أكتوبر 4, 2026

أراكان تحت القصف.. كيف تضيق هجمات الجيش فرص عودة الروهينجا؟

3 أكتوبر 2026

قُتل 50 شخصا وأصيب 58 آخرون على الأقل في غارة جوية شنها جيش ميانمار على سوق مكتظ في بلدة كيوكتاو بولاية أراكان في 28 سبتمبر، في واحدة من أكثر الهجمات دموية في الولاية منذ انقلاب فبراير 2021، وفق مفوضية شؤون اللاجئين.

وكان السوق، الذي يضم أكثر من 200 متجر، يرتاده مدنيون من عدة مجتمعات بينها الروهينجا والراخين والهندوس والداينغنت.

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك الغارات، حذر من آثار الهجمات على المدنيين، بينما أكدت الأمم المتحدة أن استمرار القتال في أراكان يعكس عدم توافر الظروف اللازمة لعودة اللاجئين والنازحين بأمان.

وجاء الهجوم بالتزامن مع بدء ماليزيا إعادة 1476 مواطنا ميانماريا إلى بلادهم، ضمن برنامج يشمل نحو 5 آلاف شخص. وبينما تقول كوالالمبور إن العودة طوعية، أعربت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن قلقها، وقالت إنها لم تتمكن من الوصول إلى العائدين لتقييم احتياجاتهم للحماية أو مدى اتخاذ قرارات العودة بصورة حرة.

ويضع تزامن الحدثين قضية العودة أمام معضلة واضحة: فبينما يستمر القصف في الولاية التي يفترض أن يعود إليها اللاجئون، تتواصل ترتيبات إعادتهم إلى بلد لا تزال أجزاء منه ساحة حرب، فيما يبقى الروهينجا من أكثر الفئات تأثرا باستمرار الصراع.

حرب سيطرة

اندلعت الجولة الحالية من القتال في أراكان في نوفمبر 2023، بعد انهيار وقف إطلاق النار بين جيش أراكان البوذي وجيش ميانمار.
ومنذ ذلك الحين، تمكن جيش أراكان من السيطرة على 14 من أصل 17 بلدة في الولاية، بينما احتفظ جيش ميانمار بمواقع استراتيجية، بينها سيتوي، عاصمة الولاية.

وسبق أن قصف جيش ميانمار مستشفى “مروك يو العام” في 10 ديسمبر 2025، ما أسفر عن مقتل 33 مدنيا وإصابة أكثر من 70 آخرين، بينهم مرضى وأطباء وممرضون وأفراد من عائلات المرضى، بحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. وأدى الهجوم إلى تدمير المنشأة وأقسامها والمباني المحيطة بها، ووصفته الأمم المتحدة بأنه أكثر هجوم دموي على منشأة للرعاية الصحية في ميانمار منذ انقلاب 2021.

قصف جيش ميانمار مستشفى "مروك يو العام" في 10 ديسمبر 2025،
قصف جيش ميانمار لمستشفى “مروك يو العام” في 10 ديسمبر 2025 (صورة: مواقع التواصل الاجتماعي)

ويرى محلل سياسي ميانماري، طلب عدم الكشف عن اسمه، أن الغارات الجوية تستهدف إضعاف قدرة جيش أراكان على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرته وتعطيل الحياة المدنية فيها.
ولفت إلى أنها تمنح الجيش قدرة على ضرب مناطق يصعب الوصول إليها برا. لكنه يقول إن القصف “لم يؤد حتى الآن إلى تغيير جوهري في خريطة السيطرة”.

وعلى المستوى الإنساني، يقول الناشط الحقوقي الروهينجي المقيم في تايلاند، ماونغ تشيت تين، إن استهداف الأسواق والمنشآت المدنية لا يقتصر أثره على الخسائر البشرية، بل “يضرب مصادر الرزق”.

ويضيف أن المدنيين، وبينهم الروهينجا، يجدون أنفسهم أمام ضغوط من طرفي الصراع، في مواجهة الغارات والقصف من جهة، وسياسات التجنيد والحشد التي ينسبها إلى جيش أراكان من جهة أخرى.
ويقول إن ذلك يدفع السكان إلى العيش في ظروف يصبح فيها “فقدان المنزل والعمل والغذاء والرعاية الصحية جزءا من كلفة الحرب اليومية”.

من يضمن حياة العائدين؟

تقول مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن استمرار النزاع وتدهور الوضع الإنساني والحقوقي في ميانمار يجعلان الظروف غير مواتية حاليا لعودة آمنة وكريمة ومستدامة. كما شددت على ضرورة احترام مبدأ “عدم الإعادة القسرية”، خصوصا بالنسبة إلى الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى حماية دولية.
ويرى عبدالله جينول، الباحث والمتخصص في التنمية والشؤون الإنسانية المرتبطة بالروهينجا، أن التحدي لا يكمن في إعادة الأشخاص إلى ميانمار فحسب، بل في غياب جهة واحدة قادرة على تقديم ضمانات واضحة بشأن أمنهم ووضعهم القانوني.

موضحا أنه على الرغم من سيطرة جيش أراكان البوذي على معظم أراضي ولاية أراكان، لكنه لا يملك صفة قانونية تخوله إبرام اتفاق رسمي لعودة اللاجئين مع دولة أخرى، في حين يواصل جيش ميانمار عملياته العسكرية ويتمسك بسيادة الدولة على المنطقة.

ويقول جينول إن العودة المستدامة تحتاج إلى “ضمانات تتعلق بالهوية والمواطنة، والأمن وحرية الحركة، واستعادة المنازل والأراضي، والحماية من نزوح جديد”.
وبذلك، لا يعود السؤال فقط إلى عدد من يمكن إعادتهم، بل إلى ما إذا كانت الظروف تسمح لهم بالبقاء بعد العودة. ويختصر جينول المعضلة بالقول: “لا ينبغي قياس الإعادة بالأرقام، بل بمدى قدرة الروهينجا على العودة إلى ديارهم بأمان والعيش هناك بحقوق وكرامة وأمن”.

شارك
×