رغم مرور سنوات على النزوح الجماعي للروهينجا من ميانمار، لا تزال التداعيات حاضرة داخل مخيمات اللاجئين في بنغلاديش، حيث تواجه آلاف النساء والفتيات آثار العنف والاستغلال الجنسي والصدمات النفسية.
وكشفت شهادات ناجيات حجم المعاناة التي تعرضن لها خلال النزوح أو أثناء محاولات الفرار عبر الرحلات البحرية الخطرة. في المقابل، ما تزال المحاسبة محدودة رغم توثيق هذه الجرائم واستمرار بطء الإجراءات القانونية.
ووفق بيانات الأمم المتحدة، تشكل النساء والفتيات نحو 52% من إجمالي اللاجئين الروهينجا في مخيمات كوكس بازار، ما يجعلهن من أكثر الفئات عرضة لمخاطر العنف والاستغلال والاتجار بالبشر.
-نجاة بعد احتجاز مؤلم-
في هذا السياق، قالت اللاجئة تسمين تارا (21 عاما)، من قرية فارانبارو في بلدة منغدو بولاية أراكان، إنها نجت من احتجاز وعنف شديد أثناء فرارها مع أسرتها إلى بنغلاديش عام 2024.
وفرت وأسرتها بعد هجوم على القرية من قبل جيش أراكان البوذي، وهو جماعة متمردة بوذية من ولاية أراكان في ميانمار.
وأضافت أنه جرى اعتراضهم ليلا أثناء محاولة الفرار إلى بنغلاديش، ما أدى إلى انفصالها عن زوجها واحتجزت مع رضيعتها ثلاثة أيام في غابات المانغروف على نهر ناف.
وفي حديثها لـ”وكالة أنباء أراكان”، أوضحت تعرضها “للاغتصاب المتكرر وهي معصوبة العينين، قبل أن تمكنها من الفرار عندما غادر عناصر جيش أراكان المكان مؤقتا”.
وهربت تارا بعيدا حتى التقت بنازحين آخرين كانوا من بين الفارين إلى بنغلاديش، ووصلت إلى مخيم للاجئين وتمكنت لاحقا من لمّ شملها مع زوجها وابنتها الكبرى، بينما لا تزال آثار تجربتها مستمرة نفسيا.
-بوابة جديدة للاستغلال-
تعيش تارا حاليا بمخيم بالوخالي في بنغلاديش، بعد محاولتها الهجرة بحرا إلى ماليزيا للالتحاق بزوجها، لكن حرس الحدود البنغلاديشي اعترض القارب الذي كانت على متنه.
وقالت إنها اتخذت قرار السفر نتيجة صعوبة الحياة بالمخيم وغياب زوجها، حيث انطلقت مع 30 شخصا، معظمهم من النساء والفتيات، بمساعدة عدد من المهربين الذين وعدوهم بالوصول الآمن إلى ماليزيا.
وأفادت بأنها نُقلت مع مجموعة إلى مستودع في تكناف قبل انطلاق الرحلة البحرية، وعاشوا في ظروف قاسية تحت حراسة مسلحين، فيما تعرضت “بعض الفتيات للاستغلال بعزلهن عن بقية المحتجزين، بعد استدراجهن بحجة اتصال ذويهن بهن هاتفيا”.
وأوضحت تارا ادراكها خطورة الرحلة عند اضطرار الركاب إلى السير في مياه البحر للصعود إلى القارب، قبل انتهاء المحاولة باعتراضهم ونقلهم إلى مركز للشرطة ثم إعادتهم إلى أماكن إقامتهم.
كما حذرت النساء خاصة غير المتزوجات، من سلك طرق الهجرة غير النظامية، مؤكدة أن كثيرات “يجهلن مخاطر الاستغلال والعنف الجنسي والاتجار بالبشر التي قد يتعرضن لها خلال هذه الرحلات”.
-صدمات نفسية مستمرة-
وعن الآثار النفسية، قال الدكتور إيه زد إم عمران، الذي يعمل في أحد مخيمات اللاجئين، إن الطواقم الطبية تستقبل يوميا حالات تعاني من “إصابات جسدية وصدمات نفسية”.
وخلال حديثه مع وكالة أراكان، قال: “كثير من المرضى يواجهون صعوبة في التعبير عن معاناتهم (…)، ترتبط بعض الحالات بإصابات وأحداث عنف تعرضوا لها في أراكان قبل وصولهم إلى بنغلاديش”.
وأكد عمران أن بناء الثقة مع المرضى يعتمد على الاستماع لحالاتهم وشرح العلاج ومتابعتهم، مع إحالة الحالات التي تتجاوز إمكانات المخيم إلى مختصين أو مرافق صحية أخرى.
وأوضح أن “النساء والأطفال هم الأكثر عرضة للاستغلال والاتجار بالبشر” بسبب الهشاشة النفسية والاجتماعية، وفق تعبيره.
كما لفت إلى أن “نقص عدد الطبيبات، ومحدودية الموارد، وطول قوائم الانتظار، من أبرز التحديات التي يواجهونها داخل المخيمات”.
-جرائم موثقة وإفلات من العقاب-
وأكد الباحث محمد طفيل لـ”وكالة أنباء أراكان”، أن العنف الجنسي ضد نساء وفتيات الروهينجا وثقته منظمات حقوقية وأممية وصحفيين وبعثات تقصي الحقائق، معتبرا أن هذه الانتهاكات ترقى إلى “جرائم ضد الإنسانية”.
وأشار إلى أن الجهود القانونية أسفرت عن رفع قضايا أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، إضافة إلى إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس الميانماري مين أونغ هلاينغ، في إطار التحقيقات المتعلقة بالجرائم المرتكبة ضد الروهينجا.
وواصل طفيل حديثه قائلا: “بطء الإجراءات القانونية وغياب المحاسبة يعززان الإفلات من العقاب ويضعفان ثقة الضحايا بالعدالة الدولية”، مشددا على ضرورة توفير “الدعم النفسي والاجتماعي” للناجيات، وتعزيز “الحماية” داخل المخيمات.
وبينما تتواصل التحقيقات الدولية والمسارات القضائية، ما تزال آلاف النساء الروهينجيات يعشن بين آثار الانتهاكات ومخاطر الاستغلال المستمرة داخل المخيمات، في وقت تبقى فيه العدالة بعيدة المنال والحماية غير كافية لوقف دوامة العنف المتكررة، التي تجبر نساء الروهينجا على مواجهة المعاناة بمفردهن.


