إن فكرة فتح ممر إنساني إلى ولاية أراكان في ميانمار لتوصيل المساعدات مباشرةً إلى الروهينجا تبدو جذابة من الناحية الأخلاقية، فبعد أن استضافت بنغلادش ما يقارب مليون لاجئ روهنجي لأكثر من ست سنوات، معظمهم في مخيمات مكتظة في كوكس بازار، من الطبيعي أن يبحث الكثيرون عن طرق لتخفيف هذا العبء.
ومع تراجع الدعم الدولي، وتزايد المخاوف الأمنية داخل المخيمات وعلى الحدود، يبدو أن الحلول الإنسانية مطلوبة بإلحاح، لكن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي، خاصة في منطقة معقدة وهشة مثل أراكان، فالاندفاع نحو ما يبدو عملاً نبيلاً قد يفتح الباب لمزيد من عدم الاستقرار.
يبدو الممر الإنساني أمراً بسيطاً من الظاهر، لكن التجارب الدولية تثبت عكس ذلك، ففي تسعينيات القرن الماضي، أعلنت الأمم المتحدة مناطق آمنة مثل سربرنيتسا وغوراجده في البوسنة، لكنها تحولت إلى مواقع لمجازر مروعة، وفي سوريا تحوّلت ممرات المساعدات في حلب والغوطة إلى أدوات في أيدي القوات المتحاربة، أما في إقليم تيغراي الإثيوبي، فقد فشلت محاولات الأمم المتحدة لإيصال المساعدات بسبب تدخل الأطراف المتحاربة، ما تسبب في مجاعة كارثية.
هذه الأمثلة تؤكد أن الممرات الإنسانية غالباً ما تكون عرضة للتلاعب، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى سلطة واضحة، وتضج بالجهات المسلحة، وتنعدم فيها الثقة الدولية، وقد تتحول هذه القنوات من طرق لإيصال الغذاء والدواء إلى مسارات لنقل الأسلحة والمقاتلين والنفوذ، مما يعرّض المستفيدين المفترضين للمزيد من الخطر.
وفي حالة ميانمار، أصبح المشهد أكثر تعقيداً، لم تعد الأزمة مجرد اضطهاد حكومي لأقلية، بل ظهرت أطراف فاعلة جديدة، أبرزها “جيش أراكان”، وهو جماعة مسلحة عرقية باتت تسيطر على مناطق شاسعة من شمال أراكان، بما في ذلك المناطق الحدودية مع بنغلادش، ورغم أن بنغلادش ومعظم دول آسيان تحتفظ بعلاقات رسمية مع المجلس العسكري الحاكم في ميانمار، فإن السيطرة الفعلية على الأرض في مناطق الروهينجا أصبحت بيد جيش أراكان.
وإذا تم تمرير المساعدات عبر مناطق تخضع لسيطرة هذا الجيش، فقد ينتهي الأمر بدعمه، حتى وإن لم يكن ذلك مقصوداً، ففي سياق النزاع، تعتبر الإمدادات اللوجستية قوة بحد ذاتها، كما أن المنطقة تشهد نشاطاً مكثفاً في تهريب الأسلحة، والتمرد، والتحركات المتطرفة، مما يزيد من مخاطر فتح ممر دون رقابة مشددة.
إقامة ممر إنساني في مثل هذا السياق يشبه إجراء عملية جراحية كبرى؛ لا تُجرى دون تشخيص دقيق وفهم شامل للمخاطر، وقبل المضي قدماً، يجب أن تُطرح أسئلة صعبة: من يسيطر على الأرض؟ من يضمن سلامة عمال الإغاثة؟ من يضمن عدم استغلال المساعدات؟ ومن يتحمّل المسؤولية في حال فشل المبادرة؟.
بدلاً من التسرع، يمكن لبنغلادش أن تقترح حلاً أكثر شمولاً واستقراراً، صحيح أن إعادة اللاجئين لن تحدث بين عشية وضحاها، لكنها قد تمثل بداية جادة نحو حل طويل الأمد، ولكي تنجح هذه الخطة، يجب أن تشمل أطرافاً إقليمية ودولية رئيسية هي الصين، التي تربطها مصالح اقتصادية قوية مع ميانمار، والولايات المتحدة، التي تُعد من أكبر المانحين لقضية الروهينجا، ويمكنها دعم أي خطة شاملة بالشرعية الدولية، والهند، نظراً لحدودها المشتركة ومصالحها الاستراتيجية، أما بنغلادش التي حملت عبء الأزمة بصبر وكرامة، فعليها أن تقود هذا الجهد الإقليمي والدولي بشكل عقلاني وإنساني.
داخلياً، يجب أن يشمل اتخاذ القرار خبراء العلاقات الدولية والأمن والأكاديميين وممثلي الأحزاب السياسية، نظرًا لتأثيراته طويلة الأمد، كما يجب الحذر من قوى إقليمية قد تسعى لعرقلة أي مبادرة تحقق الاستقرار، وفي حال تعذر التوصل إلى حل شامل، يمكن التفكير في ممر إنساني متعدد الأطراف تشرف عليه الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ورابطة آسيان، لضمان الشفافية ومنع التلاعب.
في النهاية، القضية تتجاوز مجرد إيصال المساعدات، إنها تتعلق بمصير شعب بأكمله واستقرار منطقة بأكملها، وهذا يتطلب قيادة شجاعة ورؤية واضحة وقرارات حكيمة قائمة على مصلحة الإنسان أولاً لا المصالح السياسية، يجب ألا نتحرك بعجلة بل بحكمة وهدف واضح.
(الكاتب: أشفق زمان هو مؤسس منتدى دكا وخبير استراتيجي في الشؤون الدولية، نشر المقال بموقع The Daily Star، وترجمته وكالة أنباء أراكان)



