بين أزقة مخيمات الروهينجا في بنغلاديش، لم يعد الخوف يقتصر على قسوة اللجوء، بل امتد ليشمل الأطفال مع تزايد حوادث الاختطاف داخل مخيمات كوكس بازار.
وفي ظل بيئة “غير آمنة” وضعف أنظمة الحماية، أصبح خروج أو تنقل الأطفال محفوفا بالمخاطر، خاصة مع وقوع بعضهم ضحايا للاختطاف، قبل عودتهم وهم يحملون آثار الضرب والتعذيب، وفقا لشهادات الناجين.
وبحسب أرقام رسمية، شهدت مخيمات الروهينجا تصاعدا ملحوظا في هذه الحوادث بعد تسجيل 176 حالة اختطاف موثقة بالربع الأول عام 2025، مقارنة بـ 152 حالة للفترة نفسها من العام 2024.
-يومان في قبضة الخاطفين-
الطفل محمد يوشع (15 عاما)، يقيم بالمخيم رقم 15، روى قصة اختطافه التي وقعت مساء 13 ديسمبر 2025 أثناء توجهه لحضور أحد التجمعات.
قال إن شخصا مجهولا استدرجه بحجة أن عمه ينادي عليه وبالفعل ذهب معه، قبل أن يجبره على ركوب سيارة أجرة من نوع “توك توك” ويرشه بمادة أفقدته الوعي.
وفي حديثه لوكالة أنباء أراكان، أكد محمد احتجازه ليومين، تعرض خلالهما للضرب والتهديد بالقتل إذا لم يدفع والده المال للخاطفين، مشيرا إلى أنه لم يحصل على أي طعام طوال فترة الاحتجاز.
وأطلق سراح “يوشع” بعد دفع الفدية، بينما امتنعت أسرته عن إبلاغ الشرطة أثناء عملية الاختطاف خوفا من تنفيذ تهديدات الخاطفين، قبل إبلاغ السلطات لاحقا، عقب عملية الإفراج عنه.

-طفلة ومأساة مريرة-
أما تجربة الطفلة رخسانة (13 عاما)، الطالبة في الصف الخامس، كانت أكثر قسوة بعد تعرضها لعملية اختطاف استمرت 3 أيام، تعرضت خلالها لـ”التعذيب والاغتصاب” قبل تسليمها لوالدتها مقابل فدية.
قصة اختطافها، بدأت في 28 مارس الماضي، عندما كانت تزور جدها، حيث استدرجتها امرأة مسنة تستقل سيارة أجرة برفقة طفل صغير، وأقنعتها بمرافقتهم قبل تخديرها وفقدانها للوعي.
وتابعت: “استيقطت لاحقا لأجد نفسي داخل مخبأ جبلي تحت حراسة 6-7 بحوزتهم أسلحة بيضاء ونارية”، وتعرضت للضرب المبرح والحرق في الوجه باستخدام “ولاعة” كوسيلة للضغط على عائلتها لتسريع دفع الفدية.
ووفقا لشهادة “رخسانة”، تعرضت أيضا للاغتصاب خلال فترة الاختطاف وهو ما أكده تقرير طبي صادر عن منظمة أطباء بلا حدود.
أشارت إلى أن الخاطفين استخدموا هاتفها الشخصي للتواصل مع والدتها والمطالبة بدفع فدية 200 ألف تاكا بنغلاديشي (1635 دولار تقريبا)، لكن والدتها نجحت في تدبير 40 ألفا فقط (627 دولارا تقريبا) واستلمه الخاطفون قبل إطلاق سراحها.

-الأم في مواجهة الخاطفين-
أما والدتها محسنة، (28 عاما) المقيمة في مخيم 14، قالت إن الاتصال بطفلتها انقطع بعد مغادرتها المنزل، قبل تواصل الخاطفين معها لاحقا باستخدام هاتف ابنتها، مهددين بـ”ذبحها” إذا لم يتم دفع الفدية.
وأوضحت الأم أنها سمعت بكاء وصراخ ابنتها عبر الهاتف، فيما أصر الخاطفون على بيع مأواها لتأمين المبلغ المطلوب.
وبحسب روايتها، لجأت إلى قادة المخيم ومكتب الشؤون القانونية وقدمت تسجيلات للمكالمات كأدلة، إلا أن الخوف على حياة ابنتها دفعها إلى التفاوض المباشر مع الخاطفين.
وتمكنت من جمع مبلغ الفدية عبر الاستدانة من شقيقتها وجيرانها، وتلقت تعليمات بالتوجه إلى منطقة جبلية وسلمت المال لأحد الخاطفين، ثم أُطلق سراح ابنتها.
وأكدت محسنة، أن ابنتها خضعت لاحقا لفحوصات طبية بإشراف (يونيسف) وأطباء بلا حدود، بعد تعرضها لحروق وإصابات جسدية، فيما نُقلت القضية إلى الجهات القانونية ومحكمة كوكس بازار، رغم عدم معرفة هوية الخاطفين.

-أطفال بلا حماية-

وفي هذا السياق، قال الحقوقي والباحث المتخصص في لغة الروهينجا، توفيق المحسن، إن ظاهرة الاختطاف تحدث “بشكل يومي”، مؤكدا أن أطفالا من عائلته ومن الحي الذي يعيش فيه تعرضوا لهذه الحوادث.
وأوضح أن مخيمات اللاجئين تُعد من “أكثر الأماكن غير الآمنة للأطفال”، بسبب افتقارها إلى المساحات الآمنة، وسوء التغذية، وغياب التوجيه، والحرمان من الحقوق الأساسية.
وأضاف أن مسؤولية حماية الأطفال باتت عبئا كبيرا على الأسر، مع غياب أنظمة حماية مناسبة داخل المخيمات.
وانتقد أداء سلطات المخيم والمنظمات غير الحكومية والدولية العاملة في مجال حماية الأطفال، باعتبارها “فشلت في معالجة الأسباب الجذرية لجرائم الاختطاف”، ولم توفر الحماية الكافية للأطفال.
وفي ضوء هذه الشهادات، وتصاعد الانتقادات مع غياب الحماية، تبقى أسر الروهينجا في حالة من الخوف والقلق الدائم، مع استمرار هذه الظاهرة وما يرافقها من عنف وابتزاز، الأمر الذي يشير إلى ضرورة التحرك العاجل لتوفير الحماية للأطفال داخل مجتمع “هش” يعاني في الأساس من تداعيات اللجوء وحالة عدم الاستقرار.




