يوليو 21, 2026

من نوبل إلى العزلة.. كيف أعادت الإقامة الجبرية سو تشي إلى دائرة الضوء في ميانمار؟

16 مايو 2026

كتب: تهاني علي

تُعد “أونغ سان سو تشي” واحدة من أكثر الشخصيات السياسية إثارة للانقسام في التاريخ المعاصر لميانمار؛ الزعيمة التي تحولت لعقود إلى رمز عالمي للمقاومة السلمية ضد الحكم العسكري، سرعان ما تراجعت صورتها الدولية بشكل حاد خلال أزمة الروهينجا؛ لتجد نفسها مجددا في عزلة شبه كاملة بعد انقلاب الجيش عليها عام 2021.

واليوم، وبعد أكثر من خمس سنوات على إسقاط حكومتها المنتخبة، عادت قضية “سو تشي” إلى الواجهة مع موافقة هلاينغ رئيس ميانمار، نقلها من السجن إلى ما وصف بـ”إقامة جبرية” في موقع غير معلن.

وهي خطوة يراها مراقبون “مناورة سياسية” من قبل مين أونغ هلاينغ، الزعيم العسكري الذي انتخب رئيسا لميانمار الشهر الماضي، بينما يراها آخرون بداية لنهاية “العزلة المطلقة” للسياسية المخضرمة التي دخلت في العقد الثامن من عمرها.

ابنة مؤسس الدولة الحديثة

ولدت سو تشي عام 1945 بوصفها ابنة الجنرال أونغ سان، الذي يُنظر إليه باعتباره مهندس استقلال ميانمار الحديثة، قبل اغتياله عام 1947.

أمضت سنوات طويلة خارج البلاد، متنقلة بين الهند وبريطانيا، حيث درست في جامعة أكسفورد وتزوجت الباحث البريطاني مايكل أريس.

غير أن عودتها إلى ميانمار عام 1988، لرعاية والدتها المريضة، تزامنت مع اندلاع احتجاجات شعبية واسعة ضد الحكم العسكري، لتدخل سريعا قلب المشهد السياسي.

وفي العام نفسه، شاركت في تأسيس “الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية”، والتي تحولت إلى أبرز قوة معارضة للحكم العسكري، بينما جذبت خطاباتها الجماهيرية في مدينة “يانغون” اهتماما دوليا واسعا.

ورغم فوز حزبها الساحق في انتخابات 1990، رفض الجيش الاعتراف بالنتائج، ووُضعت “سو تشي” قيد الإقامة الجبرية لسنوات طويلة متقطعة بلغت نحو 15 عاما بين 1989 و2010.

وخلال تلك الفترة تحولت إلى أيقونة عالمية للديمقراطية، وحصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1991.

من نوبل إلى العزلة.. كيف أعادت الإقامة الجبرية سو تشي إلى دائرة الضوء في ميانمار؟
سو تشي وعمرها سنتين مع والدها بطل تحرير بورما الجنرال أونغ سان (صورة: بي بي سي)

من المعارضة إلى الحكم

بدأت مرحلة الانفتاح السياسي التدريجي في ميانمار عام 2011، ما سمح لـ”سو تشي” بالخروج من العزلة السياسية والعودة إلى العمل العلني.

وفي انتخابات 2015، حقق حزبها فوزا كاسحا ليشكل الحكومة المدنية الأولى منذ عقود، لكن الدستور الذي صاغه الجيش منعها من تولي الرئاسة بسبب حمل أبنائها جنسية أجنبية، فاستحدث البرلمان منصب “مستشارة الدولة” لتصبح الحاكم الفعلي للبلاد.

ورغم التحول السياسي، احتفظ الجيش بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة، إذ ضمن الدستور للعسكريين ربع مقاعد البرلمان، إضافة إلى السيطرة على وزارات سيادية مثل الدفاع والداخلية والحدود.

ويرى مراقبون أن تلك الصيغة خلقت “شراكة هشة” بين الحكومة المدنية والمؤسسة العسكرية، انتهت لاحقا بالصدام الكامل.

أزمة الروهينجا والتحول الدولي

شكّلت أزمة الروهينجا عام 2017 نقطة التحول الأكثر حساسية في مسيرة “سو تشي” الدولية.

فبعد العمليات العسكرية الواسعة التي شنها جيش ميانمار في “ولاية أراكان”، التي دفعت مئات الآلاف من الروهينجا إلى الفرار نحو بنغلاديش، واجهت حكومتها انتقادات حادة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، التي تحدثت عن انتهاكات جسيمة وعمليات تهجير واسعة.

وفي عام 2019، مثلت “سو تشي” أمام محكمة العدل الدولية للدفاع عن ميانمار في القضية المتعلقة باتهامات الإبادة الجماعية المقدمة ضد الدولة. هذا الموقف أدى إلى تراجع مكانتها كرمز حقوقي عالمي، ودفع عددا من المؤسسات الدولية إلى سحب جوائز وتكريمات سبق أن مُنحت لها.

لكن في المقابل، عزز موقفها شعبيتها لدى قطاعات قومية واسعة داخل ميانمار، التي رأت فيها مدافعة عن سيادة البلاد في مواجهة الضغوط الخارجية.

