زرت جنوب شرق آسيا عدة مرات، وولدت ونشأت في مدينة شبه استوائية في الصين، وأعشق جنوب شرق آسيا التي تمثل بالنسبة إلى توازناً مبهراً بين الغرابة والألفة فيما يتعلق بالمناظر الطبيعية والطعام والمناخ، وحتى 2024 كانت خبرتي فيما يتعلق بماليزيا مقتصرة على توقف قصير لاينسى في كوالالمبور عام 2015 انطلقت خلاله في جولة تذوق طعام محلي متواصلة حولت هذا التوقف القصير إلى يوم مميز للغاية.
وفي يونيو 2024 وبدعم من منحة بحثية من “مؤسسة آسيا نيوزلندا”، كنت سعيدة بالعودة إلى ماليزيا لإجراء بحث عن سياستها المتعلقة باللاجئين في ضوء النزوح المستمر لأكثر من مليون روهنجي من ميانمار وهي القضية التي شغلت اهتمام المجتمع الدولي، فعلى سبيل المثال، من المقرر أن تقيم الأمم المتحدة مؤتمر عالي المستوى بشأن لاجئي الروهينجا في عام 2025.
وبينما فر أغلب الروهينجا إلى بنغلادش، إلا أن عدداً كبيراً منهم انتقل إلى جنوب شرق آسيا وبشكل أساسي إلى ماليزيا وإندونيسيا وتايلاند، وبعدما قضيت قرابة شهرين في جامعة “شيانغ ماي” في تايلاند في 2022، وأسبوعين آخرين في جامعة إندونيسيا في 2023، تمنيت أن تعمق زيارتي إلى ماليزيا فهمي لاستجابة منطقة جنوب شرق آسيا تجاه لاجئي الروهينجا.
بالمقارنة مع إندونيسيا وتايلاند، تلقت سياسة ماليزيا للاجئين أقل اهتمام إعلامي، وقد يتفاجأ الكثيرون لمعرفة أن ماليزيا هي ثاني أكبر مستضيف للاجئي الروهينجا.
لم تنشر الحكومة الماليزىة إحصاءات رسمية حول عدد لاجئي الروهينجا الذين تستضيفهم، لكن تتراوح التقديرات الأخيرة ما بين مئة ألف (وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في 2023) إلى مئتي ألف (وفق منظمة أطباء بلا حدود في 2024)، وللمقارنة، توجد بضعة آلاف من لاجئي الروهينجا في إندونيسيا وبضعة مئات في تايلاند.
يتسم تعامل ماليزيا مع لاجئي الروهينجا بانعدام الرسمية، ومثل معظم دول جنوب شرق آسيا، ليست ماليزيا طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين وليس لديها تشريع يعترف بوضع اللاجئين، وتسمح ماليزيا لمفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بتحديد أوضاع اللاجئين وإصدار إثبات لأوضاعهم لمن يتم تعريفه كلاجئ.
ويسمح للاجئين ممن يحملون وثائق المفوضية بالبقاء في ماليزيا وانتظار إعادة التوطين في بلد ثالث، ورغم أن قانون ماليزيا لا يسمح للروهينجا بالعمل إلا أن الحكومة الماليزية لا تطبق بشكل صارم الأحكام القانونية ذات الصلة طالما أن المفوضية تتحمل مسؤولية حماية ومساعدة اللاجئين، وفعلياً يعمل الكثير من لاجئي الروهينجا بشكل غير رسمي في ماليزيا.
ولعل استعداد حكومة ماليزيا للتسامح مع الأعداد الكبيرة من لاجئي الروهينجا يستند إلى التضامن الإسلامي والذي يعد جزءاً هاماً من السياسة الخارجية لماليزيا، والحقيقة أن أغلبية الماليزيين من المسلمين مثل الروهينجا، كما أن ماليزيا لديها تاريخ في تقديم المساعدة للاجئين المسلمين.
على الجانب الآخر، تدرك الحكومة الماليزية تماماً أن الرأي العام تجاه لاجئي الروهينجا أو اللاجئين بشكل عام ليس إيجابياً دوماً، فمثلاً كانت هناك شكاوى من أن لاجئي الروهينجا يتنافسون مع الماليزيين على فرص العمل، كما توجد مخاوف من أن توفير اللجوء الرسمي لهم قد يعقد وضع الأعراق في ماليزيا ويجهد أجندة بناء الأمة.
وخلال السنوات الأخيرة، انتهجت الحكومة الماليزية السرية بعض الشيء في سياستها تجاه اللاجئين، ربما على أمل تقليل المشاعر السلبية بين الماليزيين تجاه لاجئي الروهينجا، وقد كان للمنظمات غير الحكومية دوراً فعالاً في دعم لاجئي الروهينجا، فعلى سبيل المثال، تعمل منظمة “أسباير بينانغ” (Aspire Penan) مع لاجئي الروهينجا في مجالات التعليم وتمكين المرأة وتنمية الشباب، وتركز منظمة “أسايلم أكسس” (Asylum Access) على الحماية القانونية وتعزيز الحق في العمل، وتعمل منظمة “تيناجانيتا” (Tenaganita) على قضية حماية النساء والأطفال اللاجئين من الاستغلال والتمييز والعبودية والاتجار بالبشر، وتقدم منظمة “هيومان إيد سيلانجور” (Human Aid Selangor) خدمات صحية ومأوى وتعليم لأطفال الروهينجا.
ويبقى هناك سؤال يستحق الطرح، لماذا تجتذب ماليزيا الكثير من لاجئي الروهينجا مقارنة بإندونيسيا؟ حتى أن بعض لاجئي الروهينجا الذين وصلوا إلى إندونيسيا انتقلوا إلى ماليزيا رغم أن البلدين بهما أغلبية مسلمة وليستا بين الموقعين على اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين، كما أن لدى إندونيسيا آلية رسمية للاعتراف بوضع اللاجئين على عكس ماليزيا.
وربما يلعب الاقتصاد دوراً، فمتوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في ماليزيا أعلى من نظيره في إندونيسيا، على الرغم من أن عدد سكان إندونيسيا أكبر وناتجها المحلي الإجمالي أعلى، ولكن الاقتصاد ربما لا يكون العامل الوحيد.
في ماليزيا، لاحظت أينما ذهبت أن الماليزيين والصينيين والهنود (المجموعات العرقية الرئيسية في ماليزيا) يختلطون بشكل جيد جداً، فالقدرة على التعايش السلمي (وهي عمود الحكم والسياسة الخارجية الماليزية) تبرز بشكل غير اعتيادي بالنظر إلى الديانات المختلفة بين المجموعات الثلاث، كما أن الماليزيين الصينيين والهنود يتحدثون الماليزية بطلاقة بينما يحافظون على لغتهم وتراثهم الثقافي، وهي الأشياء التي لم ألحظها في جاكرتا.
كانت زيارتي التي استغرقت أسبوعين إلى ماليزيا قصيرة لكنها كانت مليئة بالتحفيز الفكري، وقد غادرت “بينانغ” وأنا ممتنة للضيافة الرائعة التي قدمتها لي ماليزيا، وأتطلع إلى زيارتي المقبلة لهذا البلد المذهل.
*(الكاتبة: الدكتورة لي لي سونغ: هي محاضرة في جامعة “أوتاغو” في نيوزلندا، وهي باحثة في مجال قوانين اللاجئين والهجرة وتجري بحثاً حول استجابة ماليزيا لأزمة الروهينجا، نشر المقال في موقع “Asia New Zealand Foundation” وترجمته وكالة أنباء أراكان)



