يوليو 2, 2026

زواج القاصرات بين الروهينجا.. ظاهرة اجتماعية تتغذى على الفقر والخوف وغياب الحماية

17 يونيو 2026

لا تزال ظاهرة زواج القاصرات تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمع الروهنجي بمخيمات اللاجئين في بنغلاديش، بفعل تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية وأمنية.

وبين محدودية فرص التعليم وانتشار الفقر وضعف الحماية، تلجأ الكثير من الأسر إلى تزويج فتياتهن في سن مبكرة ظنا منها أنها وسيلة للحماية من المخاطر الأمنية والاجتماعية.

وفي ضوء شهادات من فتيات تزوجن مبكرا، وآباء يكافحون لتأمين احتياجات أسرهم، يرى نشطاء أن حملات التوعية وحدها ليست كافية لمواجهة الظاهرة دون استجابة شاملة تجمع بين التعليم والحماية والدعم المادي والمعنوي.

-طلاق بعد زواج مبكر-

في هذا السياق، تقول حميمة (29 عاما)، من قرية دومباي في تونغ بازار بميانمار، إنها اضطرت إلى ترك الدراسة بعد الصف التاسع، بسبب الضغوط الاجتماعية والتنمر، قبل أن تتزوج في سن السادسة عشرة، في تجربة انتهت بالطلاق.

وفي حديثها لـ”وكالة أنباء أراكان”، تضيف أن والديها لم يعارضا تعليمها، لكن المجتمع كان ينتقد استمرار دراسة الفتيات، كما تعرضت لمضايقات متكررة من بعض طلاب “الراخين” أثناء رحلتها إلى المدرسة، شملت الدفع والتحرش، ما زاد الضغوط على أسرتها.

تزايد أعداد النساء ضحايا هجمات جيش ميانمار في أنحاء البلاد (صورة: UN Women)
تزايد أعداد النساء ضحايا هجمات جيش ميانمار في أنحاء البلاد (صورة: UN Women)

هذه الأسباب دفعت والديها لطلب تركها الدراسة بعد الصف التاسع، بعدما أقنعها أهلها بأن فرص الزواج تقل إذا تأخر زواج الفتاة، وبعد فترة قصيرة ورغم رفضها في البداية، تزوجت دون معرفة كافية بمسؤولياتها، وبعد خلافات متكررة مع زوجها، الذي كان يعنفها أحيانا، انتهى الزواج بالطلاق.

وتشير “حميمة” إلى أنها لم تكن تعرف مخاطر الزواج المبكر إلا بعد وصولها إلى المخيمات واطلاعها على برامج التوعية، فيما دعت الأسر إلى عدم تزويج الفتيات في سن مبكرة، ومنحهن فرصة التعليم والنضج.

-الفقر يهدد مستقبل الفتيات-

أما المولوي محمد سلام (52 عاما)، اللاجئ الروهنجي المقيم في مخيم حكيم بارا ببنغلاديش، وأب لثماني بنات وولدين، يرى أن الفقر والظروف المعيشية الصعبة بعد نزوحه من ميانمار عام 2017، جعل تزويج بناته البالغات تحدياً كبيرا.

يقول إنه كان يحلم بأن تصبح بناته طبيبات أو معلمات، لكن النزوح وفقدان مصادر الدخل جعلاه عاجزا عن مواصلة تعليمهن كما كان يتمنى.

ويوضح أن الصعوبات المالية كانت سببا رئيسيا دفعه للتفكير في تزويج بناته بعد بلوغهن، مشيرا إلى أن تكاليف الزواج قد تتراوح بين 150-450 ألف تاكا (1223-3670 دولارا)، وتشمل توفير أثاث ومتطلبات أخرى، الأمر الذي يجعل العثور على زوج مناسب أمرا بالغ الصعوبة بالنسبة للأسر الفقيرة.

وبحسب “محمد سلام”، فإن الفقر لا يؤثر فقط على فرص الزواج، بل يعرّض الفتيات لمخاطر اجتماعية متزايدة، مثل التشهير عبر الصور، وهي ممارسات قد تدمر سمعة الفتاة وفرصها المستقبلية.

ورغم الضغوط الاقتصادية، يشدد على أن الزواج المبكر ليس حلا، فالفتاة الصغيرة لا تمتلك النضج الكافي لتحمل مسؤوليات الزواج، وكثيرا ما يحرص الأئمة والقيادات المجتمعية على نشر التوعية بمخاطر الزواج المبكر.

