كتبت: تهاني علي
في أحد الأزقة الطينية المتعرجة داخل مخيمات اللاجئين الروهينجا في كوكس بازار جنوب بنغلاديش، يحاول الطفل محمد علي أن يوازن خطواته مستندا إلى عكازيه.
يراقب أصدقاءه وهم يركضون خلف كرة القدم على أرض غير مستوية، بينما يقف هو على الهامش، عاجزا عن المشاركة في اللعبة التي كانت شغفه الأكبر قبل أن تغير الحرب مسار حياته.
لا تبدو الإعاقات الجسدية التي يحملها كثير من الناجين الروهينجا مجرد إصابات عابرة أو مشكلات مزمنة، بل تحولت إلى شواهد حية على سنوات من العنف والانتهاكات التي تعرض لها هذا المجتمع في ولاية أراكان بميانمار.
وبينما تلتئم بعض الجروح بمرور الوقت، تبقى أخرى محفورة في الأجساد والذاكرة، لتفرض على أصحابها معارك يومية جديدة داخل بيئة لجوء قاسية ومحدودة الموارد.
ووفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يعيش في مخيمات بنغلاديش نحو 1.2 مليون لاجئ، من بينهم نحو 56 ألف شخص من ذوي الإعاقة مسجلين لدى الجهات الإنسانية.
في المقابل، تشير نتائج التقييم متعدد القطاعات لعام 2025 إلى أن نحو 9.7% من اللاجئين يعانون شكلا من أشكال الإعاقة.
-قنبلة سرقت الطفولة-

محمد علي، البالغ من العمر 12 عاما، كان نائما داخل منزله في قرية “هوري تولي” التابعة لمدينة منغدو، عندما سقطت قنبلة على المنزل خلال اشتباكات بين جيش ميانمار وجيش أراكان البوذي.
يقول الطفل في حديثه مع وكالة أنباء أراكان: “أصابتني شظايا القنبلة بعد اختراقها السقف مباشرة”.
نجا محمد من الموت، لكن الإصابة تركت آثارا دائمة على قدرته على الحركة، وبعد تلقي إسعافات أولية داخل أراكان، نُقل إلى بنغلاديش حيث خضع للعلاج في مستشفى بمدينة “شيتاغونغ” عقب إحالته من منظمة أطباء بلا حدود.
ورغم مرور أشهر على الحادثة التي حرمته من مواصلة تعليمه، لا يزال يجد صعوبة في المشي، خاصة على المرتفعات والمنحدرات المنتشرة داخل المخيم.
يقول بصوت خافت: “أحب لعب كرة القدم، كنت ألعبها عندما كنا في أراكان، لكنني لم أعد أستطيع اللعب هنا”.
لم تقتصر خسائر العائلة على إصابة الطفل، فبحسب والده، قُتل ابن شقيقه الذي كان بجوار محمد لحظة سقوط القنبلة.
ويضيف الأب: “اضطررنا إلى مغادرة منزلنا فورا، وبعد الانتهاء من دفن ابن أخي خرجنا إلى بنغلاديش وسط استمرار القصف العنيف والقتال”.
بين إعالة للأسرة والاتكالية

أما كريم الله، البالغ من العمر 42 عاما، فيجسد وجها آخر للمعاناة، قبل النزوح، كان يعمل في الصيد وتجارة الأخشاب والماشية داخل ولاية أراكان، ويتمتع باستقرار اقتصادي مكّنه من إعالة أسرته المكونة من ستة أفراد، لكن اعتداء تعرض له على يد جنود من جيش ميانمار غيّر حياته بالكامل.
يقول: “قاموا بضربي ببنادقهم، ومنذ ذلك الحين لم أعد قادرا على القيام بالأعمال الشاقة”.
وبعد تسع سنوات من اللجوء، ما زال الرجل يعاني آثار الإصابة التي أفقدته قدرته على العمل، لتتحول أسرته من الاعتماد على دخله إلى انتظار مساعدات متقطعة يرسلها أحد أقاربه من ماليزيا.
ويضيف بحزن: “من الصعب جدا أن يكون الإنسان الذي كان يعيل أسرته مضطرا إلى انتظار مساعدة الآخرين”.
ولا تتوقف معاناة كريم الله عند فقدان مصدر رزقه، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيم، فالطرقات الضيقة والمنحدرات والانهيارات الأرضية الموسمية تجعل الوصول إلى الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، بينما تشكل تكاليف الرعاية الطبية المتخصصة عبئا يفوق قدرة كثير من الأسر.
يقول: “عندما تهطل الأمطار أصبح غير قادر حتى على الخروج لقضاء الاحتياجات الأساسية”.
-أعباء تتجاوز الجسد-
الإعاقة لا تترك آثارها على الجسد فقط، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي أيضا.
ويوضح ذلك الناشط المجتمعي محمد عالم، المعروف باسم “بي زد ألوم” قائلا: “الكثير منهم يشعرون بأنهم أصبحوا عبئا على أسرهم ومجتمعهم، ويعيشون مشاعر اليأس والعزلة والإحساس بعدم القدرة على القيام بأي دور”.
وتتزامن هذه التحديات مع تحذير الأمم المتحدة من تراجع التمويل الدولي الذي بات يهدد الخدمات الصحية وبرامج التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي الموجهة للاجئين، بما في ذلك الأشخاص ذوو الإعاقة الذين يعتمدون بصورة كبيرة على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
وبينما ينظر العالم إلى مخيمات اللجوء باعتبارها ملاذا من الحرب، يعيش آلاف الناجين ذوي الإعاقة واقعا أكثر تعقيدا؛ فالإصابة التي بدأت هناك لم تنته عند الحدود، بل تحولت إلى معركة مستمرة مع الفقر والعزلة وصعوبة الحركة وتراجع الفرص.
وبين محمد علي الذي فقد القدرة على الركض، وكريم الله الذي فقد القدرة على إعالة أسرته، تتجسد وجوه مختلفة لمعاناة واحدة ما زالت آثارها مستمرة بعد سنوات من النزوح، دون حلول تلوح في الأفق.


