الإسعاف.
وقبل وصول هذه الفرق، بادر سكان المنطقة إلى عمليات الإنقاذ، فنقلوا المصابين إلى المستشفى وانتشلوا جثامين الضحايا من تحت الأنقاض.
وتابع حديثه: “الأسرة لم تتلقّ مساعدات مالية أو عينية مباشرة، بينما تواصل ابنتي تلقي الرعاية الطبية”، واضطرت الأسرة إلى دفع مبلغ مالي مقابل الحصول على سرير في المستشفى.
وناشد “الحق”، المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والجهات المانحة توفير رعاية طبية ودعم إضافي لابنته ولسائر المتضررين من الكارثة، مؤكدا أن استمرار المساندة يمكن أن يخفف من معاناة العديد من الأسر المتأثرة بالحادث.
ساعة ونصف تحت الأنقاض
أما (م. ق) أحد الناجين من الانهيار الأرضي الذي ضرب المدرسة، قال إنه ظل محاصرا تحت الأنقاض نحو ساعة ونصف قبل انتشاله من قبل أفراد المجتمع المحلي.
وأضاف أنه فقد الوعي بعد الحادث ولم يتذكر عملية إنقاذه قبل أن يخبره أحد أصدقائه بتفاصيل نجاته، لافتا إلى أنه يعاني من إصابات في العين وأجزاء أخرى من جسده.
24 وفاة منذ بداية العام
وعن تأثير الأمطار والفيضانات، قال مولوي رشيد الله، أحد زعماء الروهينجا بمخيم كوتوبالونغ 3 في بنغلاديش، إن قرابة 24 شخصا لقوا حتفهم في أنحاء المخيمات منذ بداية العام جراء الانهيارات الأرضية والأمطار الغزيرة.

ووصف حادث “مدرسة خديجة الكبرى” الذي وقع 8 يوليو الجاري، بأنه “أخطر الحوادث” بعد وفاة معلمة و7 طالبات وإصابة 5 أخريات.
وأوضح أن سكان المخيمات يعيشون في مناطق مكتظة وعالية الخطورة، مؤكدا أن نقل الأسر من المناطق الأكثر عرضة للانهيارات والفيضانات إلى أماكن أكثر أمانا، يمكن أن يرفع مستوى الحماية ويقلل المخاطر بدرجة كبيرة.
مشيرا إلى أن الاستجابة للكوارث تواجه عقبات كبيرة، أبرزها صعوبة إزالة الأتربة والأنقاض في ظل نقص المعدات الثقيلة، فضلا عن ضيق الطرق داخل المخيمات، ما يعيق وصول سيارات الإسعاف ومركبات الإنقاذ إلى مواقع الحوادث ويؤخر نقل المصابين.
وأوضح “رشيد الله”، أن السكان تلقوا تحذيرات مسبقة قبل وقوع الكارثة الأخيرة، إذ عقد مسؤولو المخيم اجتماعا مع برنامج الاستعداد للأعاصير، وأُرسلت رسائل تحذيرية إلى أئمة المساجد، كما نُفذت زيارات ميدانية للمنازل لحث السكان على الانتقال إلى أماكن أكثر أمانا.
وذكر أن المنظمات الإنسانية تقدم جهودا واسعة في مجال التوعية والاستجابة، لكن نقص التمويل يحد من قدرتها على تنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة ومعالجة المخاطر الأساسية في المخيمات.
وبحسب “رشيد الله”، تلقت الأسر المتضررة عقب قوع الحادث، مساعدات مرتبطة بإجراءات الدفن، ومواد غذائية ومساعدات نقدية، فيما نُقل المصابون إلى مستشفيات تقدم العلاج مجانا وتغطي النفقات الطبية.
ودعا زعيم المخيم، المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية وحكومة بنغلاديش إلى اتخاذ خطوات عاجلة لضمان عودة لاجئي الروهينجا إلى ميانمار بصورة آمنة وكريمة.
مؤكدا أن الإصلاحات المؤقتة داخل المخيمات لا تمثل حلا دائما لمعاناتهم.
تحذيرات وتصاعد الانهيارات
وفي السياق ذاته، حذر أشرف كمال، الناشط الروهينجي في مجال حقوق الإنسان، من تصاعد مخاطر الانهيارات الأرضية في مخيمات بنغلاديش.
وقال إن الأمطار المتواصلة تسببت في تدمير منازل ومدارس وسقوط أشجار، بينما أدى نقص التمويل إلى تراجع قدرة المنظمات الإنسانية على تنفيذ أعمال تدعيم التلال والحد من المخاطر.
وأوضح أن النساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة من أكثر الفئات عرضة للخطر، خاصة عند وقوع الانهيارات ليلا بشكل مفاجئ.
ودعا إلى تعزيز التنسيق بين المنظمات الإنسانية والمجتمعية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وإشراك خبراء في الجيولوجيا والتربة لتحديد المناطق الأكثر عرضة للانهيارات ونقل السكان منها، مطالبا بتوسيع أعمال تدعيم التلال وإنشاء الجدران الاستنادية.
ويكشف حادث “مدرسة خديجة الكبرى” حجم المخاطر التي تهدد حياة الروهينجا في المخيمات الهشة، لتمثل إنذارا جديدا لحجم التهديدات الناجمة عن الانهيارات الأرضية مع ضرورة توفر الدعم العاجل والإجراءات الوقائية بصورة أكثر فاعلية لحماية الأرواح من هذه المخاطر.




