يوليو 21, 2026

خفض “المساعدات الدولية” يجعل مخيمات الروهينجا في بنغلاديش تدخل “صراع” مع “الجوع”

2 مايو 2026

وكالة أنباء أراكان

كتب: محمد المسلمي

عقب اتخاذ قرار لا إنساني وعلى نحو مفاجئ، تمثل في خفض المساعدات الإنسانية الدولية، بدأت تتفاقم معاناة أكثر من مليون لاجئ روهينجي في مخيمات بنغلاديش، وأصبح “تأمين وجبة” من أجل البقاء على قيد الحياة، يمثل “كابوس” يطاردهم بقوة داخل المخيمات، ويجعلهم “جوعى”.

وبين شهادات اللاجئين التي تعكس قسوة الواقع الذي وضعتهم قسرا المنظمات الدولية فيه، وتحذيرات مسؤولي جمعيات إنسانية من التداعيات الخطيرة لنقص التمويل الدولي، تتكشف أزمة خانقة تتفاقم في صمت، تجمع بين الجوع والبطالة واليأس وتهدد بـ”كارثة إنسانية وشيكة”.

ومع انشغال العالم بأزمات أخرى، كان تراجع الدعم كفيلا بأن تصبح أبسط مقومات الحياة حلما بعيد المنال، بل وتتحول المعاناة اليومية إلى تهديد حقيقي للحياة.

ملامح تلك الأزمة خرجت للعلن مطلع أبريل الماضي، حينها أعلن برنامج الأغذية العالمي، تطبيق آلية جديدة لتوزيع المساعدات الغذائية على لاجئي الروهينجا في مخيمات بنغلاديش.

وبموجب هذه الآلية، خفضت قيمة المساعدات الممنوحة، وتم تصنيف اللاجئين إلى 3 فئات، حيث تبدأ المخصصات الشهرية من 12 دولارا للفرد (انعدام الأمن الغذائي الشديد)، و10 دولارات (انعدام الأمن الغذائي المرتفع)، و7 دولارات (انعدام الأمن الغذائي).

خفض “يهدد الحياة”

“هذا التخفيض يؤثر بشكل شديد على اللاجئين ويهدد الحياة”، بهذه الكلمات تحدث نعمت الله، الباحث والمعلم، وهو يعيل أسرة مكونة من 7 أفراد.

مؤكدا أن بعض اللاجئين، بدأوا بالفعل تهديد حياتهم عبر رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، خاصة بعد تقليص “الدعم الغذائي”.

ويقول نعمت الله لـ”وكالة أنباء أراكان”، إن المساعدات السابقة “12 دولارا” كانت بالكاد تغطي احتياجات أساسية مثل الخضروات والبصل و13 كيلو من الأرز وزجاجة زيت و3 بيضات، بينما أصبح الوضع الآن “حرجا للغاية” بعد حصولنا على كمية محدودة من المواد الغذائية، لا تكفي لأكثر من أسبوعين.

خفض "المساعدات الدولية" يجعل مخيمات الروهينجا في بنغلاديش تدخل "صراع" مع "الجوع"
لاجئون من الروهينجا يتجمعون للحصول على مساعدات غذائية بمخيم “كوتوبالونغ” في بنغلادش (صورة: AFP)

ويضيف أن الاعتماد الكامل على المساعدات “أمر حتمي” مع غياب أي مصادر دخل داخل المخيمات، وأبدى تخوفه من أن يكون تقليص المساعدات الدولية، وسيلة ضغط عليهم لمغادرة بنغلاديش.

ولا تزال العودة إلى أراكان غير ممكنة بسبب الأوضاع الأمنية الخطيرة، بينما تنطوي محاولات الهجرة على مخاطر كبيرة مثل الغرق أو الوقوع ضحية للإتجار بالبشر.

ويحذر المعلم الروهينجي، من أن استمرار خفض المساعدات دون بدائل كافية قد يؤدي إلى “عواقب إنسانية وخيمة”، ودعا إلى إعادة النظر في مستويات الدعم المقدّم للاجئين الروهينجا.

-بطالة تدفع للمخاطرة-

محمد نور، شاب أعزب يقيم في أحد المخيمات، يؤكد أن الحياة اليومية صعبة للغاية بسبب محدودية فرص العمل، فمعظم اللاجئين لا يجدون وظائف تتناسب مع تعليمهم ومهاراتهم، ما يحرمهم من مصدر دخل ثابت.

وفي حديثه لـ”وكالة أنباء أراكان”، يوضح أن البطالة بين الشباب “تفاقم أزمة الغذاء”، حيث يضطر كثيرون للعمل في وظائف منخفضة الأجور أو اللجوء إلى أعمال غير رسمية، رغم ما تنطوي عليه من مخاطر مثل الاتجار بالبشر أو الاختطاف.

ويشير “نور” إلى أن القيود المفروضة على الحركة داخل المخيمات، ومنها ضرورة الحصول على إذن رسمي لمغادرتها، تمنعهم من البحث عن فرص عمل حقيقية، ما يزيد من شعورهم بالعجز.

ومضى بقوله: “الروهينجا باتوا في حاجة ماسة لتوفير فرص عمل حقيقية، إضافة إلى زيادة المساعدات المالية الشهرية، والاعتماد على خيار واحد فقط لن يكون كافيا”.

وعن المساعدات الحالية التي تبلغ نحو 7 دولارات للفرد شهريا، بيّن أنها “تعادل وجبة إفطار في دولة أوروبية”، ولا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، فمعظم الأسر تتكون من 6-10 أفراد، بينما لا يعمل سوى شخص أو اثنان فقط.

