رغم أن الأدبيات الكلاسيكية توثق بإسهاب التاريخ الطويل لمنطقة كوكس بازار، فمن الضروري الإقرار بأن تاريخ كوكس بازار مرتبط بشكل جوهري بسردية لاجئي الروهينجا، حيث بدأ هذا الارتباط التاريخي مع اجتياح القوات البورمية لإقليم أراكان عام 1784، ما أدى إلى نزوح جماعي لمجتمعات الروهينجا والراخين نحو منطقة “رامو”، التي تُعرف اليوم باسم كوكس بازار، وهو ما يُعد أول موجة لجوء شهدتها المنطقة.
واستجابةً لهذه الأزمة الإنسانية، أوفدت الإدارة الاستعمارية البريطانية، “هيرام كوكس” عام 1798 للمساعدة في تسوية أوضاع الروهينجا والراخين المهجرين، وقد سميت المنطقة باسمه “كوكس بازار” تخليداً لهذا التدخل الإنساني البريطاني.
قبل عام 1784، كانت المناطق التي تُشكل اليوم “كوكس بازار سادار” بما في ذلك حدودها البلدية، إلى جانب المناطق الفرعية “أوكيا” و”تيكناف”، والتي تحتضن حالياً مخيمات اللاجئين، شبه خالية من السكان، باستثناء بعض التواجد المحدود في منطقتي “رامو” و”تشاكاريا”.
وتجدر الإشارة إلى أن الإقليم المعروف اليوم باسم “منطقة شيتاغونغ” (وتشمل: كوكس بازار، رانغاماتي، بندربان، خاغراتشاري، فِني، لاكشميبور، كوميلا، نوخالي، براهمانباريا، وتشاندبور)، إلى جانب ولاية أراكان الحالية، كانت جميعها ضمن حدود مملكة أراكان المستقلة، وليست تابعة لبنغلادش أو ميانمار.
ويُعزى الاستيطان والتنمية الزراعية في منطقة كوكس بازار وولاية أراكان الحالية إلى أسلاف شعب الروهينجا، حيث كانت هذه الأراضي في الأصل غير مأهولة، ومع نهاية الحرب الأنغلو-بورمية عام 1824، وبدء تطبيق قوانين بريطانية مثل “قواعد الأراضي البور” في أعوام 1839، 1841، 1863، و1865، بدأ تدفق سكاني كبير إلى هذه المناطق بقصد الاستيطان والزراعة، ويمكن مقارنة هذا التحرك بسياسات حكومتي باكستان وبنغلادش الهادفة إلى توطين السكان البنغاليين في مرتفعات شيتاغونغ.
ويجب التنويه إلى أن أول وصول للروهينجا إلى كوكس بازار كان متزامناً مع تهجير جماعي لأقليات الراخين الذين فروا من بطش القوات البورمية، ولا تزال آثار هذا التهجير التاريخي قائمة، وتُجسَّد اليوم في السوق البورمية وسط مدينة كوكس بازار، والتي تروي حكاية التراث المشترك والمآسي المتقاسَمة بين المجتمعات المختلفة في المنطقة.
تشكّل الهوية العرقية للروهينجا
يُعد شعب الروهينجا في منطقة أراكان، مجموعة عرقية مميزة تشكلت عبر اندماج ثقافات وشعوب متعددة خلال قرون طويلة، وتعود جذورهم إلى تداخل تاريخي متنوع شمل قدوم التجار العرب والدعاة الإسلاميين بين القرنين السابع والتاسع، والهجرات البنغالية في القرن الخامس عشر، والمهاجرين الهنود خلال القرنين السابع عشر والتاسع عشر، إلى جانب موجات لاحقة من البنغاليين والتشيتاغونيين وأشخاص من أصول برتغالية ومغولية وفارسية ومورية وبشتونية.
ويُعترف بالروهينجا كأصلاء في موطنهم بسبب احتفاظهم بثقافتهم الفريدة وعاداتهم وتقاليدهم التي تجعلهم مكوناً اجتماعياً وثقافياً مستقلاً، رغم أنهم أقلية من حيث العدد في سياقهم الوطني.
سكان شيتاغونغ وكوكس بازار
من المثير للاهتمام أن الكثير من كبار السن، خاصة من تجاوزوا السبعين من العمر في منطقتي كوكس بازار وشيتاغونغ، لا يستخدمون مصطلح “روهينجا” عند الإشارة إلى لاجئي الروهينجا، بل يفضلون تسميتهم بـ”بورمايا”، أي القادمون من بورما (ميانمار).
وبصفتي شخصاً نشأ في ريف كوكس بازار وشيتاغونغ وتربطني علاقات متعددة بالمجتمع، فقد لاحظت تشابهاً لافتاً بين الثقافة واللغة المتداولة بين الفئات المهمشة في قرانا قبل ثلاثة عقود، وتلك التي يستخدمها الروهينجا حالياً، فبينما تطورت لغتنا وثقافتنا بفضل التعليم والإعلام، ولم تتح للروهينجا نفس الفرصة، وهو ما يشكل الفارق الحقيقي.
تعدد الإثنيات عبر الحدود
تاريخياً، تمتد الإثنيات عبر الحدود في كل دول العالم، والروهينجا ليسوا استثناءً، الفرق الوحيد أن بعضهم بورميون بالجنسية، وآخرون بنغاليون، فعلى سبيل المثال، يُعرف شعب “ناجا” في الهند بـ”كاتشين” في ميانمار، و”الميجو” في الهند هم “تشين” في ميانمار، وشعب “الشان” في ميانمار يُعرف بـ”تاي” في تايلاند، أما “الراخين” في ميانمار، فيُعرفون في كوكس بازار وشيتاغونغ بـ”الموغ”، وفي تلال شيتاغونغ بـ”المارما”.
ورغم وجود خط “ديوراند” الفاصل بين باكستان وأفغانستان، فإن شعب “البشتون” ظل موحداً عرقياً رغم الانقسام السياسي، ما يدل على أن الحدود الوطنية قد تفصل بين الدول، لكنها لا تقطع الصلات العرقية العميقة بين الشعوب.
(الكاتب: مصطفى عراف، محامٍ في المحكمة العليا في بنغلادش، كُتب المقال بموقع “دكا تريبيون”، وترجمته وكالة أنباء أراكان).




