بقلم: العقيد غورو ساداي باتابيال
برزت ولاية أراكان في ميانمار إلى واجهة الاهتمام العالمي في عامي 2016/2017 عقب الجرائم الجماعية والنزوح القسري لأقلية الروهينجا إلى بنغلادش، حيث لجأ نحو 1.2 مليون لاجئ روهنجي معظمهم في أغسطس 2017، وتم إيواؤهم في 33 مخيماً مكتظاً في منطقة كوكس بازار البنغالية.
واقترح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال زيارته لبنغلادش، منتصف مارس الماضي، إنشاء “ممر إنساني” يمتد من منطقة شيتاغونغ في كوكس بازار البنغالية إلى ولاية أراكان، لتسهيل إيصال المساعدات للمدنيين المحاصرين في مناطق الصراع بميانمار، وأضاف رئيس الحكومة الانتقالية في بنغلادش، محمد يونس، في كلمته خلال قمة “بيمستيك” في بانكوك في 4 أبريل بنداً تبادلياً يتعلق بـ”إعادة اللاجئين” إلى جانب المساعدات الإنسانية، رغم أن القضيتين مختلفتان تماماً ويجب التعامل معهما بشكل منفصل.
وقد أعلن مستشار يونس للشؤون الخارجية، توحيد حسين، من طرف واحد قبول بنغلادش لمقترح الممر المدعوم من الأمم المتحدة، إلا أن يونس اضطر إلى التراجع بعد اعتراض شديد من رئيس أركان الجيش البنغلادشي الجنرال وكر الزمان، الذي عبّر عن مخاوف أمنية واعتبر الممر “تهديداً للسيادة”، واصفاً إياه بـ”الممر الدموي”، كما رفضت أحزاب معارضة مثل حزب BNP، المقترح واعتبرته محاولة من يونس لتأجيل الانتخابات والبقاء في السلطة بدعم أمريكي.
هكذا أصبح ممر أراكان بؤرة جيوسياسية محورية تستقطب اهتمام قوى إقليمية ودولية كبرى “بنغلادش، الهند، ميانمار، الصين، الولايات المتحدة”، لما له من أبعاد استراتيجية واسعة تتجاوز “الغطاء الإنساني”، وتشمل موازين القوى الإقليمية، وطرق التجارة، والمصالح الأمنية.
الأهمية الجيوستراتيجية لممر أراكان
التجارة والربط الإقليمي: يمكن أن يعمل الممر كطريق عبور للبضائع بين جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، ويندرج ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI) مشروع “الممر الاقتصادي بين الصين وميانمار” (CMEC)، الذي يمر عبر أراكان، ويوفر لبكين منفذاً استراتيجياً إلى المحيط الهندي.
أما الهند، فتعتمد على ولاية أراكان في مشروعها “كالادان للنقل متعدد الوسائط” الذي يربط بين ميناء كولكاتا وميناء سيتوي في أراكان، مع طريق بري يربط كولكاتا بولاية ميزورام الهندية، مما يدعم سياسة “التوجه شرقاً” الهندية.
الاعتبارات الأمنية والعسكرية: أصبحت منطقة الممر غير مستقرة بسبب الصراع الدائر بين مجلس ميانمار العسكري وجيش أراكان، للسيطرة على ولاية أراكان، حيث أعرب الجيش البنغلادشي عن مخاوف من أن يصبح الممر عبئاً أمنياً، ويزيد من خطر التورط في النزاع الداخلي في ميانمار، كما قد يؤدي إلى تفاقم قضايا مثل التمرد العابر للحدود والتهريب غير المشروع، وترى الولايات المتحدة أن الممر يمثل فرصة استراتيجية لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في ميانمار ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
الأبعاد الإنسانية والسياسية: طرحت الأمم المتحدة الممر في الأصل كوسيلة إنسانية لإيصال المساعدات إلى اللاجئين الروهينجا والمدنيين النازحين داخل أراكان، وقد أيدت منظمات حقوق الإنسان الدولية هذا الاقتراح، لكن إدراج يونس لشرط “إعادة اللاجئين” ضمن الاقتراح فجّر جدلاً سياسياً داخل بنغلادش، خاصة في أوساط المؤسسة العسكرية، كما أثار شكوكاً لدى الأطراف الإقليمية حول نواياه، إذ لكل طرف حساباته الخاصة.
