يوليو 11, 2026

كيف حول جيش ميانمار سلاح الجو إلى أداة “عقاب جماعي”؟

11 يوليو 2026

كتب: تهاني علي

لا شيء يتطور في ميانمار سوى لغة آلة الحرب، حيث انتقل التصعيد العسكري في ميانمار، إلى مستوى جديد وغير مسبوق، بعد تحول القوة الجوية للجيش إلى أداة رئيسية لتنفيذ ما يُوصف باستراتيجيات “العقاب الجماعي” و”الأرض المحروقة” ضد المدنيين، لا سيما في ولاية أراكان التي يشهد فيها مجتمع الروهينجا فصلا جديدا من الاضطهاد.

ويأتي هذا التصعيد الدموي، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة إنسانية متفاقمة؛ إذ تشير أحدث بيانات للأمم المتحدة لعام 2025 إلى أن قرابة 21.9 مليون شخص، بينهم 6.9 ملايين طفل، بحاجة ماسة للمساعدات الإنسانية، في حين تخطى عدد النازحين داخليا حاجز 3.5 ملايين نتيجة النزاع المسلح المستمر.

جحيم السماء

تكشف التقارير الميدانية أن الاعتماد المفرط للجيش على سلاح الجو نتيجة للتراجع الحاد في سيطرته الميدانية على الأرض، وانهيار معنويات قف,اته البرية، أمام التقدم الواسع للفصائل المسلحة والتنظيمات العرقية.

في ولاية أراكان تحديدا، تمكن جيش أراكان البوذي من بسط سيطرته على ما يقرب من 90% من أراضيها، محاصرا نفوذ الجيش في عدد محدود من المدن والقواعد العسكرية.

ويشرح الناشط السياسي والمحلل العسكري الروهينجي، ناي سان لوين (المؤسس المشارك لتحالف الروهينجا الأحرار)، هذا التحول التكتيكي قائلا: “يعتمد الجيش حاليا بشكل مكثف على القوة الجوية التي يفتقر أعداؤه إلى القدرة بالرد عليها”.

ويضيف “النظام يتمتع بحصانة مطلقة، ويعتقد أنه لن يُحاسب أبدا؛ لذلك لا يميز بين المقاتلين والمدنيين، ويستهدف أي شيء في طريقه”.

كما كشفت وثائق “هيومن رايتس ووتش” لجوء قوات الجيش بشكل ممنهج إلى استخدام “القنابل العنقودية” في قصف المناطق الآهلة بالسكان في ولايات أراكان وتشين وإقليم مندلاي.

هذا التصعيد انعكس في قفزة مرعبة لضحايا الغارات الجوية، حيث وثقت الأمم المتحدة مقتل ما لا يقل عن 982 مدنيا (بينهم 232 طفل و368 امرأة) خلال عام 2025، بزيادة بلغت 52% عن العام السابق، فضلا عن تصدر ميانمار القائمة العالمية لضحايا الألغام الأرضية ومخلفات الحروب.

كيف حول جيش ميانمار سلاح الجو إلى أداة "عقاب جماعي"؟
مشفى “مروك يو” بعد تعرضها لغارة جوية (صورة مواقع التواصل الاجتماعي)

قصف البنية التحتية

توضح المؤشرات الحقوقية أن قصف المستشفيات والأسواق والمدارس في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، لم يعد مجرد أخطاء عملياتية، بل يُصنف كجزء من تكتيك أوسع يُعرف تاريخيا بـ “القطع الأربعة”، الذي يستهدف عزل قوى المقاومة عبر قطع الغذاء، والتمويل، والمعلومات، والمجندين، من خلال ترويع المدنيين وفرض حصار خانق يعيق وصول المساعدات الطبية والإنسانية الطارئة.

وفي هذا السياق، يقول المحلل ناي سان لوين: “يعتقد الجيش أنه إذا دُمّرت البنية التحتية المدنية، فسيضغط السكان على القوات الثورية لوقف القتال”.

وقد أسفر هذا التدمير الممنهج عن انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية؛ حيث سجلت منظمة الصحة العالمية قفزة حادة في الهجمات على قطاع الرعاية الصحية بلغت 70 هجوما مؤكدا خلال عام 2025 (مقارنة بـ 31 هجوما في العام السابق)، أسفرت عن مقتل 148 شخصا من الكوادر الطبية والمرضى.

وتكشف شهادة ميدانية لـ ممرض روهينجي (طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية) يعمل تحت الحصار في شمال ولاية أراكان عن الواقع المرير للمستشفيات، يقول: “معظم المرضى بينهم أطفال، والذين نستقبلهم يعانون من إصابات ناجمة عن انفجارات الغارات الجوية والقصف المدفعي”.

ويؤكد الممرض أن الإمدادات الطبية الأساسية والمعدات الجراحية تنفد باستمرار، كما يضطر هو وزملاؤه إلى تقديم الرعاية في الخطوط الأمامية بسبب فرار الأطباء ونقص الكوادر.

ويضيف “كثير من الجرحى والنساء الحوامل يفقدون حياتهم في المنازل أو يصلون متأخرين جدا لخوفهم من استهداف العيادات مجددا”.