من نوبل إلى العزلة.. كيف أعادت الإقامة الجبرية سو تشي إلى دائرة الضوء في ميانمار؟
سو تشي في محكمة العدل الدولية 2019 ( صورة: فرانس 24)

انقلاب 2021 والحرب الأهلية

أطاح الجيش بقيادة “مين أونغ هلاينغ” بالحكومة المدنية، قبل ساعات من انعقاد البرلمان الجديد، متهما حزب “سو تشي” بتزوير الانتخابات التي فازت بها مجددا في 2020.

ومنذ ذلك اليوم، اختفت “سو تشي” عن الأنظار، وبدأت سلسلة طويلة من المحاكمات المغلقة، شملت اتهامات تتعلق بالفساد وانتهاك قانون الأسرار الرسمية ومخالفات انتخابية وحيازة أجهزة اتصال غير مرخصة.

ووصفت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية تلك المحاكمات بأنها تفتقر إلى معايير العدالة والاستقلال القضائي، معتبرة أنها تهدف إلى إقصاء سو تشي سياسيا ومنع عودتها إلى الحياة العامة.

وبحلول نهاية 2022، بلغ مجموع أحكام السجن الصادرة بحقها 33 عاما، قبل تخفيضها لاحقا عبر عدة “قرارات عفو” إلى نحو 18 عاما.

في الوقت نفسه، انزلقت ميانمار إلى صراع داخلي واسع، إذ تحولت الاحتجاجات الشعبية ضد الانقلاب إلى تمرد مسلح في عدة مناطق، بينما توسعت سيطرة جماعات المقاومة المسلحة والتحالفات العرقية المناهضة للمجلس العسكري.

ووفق تقارير الأمم المتحدة، أدى النزاع منذ الانقلاب إلى مقتل آلاف المدنيين ونزوح أكثر من 3.6 مليون شخص داخل ميانمار، بينما تستضيف بنغلاديش نحو 1.2 مليون لاجئ روهينجي فروا خلال موجات النزوح المتعاقبة منذ العام 2017.

غموض “الإقامة الجبرية”

في أبريل 2026، أعلن الإعلام الرسمي في ميانمار نقل سو تشي إلى “مكان إقامة مخصص” بدلا من السجن، خطوة قدمت رسميا بأنها إجراء مرتبط بوضعها الصحي.

لكن السلطات لم تكشف الموقع الدقيق الذي نُقلت إليه، كما لم تؤكد ما إذا كانت الإقامة الجبرية الجديدة تسمح لها بالتواصل مع عائلتها أو محاميها.

وأعلن فريقها القانوني لاحقا أنها ما تزال موجودة في “نايبيداو”، بينما تحدثت تقارير محلية معارضة للمجلس العسكري عن استمرار فرض قيود مشددة على تحركاتها واتصالاتها.

وفي ظل التعتيم المستمر، تصاعدت مخاوف عائلتها بشأن وضعها الصحي. وأكد نجلها “كيم أريس” في تصريحات نقلتها وسائل إعلام دولية، عدم امتلاكه “دليلا مستقلا على الحياة”، معربا عن قلقه من تدهور حالتها الصحية وصعوبة حصولها على الرعاية الطبية المناسبة.

وأضاف أن الاتصالات القليلة التي وصلت عبر قنوات رسمية كانت محدودة وتخضع لرقابة شديدة، بينما لم يسمح له أو لمحاميها بزيارتها لفترات طويلة.

وتواصل الأمم المتحدة ودول غربية ودول في رابطة دول جنوب شرق أسيا (آسيان)، المطالبة بالإفراج عنها وعن بقية المعتقلين السياسيين، معتبرة أن أي عملية سياسية في ميانمار ستظل محدودة المصداقية ما لم تشمل حوارا حقيقيا مع القوى المدنية المعارضة.

من نوبل إلى العزلة.. كيف أعادت الإقامة الجبرية سو تشي إلى دائرة الضوء في ميانمار؟
زعيمة ميانمار السابقة عام 2012 (صورة: الجزيرة)

رمز سياسي في بلد يتغير

وبعد سنوات من الانقلاب، تبدو صورة سو تشي أكثر تعقيدا من أي وقت مضى. فبالنسبة إلى أنصارها، لا تزال تمثل رمزا للحكم المدني في مواجهة المؤسسة العسكرية، بينما يرى منتقدوها أن سجلها السياسي، خصوصا في ملف الروهينجا، ترك ندوبا عميقة في إرثها الحقوقي.

لكن رغم هذا الجدل، ظلت شخصية محورية في مستقبل ميانمار السياسي، في وقت تعيش فيه البلاد واحدة من أعقد أزماتها منذ الاستقلال، بين سلطة عسكرية بثوب مدني تواجه عزلة دولية متزايدة، وحرب أهلية مفتوحة، ومعارضة مسلحة ومدنية تسعى لإعادة رسم شكل الدولة.

ولا شك يبقى مصير سو تشي مرتبطا إلى حد بعيد بمآلات الصراع الدائر في ميانمار، وبقدرة القوى المدنية والعسكرية على رسم شكل التسوية السياسية المستقبلية.

المصادر: (وكالة رويترز، بي بي سي، الجزيرة، تقارير الأمم المتحدة، منظمة العفو الدولية، هيومن رايتس، ميانمار ناو، إيراودي)

شارك
×