“إذا أُعدت فجأة، فلن أعرف أين سأعيش، أو كيف سأحصل على الحماية، أو ماذا سيكون مصيري بعد الوصول”. بهذه الكلمات يعبر لاجئ روهينجي يعيش في ماليزيا عن مخاوفه من العودة إلى ميانمار، حيث يستمر النزاع المسلح، ويواجه الروهينجا تمييزا متواصلا وحرمانا من الجنسية والحقوق الأساسية.
تأتي هذه المخاوف في وقت تمضي فيه ماليزيا في إعادة مواطني ميانمار الموجودين على أراضيها، وسط تساؤلات بشأن طوعية عمليات الإعادة والضمانات المتاحة لحماية العائدين.
ورغم أن الروهينجا لم يكونوا ضمن المجموعة التي أعيدت الشهر الماضي، فإن ملف إعادتهم ظل مطروحا للنقاش، ما يثير مخاوف من إعادتهم قبل توافر الظروف اللازمة لعودتهم الآمنة.
مخاوف الروهينجا
بالنسبة إلى اللاجئ الروهينجي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، لا تعني العودة مجرد الرجوع إلى بلده، بل احتمال فقدان الحياة التي بناها في ماليزيا، حيث درس وعمل مع مجتمعات اللاجئين وأسهم في تعليم الأطفال.
يقول: “إعادة شخص بأمان إلى ميناء أو حدود لا تعني ضمان سلامته وحريته وحصوله على حقوقه الأساسية”.
ويرى أن العودة الآمنة تتطلب التحقق بصورة مستقلة من سلامة المنطقة المقصودة، وضمان الاعتراف بالهوية والحقوق، وإتاحة السكن والرعاية الصحية والتعليم وحرية التنقل، فضلا عن الحماية من الاضطهاد والاحتجاز والتجنيد القسري.
ويشدد كذلك على ضرورة أن يكون قرار العودة طوعيا، مع متابعة أوضاع العائدين بعد وصولهم.
من جانبه، يرى محلل سياسي وناشط، تحدث لوكالة أنباء أراكان، أن الروهينجا قد يواجهون “تهديدا مزدوجا” يتمثل في مخاطر الحرب والاضطهاد المرتبط بهويتهم.
ويحذر من احتمال تعرض العائدين للاحتجاز والعنف والتجنيد الإجباري، مشيرا إلى أن مستوى الخطر يختلف بحسب هوية الشخص والمنطقة التي ينحدر منها.

ضمانات العودة
تقول السلطات الماليزية إن عمليات إعادة مواطني ميانمار تتم بصورة “طوعية”، لكن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أوضحت أنها لم تتمكن من الوصول إلى الأشخاص المعنيين قبل مغادرتهم، رغم احتجازهم لدى سلطات الهجرة.
وقالت المفوضية إن ذلك “يثير تساؤلات جدية بشأن ما إذا كانت قرارات العودة قد اتُخذت بحرية وبناء على معلومات كافية”، مطالبة بتقييم الحالة الفردية لكل شخص وإتاحة إجراءات الحماية لمن يحتاج إليها.
ويقول المحلل السياسي إن الحكومة الماليزية تؤكد طوعية العودة واستثناء المعرضين للخطر، لكن التحدي يتمثل في التحقق المستقل من تطبيق هذه الضمانات فعليا.
وبحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام ماليزية عن رئيس الوزراء أنور إبراهيم، لم يكن الروهينجا ضمن المجموعة التي أعيدت في سبتمبر، لكن ملف إعادتهم ظل قيد النقاش.
ولا تتوافر معلومات تؤكد تحقق شروط عودتهم الآمنة، في ظل استمرار النزاع والتمييز ضدهم.
مصير العائدين
لا تتوافر معلومات مستقلة وشاملة عن مصير جميع العائدين إلى ميانمار وظروفهم بعد الوصول.
لكن تقريرا نشره موقع “نارينجارا” المحلي في أكتوبر الجاري أثار مخاوف بشأن مجموعة من العائدين المنحدرين من ولاية أراكان.
وأفاد التقرير بأن 429 شخصا لم يتمكنوا من الالتقاء بأسرهم بعد وصولهم، وأنهم وُزعوا على موقعين في منطقة يانغون، مشيرا إلى استجواب بعضهم بشأن صلات محتملة بجيش أراكان البوذي.
ولم يتسن لوكالة أنباء أراكان التحقق بصورة مستقلة من جميع التفاصيل الواردة في التقرير.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية في ظل استمرار المواجهات بين جيش ميانمار وجيش أراكان البوذي في ولاية أراكان، حيث يواجه المدنيون مخاطر أمنية وإنسانية.
كما أن ظروف العائدين واحتياجاتهم إلى الحماية قد تختلف بحسب هوياتهم ومناطقهم الأصلية وأوضاعهم القانونية.

عمليات الإعادة
في 8 أكتوبر الجاري، قال رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إن أكثر من 10 آلاف من مواطني ميانمار أعيدوا إلى بلادهم منذ يناير 2026، عبر رحلات جوية وسفن بحرية.
وجاء تصريحه عقب لقائه رئيس ميانمار، مين أونغ هلاينغ، في إطار مباحثات تناولت التعاون بين البلدين وملف إعادة المواطنين.
وكانت ماليزيا قد أعادت 1476 شخصا في أواخر سبتمبر، ضمن المرحلة الأولى من برنامج يستهدف إعادة 5 آلاف شخص.
وبالنسبة إلى الروهينجا، لا تتوقف مخاوف العودة عند مخاطر النزاع المسلح، بل تمتد إلى مستقبلهم القانوني وقدرتهم على العيش بأمان والحصول على حقوقهم الأساسية.
وتبقى سلامة العودة رهنا بوجود ضمانات فعلية تحميهم من الاضطهاد وتكفل لهم حياة آمنة بعد الوصول.