زواج القاصرات بين الروهينجا.. ظاهرة اجتماعية تتغذى على الفقر والخوف وغياب الحماية
مجموعة من الفتيات الروهنجيات داخل أحد مخيمات اللاجئين في كوكس بازار (صورة: UNFPA)

وأشار الى أن لجوء بعض الأسر إلى تزويج بناتها مبكرا أو إرسالهن عبر البحر إلى ماليزيا، واستشهد بحادثة تعرض فتاة من أقاربه للاغتصاب خلال رحلة تهريب بحري قبل وصولها إلى ماليزيا.

ودعا إلى تحرك مجتمعي لمواجهة الظاهرة، يشمل التحقق من أعمار الفتيات، وتوعية الآباء بمخاطر الزواج المبكر، وتقديم الدعم المالي للأسر، والدعم النفسي والاجتماعي للفتيات اللواتي تزوجن مبكرا.

-الزواج المبكر ليس حماية-

وحذّر الناشط الروهنجي سيد المصطفى (25 عاما)، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لـ”شبكة مناصرة شباب الروهينجا”، من أن المخاوف الأمنية داخل مخيمات اللاجئين تدفع كثيرا من الأسر إلى تزويج الفتيات في سن مبكرة، اعتقادا بأن ذلك يوفر لهن الحماية، لكن غالبا يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في الانقطاع عن التعليم، والمشكلات الصحية والنفسية، وارتفاع مخاطر الطلاق.

وفند أسباب الزواج المبكر لتشمل حالات العنف الجنسي، والاختطاف، والحوادث الأمنية، وهي عوامل تزيد شعور العائلات بعدم الأمان وتدفعهم إلى البحث عن الزواج باعتباره وسيلة للحماية.

إلا أنه شدد على أن الزواج المبكر لا يوفر الحماية الحقيقية للفتيات، فالكثير منهن لا يمتلكن النضج الكافي، ما يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال والإساءة والنزاعات الأسرية التي تنتهي أحيانا بالطلاق، إضافة إلى المخاطر الصحية الناتجة عن حمل القاصرات والتي تهدد حياتهن.

-ثغرات تفاقم الظاهرة-

أما الناشط الروهنجي عرفات حسين، المقيم في المخيم 11، أكد أن ظاهرة زواج الأطفال لا تزال مستمرة في مخيمات اللاجئين ببنغلاديش رغم حملات التوعية، إلا أن نتائجها ما تزال محدودة.

أسرة روهنجية تتناول الطعام داخل منزلهم بمخيمات اللاجئين في بنغلادش (صورة: WFP)
أسرة روهنجية تتناول الطعام داخل منزلهم بمخيمات اللاجئين في بنغلادش (صورة: WFP)

وأوضح أن نقص فرص التعليم، خصوصا للفتيات، يعد أحد أبرز أسباب استمرار زواج الأطفال، تزامنا مع التحديات الكبيرة بسبب محدودية المرافق التعليمية وغياب البيئة الآمنة التي تشجع الأسر على إبقاء بناتها في الدراسة.

ولفت إلى أن الأوضاع الاقتصادية تلعب دورا رئيسيا في تفاقم المشكلة، إذ لا تكفي الحصص الغذائية الشهرية لتلبية احتياجات الأسر، ما يدفع بعض الآباء، خاصة ممن لديهم عدة بنات، إلى اعتبار الزواج المبكر وسيلة لتخفيف الأعباء المعيشية.

وأوضح “حسين”، أن الزواج المبكر يحظى بقبول اجتماعي، حيث تميل الأسر إلى تزويج الفتيات عند بلوغهن سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة.

داعيا إلى تعزيز التعاون بين المنظمات الإنسانية وسلطات المخيم، بما في ذلك جمع المعلومات عن حالات الزواج المبكر واتخاذ إجراءات بحق الآباء المتورطين في تزويج القاصرات.

وفي ظل الأزمات التي يعيشها الروهينجا، يبقى زواج القاصرات ظاهرة لا تحتاج إلى توعية فقط بل معالجة شاملة للأسباب التي تدفع الأسر إلى اتخاذ مثل هذا القرارات التي تنتهي بنتائج كارثية، وهنا وجب توفير الضمانات للفتيات، حتى يحظين بحياة آمنة وكريمة.

شارك
×