يوليو 10, 2026

الروهينجا في ماليزيا.. حياة معلقة بين اللجوء غير المعترف به وانتظار المجهول

8 يوليو 2026

تقرير: تهاني علي

هنا في أحد الأحياء المكتظة، على أطراف العاصمة الماليزية كوالالمبور، يستيقظ أمان الله كل صباح وهو لا يعلم إن كان سيعود إلى منزله مساء، أم ستقوده حملة تفتيش مفاجئة إلى أحد مراكز احتجاز المهاجرين.
وبين البحث عن عمل وقلقه من فقدان المأوى، يعيش، شأنه شأن نحو 128 ألف لاجئ من الروهينجا في ماليزيا حياة معلقة منذ سنوات، في بلد وفر لهم ملاذا من الحرب، لكنه لا يمنحهم صفة قانونية.

ورغم أن للشرطة الماليزية، أكدت أن تورط أبناء الجالية في الأنشطة الإجرامية “ضئيل ولا يتجاوز 0.2% من إجمالي الجرائم المسجلة في البلاد”. إلا ان الروهينجا يواجهون اتهامات بزيادة معدلات الجريمة، إلى جانب تصاعد حملات التحريض ضدهم على منصات التواصل الاجتماعي، ما يزيد من أعبائهم النفسية.

حياة بلا اعتراف قانوني

بدأت موجات لجوء الروهينجا إلى ماليزيا منذ تسعينيات القرن الماضي، قبل تسارعها بصورة كبيرة عقب موجة النزوح الجماعي عام 2017، لتصبح البلاد واحدة من أبرز وجهاتهم في جنوب شرق آسيا.
ولا تعد ماليزيا، طرفا في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، ولا تعترف بصفة “لاجئ”، ما يجعلهم خاضعين لقوانين الهجرة “غير النظامية”.

وفي ظل هذا الفراغ القانوني، تتولى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تسجيلهم وإصدار بطاقات تعريف توفر لهم قدرا من الحماية في التعاملات اليومية، لكنها لا تمنحهم إقامة قانونية أو حق العمل، ما يضعهم عرضة للتوقيف.

ومؤخرا، شرعت الحكومة الماليزية في تطبيق نظام جديد يعرف باسم “وثيقة تسجيل اللاجئين”، بهدف إنشاء قاعدة بيانات بيومترية للاجئين والأجانب غير الموثقين.
وتقول السلطات إن النظام يهدف إلى تنظيم وجودهم وتحسين إدارة ملف الهجرة وتعزيز الأمن.
ويرى محمد نور، مؤسس مشروع الروهينجا، أن نجاح المبادرة يتوقف على منح اللاجئين “حقوقا إدارية واضحة”، لا أن تقتصر على “الجوانب الأمنية”.

ويقول الناشط الروهينجي نور صادق إن كثيرا من اللاجئين لا يزالون يترقبون كيفية تطبيق النظام، وما إذا كان سيحسن أوضاعهم أم يزيد “القيود” المفروضة عليهم.

الروهينجا في ماليزيا.. حياة معلقة بين اللجوء غير المعترف به وانتظار المجهول
معتقلين روهينجا في مراكز اتجاز في ماليزيا (صورة: new Mandala)

سكن مكتظ وخوف دائم

لا توجد مخيمات رسمية للاجئين في ماليزيا، لذلك يعيش معظم الروهينجا داخل أحياء شعبية في كوالالمبور وسيلانجور وبينانج وجوهور، حيث تستأجر مجموعة من الأسر شقة واحدة، لتقليل تكاليف المعيشة.

ويصف أمان الله الوضع بقوله، إن “بعض ملاك العقارات يرفضون تأجير منازلهم للاجئين”.
وأضاف “قد يضم منزل مكون من غرفتين ثلاث أسر، وهو ما يخفف من أعباء الإيجار، لكنه يخلق اكتظاظا شديدا ومشكلات صحية ونفسية، فضلا عن فقدان الخصوصية”.

كما يحظر القانون الماليزي على اللاجئين الحصول على تصاريح عمل، ما يدفع معظم الروهينجا إلى الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي والعمل في البناء والمهن اليدوية.

