يوليو 21, 2026

أمة الروهينجا بلا فرص تعليم.. “الواقع المنهار” بين بنغلاديش وأراكان

20 مايو 2026

تقرير: تهاني علي

في أحد المراكز التعليمية المتواضعة داخل مخيمات اللجوء في كوكس بازار جنوبي بنغلاديش، يجلس عبد الرحمن، الشاب الروهينجي الذي تجاوز الثامنة عشرة من عمره، في فصل دراسي مزدحم يضم أطفالاً أصغر منه بسنوات، يلتصقون على مقاعد خشبية بسيطة، داخل مبنى جُمعت هياكله من أعواد الخيزران وألواح الصفيح وقماش المشمع، ويخلو من أدنى معايير السلامة .

كان يحلم بأن يصبح معلماً في بلدته “نايا بارا” بمدينة منغدو في ولاية أراكان، قبل فراره مع أسرته من ميانمار عام 2017. واليوم، وبينما يشاهد أقرانه يلتحقون في دول أخرى بالجامعات، أضحى يقضي جزءاً من يومه في جمع الحطب داخل المخيم، ليغادره الحلم مسرعا ويتركه في واقع مأساوي.

تمثل قصة عبد الرحمن نموذجاً حياً لمئات الآلاف من أطفال وشباب الروهينجا الذين يعيشون بين حرب مستمرة في ميانمار، ونظام لجوء مقيد في بنغلاديش، وأزمة تمويل دولية تهدد ما تبقى أمامهم من فرص التعليم، المحدودة أساساً.

ووفقا ليونيسيف، يعيش 1.2 مليون لاجئ روهينجي في مخيمات كوكس بازار، بينهم أكثر من 500 ألف طفل.
وحذرت المنظمة في 2025 من أن تعليم نحو 230 ألف طفل روهينجي أصبح مهدداً بسبب أزمة التمويل، بينما لا يحصل 97 بالمائة من الفتيان والفتيات بين 15 و18 عاماً على أي شكل من أشكال التعليم.

الحرب والفقر في أراكان يخنقان التعليم

قبل النزوح الجماعي إلى بنغلاديش، واجه الروهينجا لعقود طويلة قيوداً ممنهجة على التعليم داخل ولاية أراكان، شملت صعوبة التنقل، والفصل التعليمي، وحرمان كثيرين من الوصول إلى الجامعات.

محمد رفيق، مدرس روهينجي يقيم في ولاية أراكان، تحدث باسم مستعار لدواع أمنية، يقول إن التعليم في المنطقة بات مرتبطاً بشكل مباشر بـ”الوضع الأمني والحرب المستمرة”.

ويضيف لوكالة أنباء أراكان: “التنقل بين القرى يتطلب تصاريح أحياناً بسبب الوضع العسكري(…)، الطلاب الذين يريدون مواصلة التعليم يضطرون للانتقال إلى المدن، لكن تكاليف السكن والطعام والدراسة مرتفعة للغاية”.

وبحسب روايته، فإن كثيراً من الأسر باتت تعتبر التعليم “رفاهية” في ظل تدهور الوضع الاقتصادي، ما أدى إلى تراجع الاهتمام بالتعليم.

ورغم إدخال مناهج جديدة في بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة “جيش أراكان البوذي” وهي جماعة متمردة بوذية من ولاية أراكان في ميانمار، فإن الغموض لا يزال يحيط بمستقبل الشهادات التعليمية والاعتراف بها، وفق مدرسين محليين.

أمة الروهينجا بلا فرص تعليم.. "الواقع المنهار" بين بنغلاديش وأراكان
مدرسة في ولاية أراكان (صورة: ANA)

 

بنغلاديش وشهادات غير معترف بها

رغم تحول مخيمات بنغلاديش إلى واحد من أكبر تجمع للاجئين في العالم، لكن التعليم بقي محدوداً داخل مراكز تعلم مؤقتة، لا تمنح شهادات معترف بها رسمياً.

ويؤكد ذلك محمد عاصم، الناشط الروهينجي ويعيش في مخيم رقم اثنين، بأن “المدارس هنا تدرّس نفس المنهج تقريباً، لكن الشهادات غير معترف بها”.
ومضى في حديثه، “إذا حاولنا دخول جامعة فلن تُقبل هذه الشهادات”.

