شهدت ميانمار تحولا جذريا عقب الانقلاب العسكري عام 2021 دخلت بموجبه حالة من الاضطراب العميق، فبعد أن كانت تسير البلاد نحو تحسن يوصف بـ”النسبي” و “التدريجي”، باتت اليوم تعيش حالة من العزلة وتدهور على المستوى السياسي بل والاقتصادي والاجتماعي.
هذا التحول انعكست آثاره على الحياة اليومية للمواطنين الذين أصبحوا في مرمى الفقر مع تراجع فرص العمل وانهيار القوة الشرائية، ما فتح الباب نحو النزوح وارتفاع معدلات الجريمة والاتجار بالبشر والتهريب، تزامنا مع تدهور الأمن وضعف مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، تسلط “وكالة أنباء أراكان” الضوء على أبرز التغيرات التي طرأت على حياة المواطنين قبل الانقلاب وبعده، وفقا لشهادات مواطنين ونشطاء.
-عزلة وعقوبات-
الناشط الروهينجي ناي سان لوين، يؤكد أن ميانمار خسرت ثقة الشعب والشرعية والعلاقات الدولية منذ الانقلاب، واتسعت الفجوة بين المجلس العسكري والمواطنين في ظل القمع السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ويقول لوين، وهو أحد مؤسسي تحالف “الروهينجا الأحرار” ويقيم في ألمانيا، إن ميانمار شهدت قبل عام 2021 فترة انفتاح سياسي اقتصادي نسبي في ظل حكومة أونغ سان سو تشي، رغم استمرار معاناة الأقليات العرقية، بما فيها الروهينجا.
وتحسنت العلاقات الدولية منذ 2011، مع انفتاح البلاد على الغرب وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة ورفع تدريجي للعقوبات، لكن انقلاب 2021 أعاد ميانمار إلى العزلة الدولية، وفرضت عقوبات جديدة على المجلس العسكري، بينما حافظت العاصمة نايبيداو على علاقات جيدة مع روسيا والصين.
ويبدو أن التأثير الأكبر لهذه العقوبات يقع على المدنيين، مع مغادرة بعض الشركات الأجنبية البلاد، وفقدان العمال ذوي الدخل المحدود وظائفهم.
ويوضح “لوين”، أن الشعب الميانماري رفض بوضوح تدخل الجيش في السياسة، لكن غياب الدعم الدولي حال دون إحداث تغيير فعلي، فالمجلس العسكري لا يبذل أي جهود لتحسين الظروف المعيشية.

-الانقلاب يفاقم المعاناة-
ورغم تدهور العلاقات الدولية لكن الأوضاع الداخلية كانت أكثر سوءا، فقد انقلبت الأحوال المعيشية وبات المواطنون يكافحون من أجل البقاء.
هذا ما كشفه كياو وين، مدرس من بلدة بوسيدونغ، ويقيم حاليا في يانغون، قائلا إن حياته قبل الانقلاب كانت “مستقرة نسبيا”، إذ كان دخله يكفي لتغطية احتياجات أسرته اليومية، حتى خلال فترة جائحة كورونا، لكنها أصبحت “أكثر صعوبة بعد الانقلاب”.
ارتفعت أسعار السلع وتكاليف النقل، ما أثّر على قدرة الأسر على تحمل نفقات التعليم والصحة، وبالتالي تأثر دخل المعلمين، حتى دفعت الأزمة كثيرا من الشباب إلى اعتبار الهجرة الخيار الوحيد بحثا عن الاستقرار.
ويؤيد هذا الرأي، محمد شوبير، المدير التنفيذي لمبادرة بناء السلام والتنمية المجتمعية في أراكان، مؤكدا أن الأوضاع المعيشية في البلاد تدهورت بشكل كبير بعد عام 2021، فارتفعت أسعار السلع الأساسية 4-5 أضعاف رغم بقاء الدخل عند مستوياته السابقة تقريبا.
مضيفا أن جميع القطاعات تأثرت بالأزمة، لكن قطاعي الصحة والتعليم كانا الأكثر تضررا، في وقت بات فيه السكان يواجهون صعوبة في تأمين الغذاء اليومي.
كما اعتبر إلى أن الفقر تفشى، ولم يعد يقتصر على الفئات الفقيرة، بل طال الطبقة المتوسطة التي أصبح أفرادها مضطرون للعمل لتأمين الطعام.
-هروب إلى المجهول-
كان هذا التدهور في المستوى المعيشي كفيلا بأن يصبح المواطنون أكثر عرضة للاحتيال والاتجار بالبشر والعمل القسري وشبكات الجريمة، في ظل غياب فرص العمل القانونية، حسبما قال زارني سو، مؤسس شبكة شباب أراكان للسلام المقيم في الولايات المتحدة.
وأضاف سو، أن الوضع تغير بشكل حاد بعد الانقلاب، إذ تقلصت الطبقة المتوسطة، وبات الشباب والمراهقين الباحثين عن فرص عمل أو الراغبين في مغادرة البلاد، أكثر عرضة للاتجار والاستغلال.
وأشار إلى أنه نتيجة حالة الصراع، توسعت أنشطة التهريب عبر الحدود، بما في ذلك تهريب البشر والمخدرات والوقود والبضائع، نتيجة ضعف سيطرة الدولة على المناطق الحدودية.

-انهيار حقوق المرأة-
ولم تكن النساء بمعزل عن آثار الانقلاب، فبعد “نهضة حيوية” ظهرت خلالها النساء في أدوار قيادية قبل خمسة أعوام، تغير الوضع بشكل جذري بعدها، بحسب ما قالته تشو تشو ماي، ناشطة روهينجية في مجال حقوق المرأة، وتقيم في يانغون.
إذ تعرضت النساء لتجريد ممنهج من الحقوق الأساسية في التعليم والصحة والحريات الاجتماعية –بحسب قولها- إلى جانب تصاعد المخاطر الأمنية وتقييد أي نشاط عام، ما دفع المبادرات النسائية إلى العمل السري.
وأكدت أن شبكات الدعم الاجتماعي التي كانت توفر الحماية والمساندة للمجتمع المدني تم تفكيكها، وتُركت الفئات الضعيفة في مواجهة ظروف معيشية وأمنية قاسية.
ومع هذه الشهادات التي تكشف الآثار المدمرة للانقلاب في ميانمار، تتآكل مظاهر الحياة التي كانت تتجه نحو تحسن نسبي قبل العام 2021، ليصبح تحسن الأحوال مرهونا بتغير الأوضاع السياسية، ويبقى السؤال الجوهري يتردد بقوة، هل ينجح الجنرال مين أونغ هلاينغ، الذي انتخب حديثا رئيسا للبلاد، في إعادة بناء مؤسسات قادرة على تخطي أزمة ميانمار؟ أم سيرسخ وصوله لكرسي الحكم “القبضة العسكرية” ويزداد الضغط على الشعب؟.




