تبدو سياسة الصين التقليدية في “عدم التدخل” في شؤون الدول الأخرى فارغة أكثر فأكثر عندما يتعلق الأمر بميانمار، فبعد طرد “جيش ميانمار الديمقراطي الوطني المتحالف” (MNDAA) من مدينة لاشيو قبل شهرين، لم تكتفِ بكين بالتدخل الواضح في الشأن الداخلي الميانماري، بل دعمت علناً نظاماً وحشياً يرتكب جرائم حرب واسعة ضد المدنيين.
فقد اعتقلت الصين زعيم الجماعة العرقية المسلحة، وأغلقت المعابر الحدودية مع المناطق الخاضعة لسيطرة تلك الجماعة، وساعدت النظام على استعادة مدينة لاشيو، عاصمة ولاية شان الشمالية، التي حررها جيش ميانمار الديمقراطي عام 2023 ضمن “عملية 1027” المناهضة للنظام بالتعاون مع جيش أراكان (الانفصالي) وجيش تحرير تانغ الوطني، ضمن تحالف “الإخوة الثلاثة”.
وأكد جيش تحرير تانغ مؤخراً أن المبعوث الصيني إلى ميانمار “دنغ شيجون”، مارس عليه ضغوطاً لإعادة خمس بلدات إلى سيطرة النظام، ورغم رفضه الطلب آنذاك، فإن محادثات جديدة مرتقبة في أغسطس، ما يثير تساؤلات حول حجم الضغط الصيني المقبل.
وفي لقاءات منفصلة، اجتمع “دنغ” مع قيادات جيش أراكان وجيش استقلال كاشين في مايو الماضي، مطالباً بعدم تنفيذ هجمات في كياوكفيو بولاية أراكان غربي ميانمار حيث توجد مشاريع “الحزام والطريق” الصينية، وفي “بامو” بولاية كاشين، مقابل حوافز اقتصادية، وقد سيطر جيش أراكان على 14 من أصل 17 بلدة في ولاية أراكان، فيما استولى جيش كاشين على عدة بلدات ومناجم نادرة قرب الحدود الصينية.
الدافع الأساسي لتورط الصين العميق هو الخوف من انهيار النظام العسكري، مما قد يترك فراغاً جيوسياسياً يهدد مصالحها، ودعم بكين المستمر للنظام لا يعكس جهلاً بجرائمه أو برفض الشعب له، بل نابع من حسابات جيوسياسية واقتصادية بحتة.
تملك الصين شبكة استخبارات ضخمة داخل ميانمار، بما في ذلك عناصر ناطقون بالبورمية وخبراء في المراقبة، وهي على دراية تامة بوحشية المجلس العسكري، لكنها تتعامل مع ميانمار ليس بمنظور إنساني، بل كعميل رخيص ومطيع يخدم مصالحها الإقليمية.
بعد نجاح “عملية 1027” في تقويض سلطة النظام، خرج الدعم الصيني إلى العلن، وفي أغسطس 2024، بعد خسارة لاشيو، زار وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” نايبيداو ليعلن دعم بلاده للنظام، وقدم لاحقاً مساعدات مالية، كما استضاف قائد الانقلاب المعزول دبلوماسياً في قمة نهر ميكونغ في كونمينغ.
وقد ساعد هذا الدعم على استقرار اقتصادي نسبي بعد سنوات من التضخم، وسمح للنظام بتحقيق بعض المكاسب العسكرية، وورد أن الصين زودت النظام بطائرات مسيّرة وتقنيات مراقبة دعمت عملياته القتالية.
سياسياً أدت الضغوط الصينية على MNDAA لإعادة لاشيو إلى تقليص زخم المعارضة، ما أثار مخاوف من إعادة مدن أخرى إلى سيطرة النظام، وعلى الحدود التايلاندية، غضّت الصين الطرف عن أنشطة عصابات إلكترونية يقودها “سو تشيت ثو”، خوفاً من تأجيج تمرد قد يضر بالنظام.
كما حذّر المبعوث “دنغ” الجماعات المسلحة العرقية من التحالف مع حكومة الوحدة الوطنية (NUG) وقوات الدفاع الشعبي، في محاولة لعزلهم، وتحت شعار التهدئة، تمارس الصين ضغوطاً على هذه الجماعات لوقف هجماتها، لكنها لم تُدن يوماً جرائم النظام ضد المدنيين أو تدعو لوقفها.
دعم بكين الثابت لا يمنح النظام الإفلات من العقاب فحسب، بل يشجعه على الاستمرار في إرهابه، ومجرد الحديث عن إمكانية انتصار النظام هو وهم سياسي، لا يعكس واقعاً تعرفه الصين جيداً.
يبدو أن الاستراتيجية الصينية ترتكز على مرحلتين: أولاً، إبرام هدنة مع الجماعات المسلحة عبر تنازلات رمزية، ثم عزل حكومة الوحدة الوطنية وقوات الثورة، لكن تجاهل حقيقة أن هذه الجماعات لا تثق في النظام، وأنها لا تنوي تسليم أراضٍ حررتها، يجعل الخطة محكومة بالفشل.
رغم محاولات الصين فصل الجماعات المسلحة عن “قوى الربيع”، فإنها تدرك أن انتصاراتها متشابكة مع نضال تلك القوى، وكما قال القائد العام لجيش أراكان اللواء “تون ميات ناينغ”: “إذا ركزنا فقط على هويتنا العرقية، فلن نحقق شيئاً، سبعون عاماً من الحرب الأهلية أثبتت أن التفكير العرقي وحده لا ينفع”.
أي خطة سياسية لا تشمل قوى الربيع محكوم عليها بالفشل، والنظام الذي يخطط لإجراء انتخابات شكلية تمهيداً لمفاوضات سلام، يجد في الصين داعماً مستعداً للضغط على الجماعات المسلحة الشمالية للمشاركة، لكن مع دعوة آسيان لوقف القتال قبل أي انتخابات، قد تجد بكين نفسها في مأزق دبلوماسي.
بعد عقود من الحكم العسكري منذ عام 1962، تحولت ميانمار من دولة واعدة إلى واحدة من أفقر دول العالم، واليوم المجلس العسكري الحكام في ميانمار لا يقتل المدنيين فقط، بل يعاني من الفوضى العسكرية، وغير قادر على هزيمة الجماعات المسلحة.
فشل النظام في قمع المعارضة عندما كانت ضعيفة ومسلحة بشكل بدائي، فكيف سينتصر اليوم؟ التاريخ حافل بتحذيرات لمن يدعمون أنظمة مكروهة، ومثلما فشلت الولايات المتحدة في فيتنام وروسيا في سوريا، تسير الصين نحو تكرار نفس الأخطاء.
رهان بكين على مجلس ميانمار العسكري قد لا يحقق الاستقرار، بل يرسّخ الصراع ويزيد معاناة الشعب، دعمها ليس إلا “جلداً لحصان ميت”، وسرعان ما ستدرك أن رهانها خاسر.
(الكاتب: ثيت هتار ماونغ هو محلل سياسي من ميانمار، نُشر المقال بموقع “The Irrawaddy”، وترجمته وكالة أنباء أراكان).




