وكالة أنباء أراكان
تقرير: خلود فطافطة
بين أزقة أكبر مخيم للاجئين في العالم (كوكس بازار) في بنغلاديش، لا تُروى قصص اللجوء فحسب، بل تشهد الجدران القماشية على معارك صامتة تقودها الأمهات الروهينجيات ضد ندوب ذاكرة مثقلة بالعنف، وطفل يسألها عن الغد بعيون لا تعرف الخوف بعد.
من الوطن إلى رحلة اللجوء
حطيزة خاتون (30 عاماً)، كانت موظفة في برنامج الأغذية العالمي بقرية (سيون سوري) شمال منغدو بميانمار. أتمّت تعليمها حتى الصف الثامن، وبنت لنفسها مساراً في العمل الإنساني امتد لست سنوات قبل أن تنهار حياتها المستقرة في أغسطس 2017، إبان موجة العنف والاضطهاد التي أجبرت مئات الآلاف على الفرار من ولاية أراكان.
جاء ذاك العام ليهدم كل شيء، ويضعها على عتبة مخيم لا تعرف متى تغادره، مع أطفالها وزوجها وذكريات لا ترحل. ومنذ ذلك التاريخ صار الخوف يحاصرها، ويمتد ليطال حركات الأم وأنفاسها تجاه أطفالها.
تقول خاتون في حديثها لوكالة أنباء أراكان: “لا تفارقني ذكريات ما مررنا به قبل نحو عشرة أعوام، فأحياناً تكفي أصوات بسيطة أو حركات مفاجئة لتعيدني إلى تلك الأيام، فأشعر بالخوف من جديد”.
ونتيجة لمأساة اللجوء وتداعيات خروجها من أراكان، أصبحت شديدة الحرص على أطفالها، فلا تسمح لهم بالابتعاد عن الخيمة، وتعيش في قلق دائم على سلامتهم. لكنها تعترف بأن هذا الحرص يُرهقها ويجعل الصبر معهم أمراً عسيراً أحياناً؛ لذا تحيطهم بمزيد من الحب والحنان لكي لا يشعروا بمرارة الخوف والفقدان التي عايشتها.

لا تمثل قصة حطيزة حالة فردية، بل هي جزء من واقع مؤلم تشير إليه إحصائيات مفوضية اللاجئين لعام 2024-2025؛ حيث يعيش نحو 1.2 مليون لاجئ في بنغلاديش، تشكل النساء والأطفال أكثر من 75% منهم. وتواجه هذه الفئة مخاطر مضاعفة، بدءً من نقص التمويل الذي هدد الأمن الغذائي، وصولاً إلى الاضطرابات النفسية التي تصيب الأمهات نتيجة الصدمات المتراكمة.
“قبلة حياة” وسط وحشة المخيم
في ليلة عاصفة داخل المخيم، عادت خاتون بقلب منكسر إلى ليلة فرارها من القرية، وبدأت بالبكاء وفقدت السيطرة على نفسها.
في مواجهة هذا الألم، كان سلطان أحمد (42 عاماً)، زوج حطيزة والمتخصص في علم النفس، يمثل نموذجاً “للسند” الذي يتفهم اضطراب ما بعد الصدمة، موفراً بيئة هادئة لزوجته وأطفاله.
لم يسألها كثيراً ولم يتركها وحدها؛ جلس إلى جانبها، وأمسك بيدها، وظل مستيقظاً حتى الفجر، ليكون القبلة التي تعيدها للحياة كلما وصلت إلى حافة الهاوية.
تصف خاتون تلك اللحظة: “كان وجود زوجي طوق نجاة حقيقي؛ ذكّرني بأنني لست وحدي، ومنحني قوة ساعدتني على الهدوء والمضي قدماً”.
وبسؤال أحمد عن وضع زوجته قال “لم تعد زوجتي كما كانت؛ إذ تلوذ بالصمت أحياناً وتنزعج من الأصوات المرتفعة”.
العمل وسيلة للنجاة
وبينما تحاول حطيزة التعافي من صدمة أراكان، هناك نساء أكثر تضرراً وعزلة، تعرضن للعنف الجنسي وهن في طريقهن إلى مخيمات بنغلاديش.
وكوسيلة للنجاة، ظهرت مبادرات عديدة لتمكين المرأة الروهينجية، مثل مشروعات “الخياطة والحرف اليدوية” التي تدعمها منظمات إنسانية، بهدف تحويل طاقات الأمهات من التفكير في الألم إلى الإنتاج.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن انخراط النساء في مشروعات صغيرة داخل المخيم، مثل زراعة الخضروات المنزلية أو صناعة الأقمشة، ساهم بشكل ملحوظ في تحسين حالتهن النفسية وتخفيف حدة القلق على مستقبل أطفالهن.
ندوب غير مرئية تهدد الجيل القادم
خلال حديثه لـ “وكالة أنباء أراكان” يقول نور كبير، المروج الصحي لدى منظمة أطباء بلا حدود: “الأطفال شديدو التأثر بالحالة النفسية لأمهاتهم؛ وإذا تُركت الصدمة دون معالجة، فقد يؤدي ذلك إلى مشكلات سلوكية أو صعوبة في بناء علاقات قائمة على الثقة”.
مشدداً على أن دعم الزوج بـ “الإصغاء الفعّال والمساعدة المنزلية” يمكن أن يسرّع “التعافي النفسي للأم” ويخفف من شعورها بالعزلة.
وعندما سُئلت خاتون عن احتياجاتها للتعافي، أجابت: “أحتاج إلى إحساس بالأمان لا يزول، أريد حياة مستقرة يستطيع فيها أطفالي الذهاب إلى المدرسة بحرية، وأن يلعبوا بلا خوف”. ومضت بحسرة: “الأهم من ذلك كله، أريد العدالة والاعتراف بما جرى لنا”.
وبين خيام القماش وهياكل الصفيح في كوكس بازار، تنتظر حطيزة خاتون وآلاف مثلها اعتراف العالم بجرحها، ومنح أطفالها فرصة لنموٍّ لا يسكنه الخوف، في انتظار “قبلة الحياة” التي قد تعيدهم يوماً إلى ديارهم في أراكان بكرامة وعدل.


