من المشاركة في البرلمان ومؤسسات الدولة إلى الحرمان من التصويت وانعدام الجنسية، لم يكن إقصاء الروهينجا في ميانمار قرارا واحدا أو حدثا مفاجئا، بل مسارا امتد لعقود، تراجعت خلاله حقوقهم القانونية والسياسية تدريجيا، وتقلص الاعتراف بهويتهم ووضع مواطنتهم.
وفي قلب هذا المسار جاء قانون المواطنة لعام 1982، الذي أعاد رسم معايير الحصول على الجنسية، وأسهم تطبيقه بصورة تمييزية في دفع الروهينجا نحو واحدة من أوسع حالات انعدام الجنسية في العالم، قبل اتساع دائرة القيود لتشمل التصويت والتنقل والتعليم والعمل وتسجيل المواليد والوثائق الرسمية.
من البرلمان إلى الإقصاء
في السنوات الأولى بعد استقلال ميانمار، شارك شخصيات من المجتمع الروهينجي في الحياة السياسية. وتشير سجلات تاريخية إلى انتخاب سلطان أحمد عن منغدو وم. أ. غفار عن بوسيدونغ في الجمعية التأسيسية عام 1947، ثم في البرلمان عام 1951.

كما انتخبت داو آي نيونت، زوجة سلطان أحمد، عضوا في البرلمان عام 1951، وكانت من أوائل النساء في الجمعية الوطنية، فيما ظل سلطان أحمد نائبا حتى عام 1962.
ويقول سيد عالم، وهو من الروهينجا وعمل مع نواب البرلمان عام 2010، إن أبناء مجتمعه كانوا حاضرين “في البرلمان والإدارة والتعليم والقضاء”، وإن هذا الوضع تغير بعد انقلاب الجنرال ني وين عام 1962.
وفي عام 1978، أدت عملية “ناغا مين” العسكرية إلى فرار أكثر من 200 ألف من الروهينجا إلى بنغلاديش، في واحدة من أكبر موجات النزوح التي سبقت أزمة 2017، وفق سجلات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

1982.. قانون المواطنة
قسم قانون الجنسية لعام 1982 المواطنين إلى ثلاث فئات، وربط المواطنة الكاملة بالانتماء إلى مجموعات عرقية محددة أو بإثبات الإقامة قبل عام 1823. ولم يدرج الروهينجا ضمن قائمة المجموعات الـ135 التي اعتُبرت مؤهلة للمواطنة الكاملة.
ووضع القانون شروطا جعلت حصول معظم الروهينجا على المواطنة الكاملة بالغ الصعوبة، فيما أسهم تطبيقه التمييزي في ترسيخ انعدام جنسيتهم.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن الحكومات المتعاقبة استخدمت القانون لحرمان ما يقدر بنحو 800 ألف إلى 1.3 مليون من الروهينجا من الجنسية.
ويرى عرفات حسين، المعروف باسم “ميو ناينغ”، وهو مدافع عن حقوق الإنسان من الروهينجا، أن قانون 1982 وضع أبناء مجتمعه في “وضع قانوني هش”، وانعكس ذلك على التعليم والصحة والزواج والتنقل والمشاركة السياسية.
البطاقات البيضاء
لم تمنح “البطاقات البيضاء” وهي شهادات تسجيل مؤقتة، الجنسية لحامليها، لكنها أتاحت في فترات معينة، المشاركة السياسية، بما في ذلك التصويت.
وفي انتخابات عام 2010، انتُخب ثلاثة من الروهينجا إلى البرلمان، واثنان إلى حكومة ولاية أراكان، وفق بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة.
لكن هذا الهامش السياسي انتهى في 2015، عندما ألغت السلطات البطاقات البيضاء، وحُرم حاملوها، وغالبيتهم من الروهينجا، من حق التصويت.
وبذلك تحولت الوثيقة من وسيلة تمنح حامليها بعض الحقوق إلى غياب وثيقة انتخابية وقانونية يضيّق ما تبقى من مشاركتهم العامة.

بطاقات التحقق الوطنية
بعد سحب البطاقات البيضاء، طرحت السلطات “بطاقات التحقق الوطنية” باعتبارها جزءا من عملية التحقق من أهلية الشخص للحصول على الجنسية.

وأثارت العملية اعتراضات واسعة بين الروهينجا، الذين رفض كثير منهم التسجيل باعتبارهم “بنغاليين”، وهو ما اعتبروه انتقاصا من هويتهم وحقهم في الاعتراف بهم.
وتقول الأمم المتحدة أن الروهينجا تعرضوا للتهديد والإكراه من أجل قبول هذه البطاقات، فيما ظل وضعها القانوني وحقوق حامليها موضع خلاف.
ويقول محمود ياسين، من منغدو وعمل سابقا مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إن بعض الروهينجا قبلوا بطاقات التحقق من الهوية “تحت ضغط الحاجة إلى التنقل وتدبير شؤونهم اليومية”، بينما رفضها آخرون “خشية أن تؤدي إلى تكريس وضعهم كأجانب”.
وهكذا، لم تكن المشكلة بالنسبة إلى الروهينجا مجرد امتلاك وثيقة من عدمه، بل ماهية الوضع القانوني الذي تثبته الوثيقة.

الجنسية شرط العودة
في عام 2017، فر أكثر من 700 ألف روهينجي إلى بنغلاديش، في أعقاب عملية عسكرية واسعة النطاق في ولاية أراكان، وثقت الأمم المتحدة خلالها عمليات قتل وعنف جنسي وحرق قرى وتهجيرا قسريا، وخلصت إلى وجود أفعال ترقى إلى مستوى “الإبادة الجماعية”.
وبعد سنوات من النزوح، ظلت الجنسية في صلب أي حديث عن عودة الروهينجا إلى ميانمار.
ويقول موظف يعمل في الأمم المتحدة، طلب عدم ذكر اسمه، إن التوثيق الميداني يظهر “تأثير انعدام الجنسية على التنقل والتعليم والعمل والزواج وتسجيل المواليد والحصول على الوثائق الرسمية”.
ويضيف، بأن الروهينجا يريدون العودة، لكن ليس العودة إلى الظروف التي دفعتهم إلى الفرار، وأن الاعتراف بالهوية والجنسية شرط لعودة آمنة وكريمة ومستدامة.
هذا وتظل قضية المواطنة لأقلية الروهينجا، شاهدا حيا على كيفية تطويع الأنظمة للقوانين وتحويلها إلى أداة سلب للحقوق؛ ويبقى السؤال الأبرز قائما، متى وبأي طريقة سيمنح الروهينجا جنسية ميانمار؟



