تقرير: تهاني علي
في مخيمات كوكس بازار جنوب شرقي بنغلاديش، لا يعني تغيّر الفصول تبدل الطقس فقط، بل تبدل أشكال الخطر أيضاً، حيث بات المناخ تهديداً يومياً يوازي في قسوته آثار اللجوء نفسه.
ففي الصيف، تتحول الملاجئ البلاستيكية المكتظة إلى مساحات خانقة تحت حرارة ورطوبة مرتفعتين، بينما يحمل موسم الأمطار بين يونيو وأكتوبر خطر السيول والفيضانات والانهيارات الأرضية والأعاصير المدارية، التي تضرب سواحل خليج البنغال بانتظام.
ووفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تستضيف بنغلاديش نحو 1.2 مليون لاجئ روهينجي، معظمهم في مخيمات كوكس بازار، التي تُصنف كأكبر تجمع للاجئين في العالم.
وتقع هذه المخيمات فوق تلال طينية هشة أزيلت أجزاء واسعة من غاباتها منذ موجة النزوح الجماعي عام 2017، ما جعلها أكثر عرضة للفيضانات والانهيارات الأرضية.
من حقول أراكان إلى خيام اللجوء
يتذكر أمير خان، في حديثه مع وكالة أنباء أراكان، وهو لاجئ فرّ إلى بنغلاديش عام 2017 بعد اندلاع أعمال العنف وإحراق القرى في ميانمار، طبيعة الحياة في أراكان قبل النزوح.
يقول: “كانت المنطقة تعتمد بشكل أساسي على الزراعة، وفي الصيف كنا نلجأ إلى ظلال الأشجار هرباً من الحر”.
ويواصل الحديث: “كان موسم الأمطار يمثل بالنسبة لمعظمنا موسم العمل والرزق”، أما شتاء أراكان، فيصفه بأنه “هادئ وجميل”.
لكن بعد اللجوء، تغيرت علاقة الروهينجا مع المناخ، حيث تتميز بنغلاديش بمناخ مداري شديد الرطوبة، وتتجاوز درجات الحرارة في الصيف أحياناً 35 درجة مئوية، مع مستويات مرتفعة من الرطوبة تجعل الإحساس بالحرارة أكثر قسوة، خصوصاً داخل الملاجئ البلاستيكية الضيقة.
ويصف أمير خان معاناة الصيف قائلاً: “مع شروق الشمس، يبدأ الكوخ بالتحول إلى مكان مغلق يحتبس الحرارة، يصبح الهواء ثقيلاً، وأحياناً نشعر أن التنفس نفسه صار صعباً”.
لذلك تضطر كثير من العائلات إلى مغادرة الخيم خلال ساعات النهار والجلوس تحت الأشجار هرباً من الحرارة، بينما يعاني الأطفال وكبار السن بصورة أكبر بسبب ضعف قدرتهم على تحمل الطقس الحار.

تحول الأمطار إلى حصار
يواجه الروهينجا خطراً أكبر مع بداية موسم الأمطار والأعاصير، حيث تتحول الطرق الضيقة إلى ممرات موحلة ومتضررة، ما يجعل الحركة اليومية شديدة الصعوبة.
يقول أمير خان: “حتى الخروج للحصول على دواء أو مواد غذائية يصبح معاناة”.
هذا وتتسبب الأمطار الغزيرة في تسرب المياه إلى داخل الخيم، وتهدد الانهيارات الأرضية حياة السكان، خاصة في المناطق الواقعة على المنحدرات.
ورغم قيام بعض المنظمات الدولية بإنشاء طرق مرصوفة بالطوب في أجزاء من المخيمات، فإن أجزاء واسعة لا تزال معزولة خلال الأمطار والعواصف.
ففي يونيو 2024، أدت الأمطار الموسمية والانهيارات الأرضية في كوكس بازار إلى مقتل ما لا يقل عن 10 أشخاص، بينهم 7 لاجئين روهينجا، إضافة إلى تضرر أكثر من 1190 ملجأ، وفقاً للأمم المتحدة.
وفي سبتمبر من العام نفسه، تسببت الأمطار أيضاً بمقتل 6 أشخاص، بينهم 3 لاجئين روهينجا، وتأثر نحو 7794 لاجئاً داخل 33 مخيماً، بعد انهيارات أرضية في منطقة كوكس بازار.

خوف دائم من فقدان المأوى
وخلال السنوات الأخيرة، تعرضت المخيمات لعواصف وأعاصير عدة، بينها إعصار “موكا” وإعصار “ريمال”، ما أدى إلى تدمير آلاف الملاجئ.
ومنذ 2017، تأثر نحو 930 ألف لاجئ في كوكس بازار بأكثر من 770 انهياراً أرضياً وفيضاناً، بحسب أرقام الأمم المتحدة.
فيما تسبب إعصار “موكا” وحده عام 2023، في نزوح نحو 60 ألف شخص، وتضرر نحو 30 ألف منزل في المنطقة الساحلية التي تضم مخيمات الروهينجا.
عزيز الله، معلم روهينجي سابق عمل مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قبل انتقاله إلى كندا، يقول إن الأمطار الغزيرة “ليست مجرد حالة طقس بالنسبة للاجئين، بل تهديد مباشر لحياتهم”.
ويواصل حديثه لوكالة أراكان قائلاً: “كلما اشتدت الأمطار أو وقعت أعاصير، كنا نتلقى رسائل من أقاربي داخل المخيمات يطلبون الدعاء، ويعبرون عن خوفهم من الانهيارات وتدمير ملاجئهم”.

الأمطار وأبواب الأوبئة
لا تقتصر تداعيات المناخ على المأوى والبنية التحتية، بل تمتد إلى الصحة العامة أيضاً، حيث يجلب موسم الأمطار معه موجات متكررة من الأمراض المعدية، فيما يساعد اكتظاظ المخيمات والمياه الراكدة والنفايات المكشوفة على سرعة انتشارها.
يقول حفيظ الرحمن، صحفي ومصور روهينجي يعيش في المخيمات منذ عام 2017: “في موسم الأمطار تنتشر حمى الضنك، والجرب، والتيفوئيد، وأمراض الجهاز التنفسي، خاصة بين الأطفال”.
ويسلط حفيظ الرحمن الضوء على نقطة مأساوية قائلاً: “خلال الطوارئ الطبية، تصبح عملية نقل المرضى صعبة جداً، خاصة في المناطق الجبلية التي لا تصل إليها السيارات”.
ويضرب مثالاً بحالات الولادة الطارئة، حيث يضطر السكان على حد تعبيره إلى “نقل النساء سيراً عبر ممرات موحلة وضيقة للوصول إلى أقرب نقطة تستطيع سيارات الإسعاف بلوغها”.
وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، فإن موسم الأمطار في مخيمات الروهينجا يرفع خطر انتشار الكوليرا والإسهال الحاد وحمى الضنك.
في عام 2022 وحده، سجلت المخيمات 7687 إصابة مؤكدة بحمى الضنك و6 وفيات، بينما أظهرت دراسة حديثة تسجيل أكثر من 35 ألف إصابة بالمرض بين عامي 2021 و2024، كانت نحو 90% من الحالات المسجلة بين اللاجئين الروهينجا.
وهكذا، لم يعد الخطر بالنسبة للاجئ الروهينجي مرتبطاً فقط بفقدان الوطن، بل أيضاً بالعيش داخل مخيمات هشة، حيث قد تتحول الأمطار والحرارة والأعاصير في أي لحظة إلى تهديد مباشر للحياة، التي هي من الأساس عسيرة على اللاجئين.



