يوليو 21, 2026

قيادة من قلب المخيمات.. دور النساء في استدامة مجتمع الروهينجا

13 مايو 2026

تقرير: خلود فطافطة

بينما يكتفي العالم برصد مآسي مخيمات اللجوء عبر الأرقام، ترسم النساء الروهينجيات بجهودهن الذاتية خارطة طريق مختلفة، تعبر عن حالة قوة لا ضعف وشتات الطريق.

هنا، في واحد من أكبر مخيمات اللاجئين في العالم “كوكس بازار”، لم تستسلم المرأة لثقل اللجوء، بل تحولت من ضحية تبحث عن مساعدة، إلى محرك للتغيير يقود المجتمع نحو الصمود.

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن النساء والفتيات يشكلن نحو 52% من مجتمع اللاجئين الروهينجا البالغ أكثر من 1.2 مليون، ما يضعهن في قلب التحديات، وفي صميم الحلول في ذات الوقت.

كما تدار نحو 16% من أسر اللاجئين بواسطة نساء، وفق تقديرات أممية، ما يضع كثيرا منهن في موقع المعيل الرئيسي للأسرة داخل المخيمات.

-بناء المستقبل وسط الهشاشة-

شمس النهار، 25 عاما، أكملت حتى الصف العاشر في بلدتها “بوسيدونغ” في ولاية أراكان، قبل أن تجبرها الحرب على ترك كل شيء والرحيل إلى المخيم رقم (ثمانية).

في بنغلاديش، عملت شمس النهار مشرفة في برنامج مكافحة “العنف القائم على النوع الاجتماعي”، وحولت مأساة لجوئها إلى دافع للعمل المجتمعي، لتصبح قائدة فريق بحث بشري مع المنظمة الدولية للهجرة، وكلها إيمان بأن الطريق نحو العودة يبدأ أولا من “بناء الإنسان داخل المخيم”.

تقول النهار لـ”وكالة أنباء أراكان”: “أصبح مجتمعنا هشا بعد فقدان كل شيء، لكننا نملك مستقبلا يجب بناءه بقوة”.

لم تكن رحلة الشابة العشرينية سهلة، واجهت نظرة المجتمع السلبية لعمل المرأة بجانب الرجل، ووصل الأمر إلى تهديدات أجبرتها على ترك منزلها، لكنها لم تتوقف، لإيمانها بدور يجعلها تحدث “التغيير المهم”.

قيادة من قلب المخيمات.. دور النساء في استدامة مجتمع الروهينجا
فتيات روهنجيات يتلقين دروس اللغة الروهنجية بمدرسة في أحد مخيمات بنغلادش، 15-3-2025 (صورة: ANA)

وفي الوقت الذي يعيش فيه أكثر من 400 ألف طفل في سن الدراسة داخل المخيمات، نصفهم تقريبا من الفتيات اللاتي يتزوجن في سن مبكرة وينقطعن عن الدراسة، بحسب بيانات “اليونيسف”، نجحت النهار في إنقاذ مستقبل 12 فتاة حرمن من التعليم بسبب قيود محلية، حيث فتحت لهن أبواب القبول في جامعة “آسيا” للنساء، وتم قبول ثلاث فتيات بالفعل.

وتوجه النهار رسالة واضحة للنساء: “إذا واجهك أحد، اشرحي أسباب عملك باحترام بالطريقة التي يفهمونها (…)، يجب احترام مجتمعنا، وعندما يلمسون ذلك، سيبدأون باحترامنا”.

وتضيف بوعي إنساني وحس مسؤول: “لا نكتفي بالإنجليزية؛ فنحن نحتاج إلى إجادة اللغة البورمية لنستعد للعودة”.

-القيادة النسائية.. بين القبول والتحول-

تعكس تجربة شفيقة وجها آخر لهذا التحول. فعقب فرارها من أراكان عام 2017، عاشت تجربة زواج انتهت بالانفصال، لتجد في العمل الإنساني مساحة لإعادة بناء حياتها.