أما عبد الرحمن، فيرى أن غياب الاعتراف بالشهادات يهدد أحلام جيل كامل. قائلاً بحزن: “قد أنهي الثانوية هنا، لكن من دون شهادة رسمية لن أُعتبر معلماً”.
وفي محاولة لتعويض هذا الفراغ، أسس أنور صادق، وهو مدرس روهينجي يبلغ من العمر 42 عاماً، مركزاً تعليمياً مجتمعياً داخل المخيم بعد وصوله إلى بنغلاديش عام 2017.

ويقول: “أخبر طلابي دائماً أن الدراسة أفضل من البقاء بلا تعليم، حتى لو لم تكن الشهادات معترفاً بها”.

وخلال اللقاء أشار صادق إلى التحديات التي تعرقل العملية التعليمية، من بينها اكتظاظ الفصول، والانقطاع المتكرر للكهرباء، ونقص تدريب المعلمين، وغياب المباني المدرسية الملائمة.

ورغم خدمات يونيسيف التعليمية التي وصلت إلى أكثر من 235 ألف طفل منذ 2017، إلا أن المنظمة حذرت من أن تقليص التمويل يهدد بإغلاق مزيد من المراكز التعليمية.

أمة الروهينجا بلا فرص تعليم.. "الواقع المنهار" بين بنغلاديش وأراكان
تلاميذ روهينجا يجلسون على الأرض داخل فصل دراسي في خيمات بنغلاديش (صورة: وسائل التواصل الاجتماعي)

 

مخاطر غياب تعليم الأطفال

ومع استمرار غياب الاعتراف الرسمي بالتعليم، تتجاوز الأزمة حدود الفصول الدراسية، لتنعكس على مستقبل جيل كامل داخل المخيمات.

تقول تقارير أممية إن غياب المدارس يساعد على انزلاق جيل كامل من أبناء الروهينجا نحو عمالة الأطفال، والزواج المبكر، والتجنيد في أنشطة غير قانونية.

وخلال حديثه مع وكالة أنباء أراكان، يقول حميدون كريم، وهو أب لعدة أطفال داخل أحد مخيمات بنغلاديش : “إذا لم يحصل ابني على التعليم فقد يصبح عرضة للأنشطة غير القانونية”.

ويؤكد محمد حنان، العامل في قطاع التعليم لدى منظمة “براك” الدولية، أن نقص التمويل بدأ ينعكس بالفعل على الأطفال.

وبدورها ذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن بعض الأطفال داخل المخيمات أصبحوا أكثر عرضة للخطف والتجنيد، بسبب انعدام فرص التعليم.

ويقول محمد عاصم: “كثير من الطلاب بعد إنهاء الدراسة يحاولون السفر إلى ماليزيا بطرق خطيرة، وبعضهم يفقد حياته”.

عدد من الرجال والأطفال القصر من الروهينجا الذين أنقذتهم سلطات بنغلادش من "تجار البشر" قبل تهريبهم إلى ماليزيا (صورة: Narinjara News)
إنقاذ السلطات البنغلاديشية لرجال وأطفال روهينجا من “تجار البشر” قبل تهريبهم إلى ماليزيا (صورة: مواقع التواصل الاجتماعي)

 

التعليم المهني بديلاً

هذا وفي ظل انسداد أفق التعليم الجامعي، يرى كثير من شباب الروهينجا أن التعليم المهني قد يمثل “طوق نجاة”.

يقول عبد الرحمن، إنه سيكون ممتناً لو أتيحت له فرصة تعلم أي مهارة عملية، يمكن من خلالها “مساعدة المجتمع”.
ويطابق كلامه محمد عاصم، الذي يرى أن التدريب المهني قد يحد من شعور الشباب باليأس.

ويرى عاملون في قطاع التعليم أن إدخال برامج التدريب المهني والتقني، قد يوفر بديلاً واقعياً لجيل محروم من الجامعات، وفرص العمل القانونية.

وفي الوقت الذي تتراجع فيه المساعدات الدولية وتتفاقم الأزمات داخل المخيمات، يبقى آلاف الطلاب الروهينجا عالقين بين تعليم غير معترف به، ووطن لا يستطيعون العودة إليه، ومستقبل يبدو أكثر غموضاً مع كل عام جديد.

ورغم هذا الواقع الهش، يظل شعار المعلمين الروهينجا في المخيمات هو “الاستمرار مهما كلف الثمن”.

شارك
×