ومن أجل تحسين الوضع المادي، يلجأ بعض الروهينجا إلى تسجيل مشاريعهم الصغيرة بأسماء ماليزيين، مقابل تقاسم الأرباح أو دفع مبالغ مالية، وهي ترتيبات تبقيهم عرضة لخسارة أعمالهم في حال نشوب أي خلاف.

ولا يقتصر القلق على السكن والعمل، بل يمتد إلى احتمال الاحتجاز.
وأوضح نور صادق، أن غير المسجلين لدى المفوضية معرضون للتوقيف خلال حملات الهجرة، وقد يبقى بعضهم في مراكز احتجاز لأشهر أو حتى سنوات، لعدم وجود مسار قانوني يسمح بتسوية أوضاعهم أو إعادتهم إلى ميانمار.

ويختصر أمان معاناة كثير من الأسر بقوله: “لم يعد خوفنا يقتصر على مداهمات الهجرة، بل أصبحنا نخشى أيضا نظرة المجتمع من حولنا”.

خطاب كراهية يتجاوز الإنترنت

خلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت حملات التحريض ضد الروهينجا على منصات التواصل الاجتماعي، لتنعكس بصورة متزايدة على حياتهم اليومية.

وحذرت منظمة “فورتيفاي رايتس” الحقوقية من أن خطاب الكراهية لم يعد يقتصر على الفضاء الرقمي، مشيرة إلى أن عريضة إلكترونية تطالب بطرد الروهينجا من ماليزيا حصدت مئات الآلاف من التوقيعات، فيما وثقت المنظمة تزايدا في التهديدات والمضايقات التي تستهدف اللاجئين، ودعت السلطات الماليزية إلى اتخاذ إجراءات لحمايتهم من التحريض والعنف.

يقول عبد الحكيم، اسم مستعار للاجئ روهينجي طلب عدم الكشف عن هويته لدواع أمنية، إن الخوف أصبح جزءا من تفاصيل حياته اليومية.

ويضيف: “أخرج إلى الشارع وأشعر بأنني مراقب طوال الوقت(…)، لا أخشى حملات التفتيش فقط، بل أخاف أيضا من أي بلاغ كيدي قد يقودني إلى الاحتجاز”.
وأردف بالقول، “لا أحمل بطاقة المفوضية، وفي هذه الحالة قد تتحول أي مشاحنة عابرة إلى كارثة”.

وفي المقابل، يرى محلل سياسي ماليزي، أن تنامي القلق الشعبي تجاه الروهينجا لا يرتبط بارتفاع معدلات الجريمة، بل يعود بدرجة أكبر إلى الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
واعتبر المحلل الذي طلب عدم نشر اسمه، بأن انتشار المعلومات المضللة، جعل قضية اللاجئين أكثر حضورا في النقاش العام.

الروهينجا في ماليزيا.. حياة معلقة بين اللجوء غير المعترف به وانتظار المجهول
مستوطنة للروهينجا في سونغاي تكالي بماليزيا (صورة: ستريتس تايمز الماليزية)

إعادة التوطين.. انتظار بلا أفق

ولا تتوقف تداعيات الأزمة على الداخل الماليزي، إذ تواجه برامج إعادة توطين اللاجئين في دول ثالثة تباطؤا متزايدا. وقال المفتش العام للشرطة الماليزية، تان سري محمد خالد إسماعيل، إن البرنامج يشهد “جمودا تاما”.

وحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، انخفض عدد اللاجئين الذين غادروا ماليزيا عبر برامج إعادة التوطين والمسارات التكميلية من 8908 لاجئين عام 2024 إلى 2382 لاجئا فقط عام 2025، ما أطال فترات انتظار آلاف الأسر الباحثة عن مستقبل أكثر استقرارا.

ويرى محللون أن نظام التسجيل الجديد قد يسهم في تحسين إدارة ملف اللاجئين، لكنه لن ينهي حالة عدم اليقين ما لم يترافق مع إطار قانوني واضح يوازن بين متطلبات الأمن الوطني والاعتبارات الإنسانية.

وحتى ذلك الحين، سيواصل آلاف الروهينجا حياتهم داخل هذه التجمعات السكنية المكتظة، بين انتظار فرصة لإعادة التوطين، أو أمل في أن تتحول إقامتهم المؤقتة يوما ما إلى حياة أكثر استقرارا، في بلد منحهم ملاذا من الحرب، لكنه لم يمنحهم بعد طريقا واضحا نحو المستقبل.

شارك
×