كيف حول جيش ميانمار سلاح الجو إلى أداة “عقاب جماعي”؟
قصف جوي شنه جيش ميانمار بقرية “كيوك ني ماو” في أراكان، 8-1-2025 (صورة: وسائل التواصل الاجتماعي)

الروهينجا بين نارين

إذا كان القصف الجوي يمثل الاستراتيجية الأبرز للنظام، فإن الوضع الميداني في ولاية أراكان يكشف عمق المأساة المركبة للروهينجا؛ إذ يجد قرابة 630 ألف منهم أنفسهم محاصرين بين نيران الجيش من جهة، وتقدم جيش أراكان البوذي من جهة أخرى.

ومع توسيع الفصيل العرقي لسيطرته، واجه الروهينجا فصلا جديدا من الفظائع كاقتحام بلدات مثل “بوسيدونغ” و”منغدو” ونهبها وحرقها بالكامل، بالإضافة إلى قيود على الحركة والتجنيد القسري وعمليات قتل واختطاف في بعض المناطق.

وينقل ناشط ميداني وشاهد عيان روهينجي من شمال الولاية تفاصيل هذا الحصار قائلا: “الحياة اليومية مليئة بالخوف؛ فالناس لا يعلمون متى ستقع الغارة التالية، والعائلات تنام في ملاجئ مؤقتة وتنزح من مكان لآخر”.

مؤكدا أن الأطفال توقفوا عن الذهاب إلى المدارس وأُغلقت الأسواق وتوقفت الحركة التجارية تماما داخل الولاية.

كما أشار إلى نقص المواد الأساسية كالغذاء والدواء والوقود بشكل دائم، ما أدى لانتشار سوء التغذية الحاد بين الأطفال.

هذا الحصار الخانق، دفع بآلاف المدنيين إلى الفرار الجماعي ومحاولة النجاة عبر ركوب البحر فيما يُعرف بـ “قوارب الموت”، بحثا عن ملجأ آمن في الدول المجاورة.

كيف حول جيش ميانمار سلاح الجو إلى أداة “عقاب جماعي”؟
غارة جوية على بلدة تانداوي في ولاية أراكان (صورة: موقع إيراوادي)

 

المساءلة المؤجلة

من الناحية القانونية، تثير هذه الهجمات الممنهجة تساؤلات حول آليات المحاسبة الدولية وقدرة المنظومة القانونية على ملاحقة قادة جيش ميانمار.

وتشرح الخبيرة القانونية ومحامية حقوق الإنسان الدولية، شابنام مايت (المؤسسة المشاركة لمنظمة حماية الروهينجا)، كيف ينظر القانون الدولي الإنساني لهذه الأنماط قائلة: “لتصنيف هذه الهجمات، يبحث المحققون في مسائل مثل: وجود هدف عسكري مشروع، تعمد استهداف المدنيين، ومدى اتخاذ الاحتياطات”.

وأردفت “إذا تكررت الهجمات على المناطق المدنية على مدى شهور أو سنوات بنفس الأساليب، فإن القانون الجنائي الدولي ينظر إليها كجزء من سياسة أو ممارسة أوسع”.

أما فيما يتعلق بالعقبات السياسية التي تمنع مجلس الأمن من اتخاذ إجراءات حاسمة، فتعيدها إلى غياب الإرادة السياسية الدولية ونقص آليات الإنفاذ الفعالة.
حيث تعتمد المؤسسات الدولية بشكل رئيسي على مدى استعداد الدول الأعضاء لاتخاذ إجراءات جماعية إنفاذية.

وترى الخبيرة القانونية، ان الانقسامات السياسية وتضارب المصالح بين الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن واستخدام حق النقض (الفيتو) “يعطل الوصول إلى توافق دولي حاسم”.

هل تتوقف الغارات؟

رغم الانسداد السياسي الدولي، تؤكد شابنام مايت أن مقاطع الفيديو والشهادات الميدانية المتداولة، تمثل أدلة قانونية مقبولة لتأكيد روايات الشهود وتوثيق الفظائع في القرى المعزولة، شريطة الحفاظ على “سلسلة الحفظ” التي تضمن عدم تعديل المواد الجنائية وبيانات الموقع الجغرافي.

وفي المقابل، يرى محللون أن مواجهة القصف الحالي تتطلب حلولا لوجستية فورية موازية للمسارات القضائية الطويلة.

وهنا يطالب المحلل ناي سان لوين المجتمع الدولي بضرورة فرض حظر صارم على وقود الطائرات العسكرية.

ويقول بهذا الصدد، “حظر وقود الطائرات يُعد خطوة استراتيجية؛ حيث يُجبر النظام على الشراء عبر السوق السوداء بأسعار مرتفعة جدا”.

ويضيف “الضغط المالي واللوجستي سيؤدي حتما إلى تقليص إمدادات الوقود، مما يمنعه من قصف المدنيين بالوتيرة الحالية نفسها”.

وتظهر المؤشرات الميدانية في ميانمار، أن المدنيين لم يعودوا مجرد ضحايا للصراع، بل أضحوا الأهداف الحيوية لاستراتيجية عسكرية تسعى لتعويض خسائر الأرض عبر إحراق الجميع من السماء.

ومع استمرار عجز آليات المجتمع الدولي عن فرض تدابير حاسمة، يظل نداء الكوادر الطبية والناشطين معلقا بانتظار إجراءات دولية تقص أجنحة النظام العسكري وتوقف تدفق وقود الطائرات التي تُمطر العزل بالموت.

شارك
×