يحمل محمد أنيس (27 عاما) شهادة بكالوريوس في القانون منذ عام 2021، لكنه لم يتمكن يوما من ممارسة المهنة التي درسها بشغف وطموح عاليين.
ولد محمد في مخيمات كوكس بازار ببنغلاديش لأبوين من الروهينجا فرا من ميانمار، وما يزال حتى اليوم عديم الجنسية، شأنه شأن مئات الآلاف من أبناء جيله الذين ولدوا في خيم اللجوء، دون اعتراف قانوني بهويتهم.
وتصف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الروهينجا بأنهم أكبر جماعة عديمة الجنسية في العالم.
يعيش نحو 1.2 مليون لاجئ في مخيمات كوكس بازار وبهاسان شار، 52% منهم من الأطفال.
أما داخل ولاية أراكان، فيقدر عدد الروهينجا المتبقين بنحو 600 ألف شخص، يعيش معظمهم تحت قيود مشددة ويحرمون من الجنسية والحقوق الأساسية.
بطاقة لجوء “جوفاء”
يشرح أنيس، الذي عمل مساعدا قانونيا لدى منظمة “براك” التنموية، الوضع قائلا: “تصدر مفوضية اللاجئين بطاقة خاصة تثبت وضع حاملها كلاجئ فقط، وليست وثيقة جنسية أو سفر، ولا تمنح حقوق المواطنة.”
ويوضح أن التسجيل نفسه معقد؛ فالمفوضية لا تصدر بطاقات للأطفال دون الخامسة، ويمر تسجيل المواليد بمتاهة بيروقراطية تبدأ من المنظمات غير الحكومية، مرورا بمكتب مسؤول المخيم، وصولا إلى المفوضية.
وقد يستغرق الأمر شهورا أو سنوات إذا جهلت الأسرة الإجراءات، وبغياب التسجيل يفقد الطفل فرصه في العلاج والتعليم والمساعدات.
ويزداد الوضع تعقيدا لأن بنغلاديش لم تنضم إلى اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولا إلى اتفاقيتي انعدام الجنسية لعامي 1954 و1961، كما يعتمد قانون الجنسية فيها على حق النسب، وهو ما يحرم الأطفال المولودين لأبوين من الروهينجا من اكتساب الجنسية، وتصنفهم رسميا بوصفهم “نازحين قسرا من ميانمار”.
ويتساءل أنيس: “ولدت في بنغلاديش، وطوال حياتي أبحث عن إجابة: لماذا لا نُمنح الجنسية؟”
ويقول إن انعدام الجنسية حرمه من التسجيل في نقابة المحامين أو ممارسة المهنة التي درسها، مضيفا: “كل ما أستطيع فعله اليوم هو العمل متطوعا.”
مؤكدا أن هذه الأزمة لم تعد تخص جيلا واحدا، بل تعيشها أسرته منذ ثلاثة أجيال.

أزمة قانون المواطنة
إذا كانت قصة محمد أنيس تجسد الأثر الإنساني لانعدام الجنسية، فإن جذور هذه الأزمة تعود إلى تشريعات وسياسات اتبعتها السلطات في ميانمار على مدى عقود.
وكان أبرزها قانون المواطنة الصادر عام 1982، الذي شكل نقطة تحول في الوضع القانوني للروهينجا.
ويرى سليم نور، مهاجر من الروهينجا فقد حقه في الجنسية بعد فرار والديه من ميانمار خلال موجات العنف المبكرة، أن القانون لم يكن “مجرد تعديل تشريعي”، بل أرسى “أساسا قانونيا لاستبعاد الروهينجا من الدولة”.
ويحصر القانون الجنسية الكاملة في الجماعات العرقية التي تعترف بها الدولة باعتبارها “أعراقا وطنية”، وهي قائمة تضم 135 جماعة عرقية، بينما استُبعد الروهينجا منها، وواصلت السلطات وصفهم بـ”البنغاليين”، في إشارة إلى أن أصلهم من بنغلاديش، رغم وجودهم التاريخي في ولاية أراكان.
ويقول نور بحزن شديد إن هذا التصنيف “لم يكن مجرد توصيف إداري، بل أداة قانونية لإنكار الهوية الروهينجية، حتى بالنسبة لمن امتلكوا وثائق رسمية تثبت هويتهم”.
عوائق أمام الجنسية
ولم يقتصر أثر قانون المواطنة على حرمان الروهينجا من الاعتراف القانوني، بل امتد إلى إجراءات الحصول على الجنسية والوثائق الرسمية.
ويشرح نور الوضع قائلا: “بينما يستطيع المواطن الميانماري استخراج بطاقة التسجيل الوطنية خلال ثلاثة إلى خمسة أيام، قد ينتظر الروهينجا من ستة أشهر إلى أكثر من عام، بينما يحرم كثيرون منها نهائيا”.
ولكي يحصل الروهينجي على وثائق تعترف بحقه في المواطنة، تفرض عليه شروط تعجيزية.
وأبرز هذه العقبات، إثبات إقامة أسرته في ميانمار لأربعة أجيال متعاقبة، رغم أن عقودا من “التهجير القسري” والنزاعات و”السياسات التمييزية” أدت إلى فقدان معظم الوثائق.
ويضيف نور أن طلبات الجنسية تمر عبر سلسلة طويلة من الإجراءات الإدارية التي تتخللها “المماطلة والابتزاز المالي وغياب الشفافية”، ما يجعل انعدام الجنسية “سياسة رسمية مقصودة، لا مجرد تعقيدات إدارية”، حسب وصفه.
وتصف الأمم المتحدة، أن هذا الإطار القانوني، حرم معظم الروهينجا من الاعتراف القانوني كمواطنين، وجعل الحصول على الجنسية أو الوثائق الرسمية أمرا بالغ الصعوبة.

جنسية بنغلاديش وفقدان الحقوق
ولم يقتصر أثر هذا الإطار القانوني على حرمان الروهينجا من الجنسية، بل امتد إلى حرمانهم من حرية التنقل والتعليم والعمل والرعاية الصحية والتملك والمشاركة في الحياة العامة.
ورغم انعدام الجنسية يحمل بعض الروهينجا جوازات سفر بنغلاديشية، وفي هذا الصدد يؤكد نور أن ذلك لا يعني اكتسابهم الجنسية البنغلاديشية، إذ لا يوجد أساس قانوني يمنحهم إياها.
ويوضح أن حصول البعض عليها يعود إلى “ظروف تاريخية خاصة أو ممارسات غير قانونية عبر سماسرة استخراج الوثائق”.
وبينما لا تزال بنغلاديش تعتبر الروهينجا لاجئين من ميانمار، يظل حقهم القانوني في الجنسية مرتبطا بوطنهم الأصلي.
ويرى نور أن أي حل دائم يبدأ بإصلاح قانون المواطنة لعام 1982، وإعادة الجنسية إلى الروهينجا باعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، إلى جانب توفير ضمانات دولية لعودة طوعية وآمنة وكريمة للاجئين.
ويختم قائلا: “لا نطالب بامتيازات خاصة، بل بالحق الطبيعي الذي يتمتع به أي إنسان، أن تكون له جنسية تعترف به وتحمي حقوقه”.




