يوليو 17, 2026

بين الجوع والمرض.. الروهينجا في مواجهة أزمة الدواء بمخيمات بنغلاديش

15 يوليو 2026

تقرير: خلود فطافطة

في واحدة من أكثر بقاع الأرض اكتظاظا، يواجه نحو 1.2 مليون لاجئ من الروهينجا في كوكس بازار ببنغلاديش، فصلا جديدا وقاسيا من المعاناة الممتدة منذ عام 2017.

حيث لم تعد الأزمة تقتصر على غياب المأوى، بل تحولت إلى كارثة صحية غير مسبوقة؛ بتسجيل 8,769 حالة جدري الماء في الربع الأول من عام 2026 وحده، بالتوازي مع تفش قياسي للجرب، يشكل الأطفال 80% من ضحاياه.

وبينما تفتك الأوبئة بالآلاف وسط انتشار المياه الملوثة والكوليرا والدفتيريا، يخوض مرضى السرطان والفشل الكلوي والسكري، معركة صامتة يائسة ضد نقص الدواء التخصصي.

وتشير دراسة حديثة إلى أن 14.1% من البالغين الروهينجا يعانون من ارتفاع ضغط الدم، فيما تبلغ نسبة الإصابة بالسكري 11%، وهي أمراض تتطلب أدوية منتظمة يصعب الحصول عليها في ظل نقص التمويل.

هذا الواقع القاتم يؤكد أن الحلول الإغاثية المؤقتة لم تعد تجدي نفعا، وإنقاذ هذا الجيل المنسي يتطلب “استراتيجية دولية عاجلة ومستدامة”.

الغذاء أم الدواء؟

مع تركيز الإغاثة الإنسانية على الرعاية الأولية، يواجه مرضى الأمراض المزمنة تحديا يوميا في الحصول على العلاج المنتظم وسط شح الأدوية.
يوضح خير الأمين، ممارس صحي في المخيم رقم 8، طبيعة هذه الأزمة من واقع مشاهداته اليومية قائلا: “كثيرا ما أرى وصفات طبية صادرة من المستشفيات تتضمن عدة أدوية، لكن عندما أراجع الأدوية التي تُسلم فعليا، أجد أن الأدوية الأهم أو الأعلى تكلفة غير موجودة”.
وأضاف الأمين، “هذه مشكلة خطيرة تحتاج إلى اهتمام الجهات المسؤولة”، مشيرا إلى أن أمية المرضى تجعلهم غالبا غير مدركين لما ينقصهم من علاج أساسي.

بين الجوع والمرض.. الروهينجا في مواجهة أزمة الدواء بمخيمات بنغلاديش
مريض روهينجي داخل مشفى في كوكس بازار (صورة: ANA)

كما أشار الى الافتقار للخيارات العلاجية لمرضى السكري والضغط، ويكتفي بإحالتهم إلى مستشفيات لا تضمن رعاية منتظمة، محذرا من أن انقطاع الأنسولين وأدوية الضغط يهدد حياة المرضى بمضاعفات قاتلة.

وزاد عمق الأزمة بعد قرار برنامج الأغذية العالمي بخفض المخصصات الغذائية للفرد إلى (6 – 8 دولارات) شهريا خلال عامي 2025 و2026 إثر تراجع التمويل؛ إذ لم تغط خطة الاستجابة إلا بنسبة 32% حتى إبريل الماضي، حسب مفوضية اللاجئين.
هذا التقليص جعل أي دولار يصرف على الدواء انتزاعا لقوت الأسرة؛ مما دفع بعض العائلات لبيع حصصها التموينية لتغطية تكاليف العلاج.
ويؤكد الأمين أن “الاحتياجات” تفوق “الإمكانيات”، مما يتطلب “مراقبة دقيقة لتوزيع الدواء” وتأهيل “كادر مجتمعي” لتقديم الرعاية الأساسية.

فجوة الرعاية التخصصية

تتجاوز الأزمة نقص الأدوية إلى غياب شبه كامل للخدمات الطبية التخصصية.
يوضح الدكتور ياسين محمد عبد الله، الطبيب في منظمة الخدمات المتعددة الدولية، أن الحالات الجراحية المعقدة، وأمراض القلب،

والفشل الكلوي المتقدم الذي يتطلب غسيلا طويلا، “لا يكون متاحة غالبا في بيئة المخيمات”، ويحتاج أصحابها إلى إحالة لمستشفيات من “المستوى الثالث” خارج المخيم.

لكن طريق الإحالة نفسها محفوفة بالعقبات الإدارية؛ بحسب عبد الله، تبدأ العملية بتقييم طبي معقد وتنسيق ممتد مع السلطات، وقد تمتد فترة الانتظار للحالات غير الطارئة “من عدة أيام إلى عدة أسابيع”.

ويؤكد أن التأخر في الحصول على موافقة أو ترتيب نقل قد يحوّل حالة “يشتبه بإصابتها بورم خبيث” إلى حالة متفاقمة يصعب علاجها ويقل احتمال تعافيها.

وفي سياق متصل، يؤكد الدكتور أ. ز. م. عمران، المسؤول الطبي في المركز الصحي التابع للمنظمة ذاتها،
أن توسيع خدمات الرعاية التخصصية الزائرة وتعزيز التطبيب عن بُعد، قد يسهمان في سد جزء من هذه الفجوة، ريثما تتوفر “حلول مستدامة”.

المرض وتمزق الأسرة

لا تتوقف آثار نقص الدواء عند حد المرض؛ فوفاة معيل الأسرة بمرض يمكن علاجه تنقل العبء مباشرة إلى النساء والأطفال. ويضطر الكثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة لمواجهة الفقر، مما يرفع معدلات عمالة الأطفال وزواج القاصرات.

ويواكب هذا العبء المادي ثمنا نفسيا باهظا؛ إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو أسرة واحدة من كل عشر أسر في مخيمات الروهينجا تضم فردا يعاني من اضطراب في الصحة النفسية، في مؤشر على عمق الآثار غير المرئية للأزمة الصحية.

ويصف الأخصائي الاجتماعي، محمد ياسين، حالة الإحباط السائدة قائلا: “يتسلل اليأس والخوف تدريجيا إلى نفوس المرضى وذويهم”.

بين الجوع والمرض.. الروهينجا في مواجهة أزمة الدواء بمخيمات بنغلاديش
اثنان من الروهينجا يحملان مريض على كرسي خشبي داخل مخيمات كوكس بازار (صورة: ANA)

ورغم وجود مبادرات كمركز “شانتي خانا” لدعم كبار السن، يؤكد محمد أنها “برامج عامة لا تكفي للاستجابة للاحتياجات النفسية المتنوعة”، مما يترك معظم الأسر تواجه مصيرها بمفردها، أو معتمدة على مساعدات شحيحة من أقاربها في الخارج.

في ختام المشهد، لا يبحث مرضى الروهينجا عن معجزات طبية، بل عن أدوية أساسية تصلهم بانتظام، مثل الأنسولين ووحدات غسيل الكلى، ليتجنبوا الموت البطيء، لتتشكل بصمت أزمة إنسانية ممتدة لم تنتهِ فصولها بعد.

شارك
×