توفي “تابان كومار بوس”، المخرج الوثائقي الشهير، والناشط في مجال حقوق الإنسان والسلام، في 30 يناير الماضي في نيودلهي عن عمر يناهز 79 عاماً.
كرّس “بوس” حياته للدفاع عن المجتمعات المضطهدة، وخاصة المُهجرين، واللاجئين، وضحايا العنف، حيث ركّز على قضايا الروهينجا والمجتمعات البورمية في جنوب آسيا.
بدأ نشاطه خلال حالة الطوارئ في الهند أواخر السبعينيات، حيث سلط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان، وتناول في أعماله أحداثاً مفصلية، مثل العمى الجماعي في بهاجالبور، والنزاعات في البنجاب وجامو وكشمير، وكارثة بوبال البيئية، ومن خلال أفلامه، مثل “قصة هندية” (1981)، و”بوبال: أبعد من الإبادة الجماعية” (1986)، و”مستخدمو الطريق الأكثر عرضة للخطر” (1991)، و”جهارخاند” (1993)، و”الشعب القابل للاستغناء” (2016)، منح صوتاً للمهمشين وكشف عن مظالم ممنهجة.
وأسهم “بوس” في تأسيس العديد من منظمات حقوق الإنسان، من بينها منتدى جنوب آسيا لحقوق الإنسان، والمنتدى الشعبي للسلام والديمقراطية بين باكستان والهند، ومبادرة حقوق الإنسان للروهينجا.
لم يقتصر عمله على الدفاع عن اللاجئين والأقليات، بل دعم أيضاً مجتمعات متضررة من العنف الطائفي، مثل الكشميريين والناغا والجماعات في بورما وسريلانكا، وكان مؤمناً بالثقافة كأداة للمقاومة، وعمل على تعزيز الوحدة من خلال رموز ثقافية مثل رابندرانات طاغور وفايز أحمد فايز. كما كان معارضاً للعسكرة والتطرف اليميني، وداعماً للقيم الغاندية.
وكان لـ “بوس” شغف بالموسيقى والشعر والطهي، لكن إخلاصه للعدالة وحقوق الإنسان سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة، إذ ترك أثراً دائماً في حياة الذين ناضلوا من أجل المجتمعات المهمشة، وخاصة الروهينجا.
مُرشِدي ومعلمي
بالنسبة لي، لم يكن “بوس” مجرد مُرشِد، بل كان مُوجِّهاً وصديقاً ودعماً ثابتاً في رحلتي كناشط في مجال حقوق الإنسان، إذا بدأت مسيرتي في النضال الحقوقي عام 2008، بعد أن انتقلت إلى الهند كناجٍ من الإبادة الجماعية في ميانمار، إذ عانيت من الخوف والعزلة والصدمات الناجمة عن العنف الذي شهدته، ومع ذلك، في عام 2012، بدأت التركيز على قضايا حقوق الإنسان، وخاصة أزمة الروهينجا المستمرة.
وخلال حدث في عام 2012، التقيتُ “بوس” أثناء حملتي لرفع الوعي حول قضية الروهينجا، ولاحظ شغفي بالقضية، فأصبح على الفور مُرشِداً لي، وعلّمني كل ما يتعلق بالمناصرة وحقوق الإنسان والنشاط الحقوقي، كما ساعدني في تطوير مهاراتي في إلقاء الخطابات، والتواصل مع الدبلوماسيين، وتوثيق الفظائع، وإجراء الأبحاث الأخلاقية، وكان يؤكد دائماً على أن رفع الوعي لا يكفي، بل يجب اتخاذ إجراءات حقيقية لإحداث فرق.
وقف بجانبي خلال الأوقات الصعبة، مثلما حدث عندما تم احتجازي ظلماً في حيدر آباد، حيث عمل بلا كلل من أجل إطلاق سراحي، في تجسيد واضح لالتزامه الثابت بحقوق الإنسان، ورغم معاناته الشخصية، بما في ذلك مشاكله الصحية، كان دائماً إلى جانبي، يقدم الدعم، ويفتح لي آفاقاً جديدة عندما أواجه الصعاب.
نُصير قضية الروهينجا
كان “بوس” مدافعاً شرساً عن الروهينجا، إذ أدرك خطورة أزمتهم في وقت مبكر، وعمل بلا هوادة لجذب الانتباه إلى محنتهم.
وتنبّأ بوقوع الإبادة الجماعية عام 2017، وواصل نشاطه حتى في ظل تدهور صحته، ورغم إعاقته جسدياً خلال جائحة “كورونا”، قدم إغاثة طارئة لأكثر من 7 آلاف لاجئ روهنجي في الهند، كما نظّم مؤتمرات لدعم قضيتهم.
وبين عامي 2018 و2024، ساعد في افتتاح مركز تعليمي لأطفال الروهينجا في دلهي، بالتعاون مع الدكتور مونغ زارني، كما دعم 300 عائلة في ميانمار بإرسال مساعدات مالية لمن تضرروا جراء الغارات الجوية.
وأسهمت جهوده في بناء شبكات دعم لقضية الروهينجا، وساعد في إنشاء منظمات، وربط النشطاء ببعضهم البعض، مثل محمد محب الله، وقد منحت جهوده الروهينجا صوتاً عالمياً، ولعبت دوراً رئيسياً في تعزيز قضيّتهم.
لم يكن عمل “بوس” مجرد نشر الوعي، بل كان محركاً للتغيير الفعلي، حيث أحدث تأثيراً حقيقياً في حياة المجتمعات المهمشة، وخاصة الروهينجا والبوذيين المضطهدين في بورما.
رحيله خسارة هائلة، ليس لي فحسب، بل للمجتمعات المهمشة في جميع أنحاء العالم، لم يكن مجرد ناشط، بل كان أباً روحياً، ومرشداً، وصديقاً، لقد فقدت مجتمعات الروهينجا، وحركة حقوق الإنسان، نصيراً عظيماً للعدالة.
إرثه مستمر من خلال مبادرة حقوق الإنسان للروهينجا، التي ساهم في تأسيسها، ومن خلال العمل الحقوقي الذي يتواصل تخليداً لذكراه.
حين أعلنا عن تكريمه بجائزة إنسانية تقديراً لمسيرته، شعر بفرح عظيم، لكنه لم يقبلها لنفسه، بل من أجل القضية التي كرس حياته لها.
ارقد بسلام، تابان، إرثك يعيش فينا، وروحك ستظل تلهمنا لمواصلة النضال من أجل العدالة والسلام.
*(الكاتب: صابر كياو مين: ناشط في مجال حقوق الإنسان والسلام، ومدافع عن اللاجئين وعديمي الجنسية والمهاجرين، ومؤسس مبادرة حقوق الإنسان للروهينجا في دلهي، نشر هذا المقال في موقع “thewire”، وترجمته وكالة أنباء أراكان)