واستطاعت تحويل معرفتها الأكاديمية إلى تأثير ميداني ملموس، خاصة في قضايا حساسة مثل “المهر”.

تحارب النساء الروهينجيات حياة اللجوء بنفس طويل، وتسعى النسوة، عبر جهودهن، إلى إنجاح المبادرات، حيث توضح شفيقة سببا جوهريا لنجاح المبادرات النسائية الذاتية، قائلة: “في ثقافتنا، تفضل المرأة أن تتعلم من امرأة مثلها؛ حيث نتحدث بحرية وشفافية أكبر”.

وترى أن الحل لمواجهة الآراء المحافظة لا يكون بالصدام، بل بتحمل قادة المجتمع والعلماء مسؤولياتهم في دعم مشاركة المرأة.

مؤكدة أن وجود المرأة الداعمة يعطي شعورا بالراحة والطمأنينة، كما حدث معها وقت الانفصال عن زوجها.

قيادة من قلب المخيمات.. دور النساء في استدامة مجتمع الروهينجا
فتيات من الروهينجا أثناء التدريب داخل مدرسة للتايكواندو بمخيمات بنغلادش، 18-4-2025 (صورة: ANA)

 

-التعافي من الصدمة –

ومن منظور تحليلي، يرى الباحث والحقوقي الروهينجي “محمد سراج” أن هذه المبادرات تمثل “طوق نجاة” نفسيا للمجتمع. ويشرح سراج أن التعافي من صدمة الإبادة الجماعية، لا يتم في العيادات فقط، بل في التفاعل اليومي.

ويقول لـ”وكالة أراكان”: “الانخراط في العمل المجتمعي يخرج الفرد من سجن دور (الضحية) إلى سعة دور (الفاعل)، مما يقلل العبء النفسي للتجارب الماضية”.

كما يرى الباحث، بأن المبادرات التي تقودها النساء تحمي المجتمع من “الانهيار النفسي الجماعي”؛ فالنساء لسن فقط مقدمات رعاية، بل هن حارسات للهوية الثقافية من خلال الحرف اليدوية واللغة، وكل جهد يبذلنه ينجحن في بناء “التماسك الاجتماعي” ضد “التهميش والضياع”.

-خارطة “استدامة الصمود”-

يختتم الباحث الروهينجي رؤيته، بالتأكيد على أن استدامة هذه المبادرات النسائية، تتطلب انتقالا من الدعم الإغاثي التقليدي إلى “نهج مؤسسي” أكثر “عمقا”.

مشددا على أن “الأفكار وحدها لا تكفي” ما لم تدعَم ببنية عملية واضحة.

ويرى أن المرحلة المقبلة تستدعي الاستثمار في برامج تدريب منهجية تعزز مهارات القيادة والتواصل والدعم النفسي لدى النساء، إلى جانب توفير مساحات آمنة داخل المخيمات تتيح لهن العمل والتفاعل بحرية وخصوصية.

كما طالب بالاهتمام ببناء شبكات تنسيق تربط المبادرات المحلية ببعضها لتبادل الخبرات وتوحيد الجهود، مع ضرورة توفير دعم طويل الأمد يضمن استمرارية هذه المبادرات وتحويلها من جهود فردية إلى تأثير مجتمعي مستدام.

في النهاية، لا تقتصر فصول قصص الروهينجا إجمالا على المعاناة، بل تتشكل من رحمها محاولات يومية لإعادة تعريف الحياة.

ولا شك أن ما تقوم به نساء مثل شمس النهار وشفيقة يتجاوز حدود خلق المبادرات الفردية؛ ويمكن اعتباره إعادة بناء، ولو ببطء، لمجتمع فقد كل شيء تقريبا، لكنه لم يفقد قدرته على النهوض، والسعي لعيش حياة تتسم بالاتزان، تنهي حالة التشظي المجتمعي.

شارك
×