مصالح الأطراف المعنية
بنغلادش: يدعم يونس الممر لأسباب إنسانية، لكن الجيش البنغلادشي يعارضه بشدة، محذراً من أن وجود 1.2 مليون لاجئ روهنجي في كوكس بازار قد يزداد تعقيداً إذا فُعّل الممر، كما يخشى الجنرال وكر من تدهور العلاقات مع ميانمار، التي طالما رفضت التدخل الخارجي في شؤون أراكان.
الهند: تملك مصالح استراتيجية في أراكان، أبرزها مشروع كالادان، ورغم ذلك تبقى حذرة بسبب موقفها المبدئي بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لميانمار، كما تقلق من تأثير الممر على أمن ولاياتها الشمالية الشرقية.
ميانمار: يرفض مجلس ميانمار العسكري أي تدخل خارجي في راخين، ويرى في الممر تهديدًا لسيادته. في المقابل، يوافق جيش أراكان بحذر على الوصول الإنساني، لكنه يخشى من تدخلات أجنبية. في ظل الفوضى الداخلية، يظل الممر مشروعًا عالي الخطورة.
الصين: تُطوّر الصين ميناء “كياوكفيو” العميق في أراكان كجزء من مبادرة الحزام والطريق، ما يمنحها منفذاً مباشراً إلى المحيط الهندي دون المرور عبر مضيق ملقا المزدحم، وتخشى بكين من أن تقوّض المبادرات الإنسانية المدعومة أمريكياً نفوذها في ميانمار.
الولايات المتحدة: تسعى واشنطن إلى تعزيز وجودها الاستراتيجي في بنغلادش لمواجهة التوسع الصيني في جنوب آسيا، وترى في الممر فرصة للحد من نفوذ الصين في ميانمار والمنطقة، لكن عدم الاستقرار السياسي في بنغلادش بقيادة يونس يضعف فرص التعاون المستدام.
وتشكل الممرات الإنسانية أطراً لوجستية لتوصيل المساعدات، ويُلزم البروتوكول الإضافي الثاني (1977) من اتفاقيات جنيف الدول بتقديم المساعدات الإنسانية، غير أن ميانمار، التي لم توقع على هذا البروتوكول، غير ملزمة قانوناً به.
التحدي الرئيسي يكمن في التفاوض مع جيش ميانمار وجيش أراكان حول شروط تشغيل الممر ومدته، ورغم أن جيش أراكان يسيطر على أجزاء من ولاية أراكان، فإنه يظل غير معترف به رسمياً من قِبل بنغلادش.
في النهاية، يتجاوز ممر أراكان كونه ممراً إنسانياً فهو رقعة شطرنج جيوسياسية تتنافس عليها القوى الكبرى، وبينما تطرحه حكومة بنغلادش كضرورة إنسانية، فإن المعارضة العسكرية، والهواجس الأمنية الإقليمية، والصراعات الاستراتيجية تجعل تنفيذه أمراً بالغ التعقيد، إن مستقبل الممر مرهون بالدبلوماسية المتعددة الأطراف، والتعاون الإقليمي، وتحقيق التوازن بين الأبعاد الإنسانية والواقعية السياسية، ويبقى السؤال: هل سيصبح الممر طوق نجاة للمدنيين أم ساحة جديدة لصراع النفوذ؟.
(الكاتب: العقيد غورو ساداي باتابيال هو ضابط متقاعد يمتلك خبرة متنوعة تمتد لخمسة عقود في الجيش الهندي والأمم المتحدة والقطاع الصناعي والأوساط الأكاديمية، ومؤلف لعدد من المقالات وفصول الكتب، كتب المقال بموقع “NE India Broadcast” وترجمته وكالة أنباء أراكان).