-إرهاق المانحين وتراجع الدعم-

وعن أسباب خفض المساعدات الإنسانية، يرى سليم الأركاني، المدير التنفيذي لجمعية أراكان الإنسانية، أنها تعود إلى “تداخل عوامل سياسية ومالية وتغير أولويات المجتمع الدولي”، مشيرا إلى ما يُعرف بـ”إرهاق المانحين” نتيجة طول أمد أزمة الروهينجا، وظهور أزمات عالمية جديدة تحظى بزخم إعلامي وسياسي أكبر، وتستحوذ على التمويل.

وفسَّر لوكالة أنباء أراكان، أن الفجوة بين الاحتياجات الفعلية والتمويل المتاح تتسع بشكل متزايد، حيث لا يتم تمويل الخطط الإنسانية التي تُطلق سنويا بالكامل، ما يدفع المنظمات الدولية إلى تقليص الحصص الغذائية، ما “يمس الحد الأدنى من كرامة الإنسان”.

ويتفق معه ناصر العجمي، رئيس مجلس إدارة “تنمية الخيرية”، معتبرا أن تغير أولويات التمويل وتحول اهتمام المانحين إلى أزمات عالمية أخرى منافسة في أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا، وشعور المانحين بنوع من الفتور بعد سنوات طويلة من الأزمة دون حل سياسي واضح، وراء هذا التراجع.

كما ذكر أسباب إضافية، تمثلت في ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميا، ما زاد من كلفة العمليات الإنسانية، ودفع المنظمات الدولية إلى تقليص الحصص الغذائية، بهدف تغطية أكبر عدد ممكن من اللاجئين بالحد الأدنى للبقاء.

-البحر خيار الهرب من الجوع-

وبحسب “الأركاني”، هذه التطورات انعكست بالفعل على أوضاع الروهينجا داخل المخيمات في بنغلاديش، فالجوع واليأس يدفعان البعض إلى اتخاذ قرارات خطرة، مثل محاولة الهجرة عبر قوارب غير آمنة، وهو ما شهدته السنوات الماضية وأسفر عن مآسٍ مؤلمة.

يؤيده “العجمي” في هذا الطرح، لافتا إلى أن نقص المساعدات، أصبح دافعا مباشرا لما يُعرف بـ”هجرة اليأس”، حيث يصبح البحر “خيارا عقلانيا” للبحث عن حياة أفضل في دول مثل ماليزيا وإندونيسيا، رغم المخاطر الكبيرة لهذه الرحلات البحرية التي شهدت زيادة خلال عامي 2025 و2026 وفقا للتقارير الأممية.

واتفق الأركاني والعجمي، على أن استمرار خفض المساعدات يعكس إلى حد ما تهميش قضية الروهينجا على الساحة الدولية، في ظل عدم وجود ثقل سياسي أو اقتصادي للاجئين، إلى جانب عدم وجود حل سياسي جذري في ميانمار، ما جعل ملف الروهينجا يبدو كأنه “أزمة مزمنة” أو “أزمة منسية” يتم الاكتفاء بإدارتها بدل حلها.

خفض "المساعدات الدولية" يجعل مخيمات الروهينجا في بنغلاديش تدخل "صراع" مع "الجوع"
قارب يحمل لاجئين من الروهينجا يحاولون دخول ماليزيا في 1 يناير 2025 (صورة: MMEA)

 

الجمعيات الإنسانية “شريان بديل”

وقد دعا “الأركاني” إلى تعزيز دور الجمعيات والمنظمات الإنسانية، خاصة في الشرق الأوسط والخليج العربي، لسد جزء من فجوة التمويل، من خلال بناء شراكات مباشرة مع المنظمات الروهينجية، وتنفيذ برامج مستدامة تشمل الأمن الغذائي والتعليم والرعاية الصحية.

بدوره أشار “العجمي” إلى قدرة المنظمات الإنسانية العربية والخليجية على سد فجوة التمويل، عبر تقديم دعم مباشر من خلال التبرعات والزكاة، وتنفيذ مشاريع تنموية مثل التعليم والرعاية الصحية ومشاريع التمكين، كماكينات الخياطة والمشروعات متناهية الصغر بدلاً من الاكتفاء بالسلال الغذائية.

ولفت إلى أن الكويت تعد من أبرز الداعمين لهذا الملف، عبر الجمع بين الإغاثة العاجلة والتنمية المستدامة، والمشاركة في مؤتمرات المانحين، والتنسيق مع مفوضية اللاجئين، إلى جانب المتابعة الميدانية لضمان وصول المساعدات لمستحقيها.

-حضور ميداني كويتي-

هذا الحضور اللافت، تنفذه جمعية “تنمية” الكويتية على الأرض، في إطار جهودها الإغاثية والتنموية باعتبارها واحدة من أكبر الداعمين للروهينجا، حيث سبق ووقعت اتفاقية تعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدعم الخدمات الصحية لـ15 ألفا من الروهينجا بمخيمات “كوكس بازار”.

وأيضا أقامت الجمعية الكويتية، مخيما طبيا لعلاج أطفال الروهينجا عبر عمليات جراحية، إلى جانب تقديم السلال الغذائية الأساسية للاجئين، كما ساهمت في توفير مياه الشرب النظيفة عبر حفر الآبار، وكذلك تقديم مساهمات مالية إغاثية.

خفض "المساعدات الدولية" يجعل مخيمات الروهينجا في بنغلاديش تدخل "صراع" مع "الجوع"

خفض "المساعدات الدولية" يجعل مخيمات الروهينجا في بنغلاديش تدخل "صراع" مع "الجوع"

شارك
×