وكالة أنباء أراكان | خاص
كتب: محمد المسلمي
تبدو ماليزيا في أعين كثير من الروهينجا محطة أمل بعد سنوات من مرارة اللجوء، لاعتقادهم فيها فرصة أفضل للحياة، لكنهم يصطدمون بواقع ربما لا يقل عن القسوة والاضطهاد في ميانمار، أو حتى حياة اللاجئين بالمخيمات.
وبين نظرة هؤلاء التي تراها ملاذا آمنا، يواجه الكثيرون منهم ظروف قاسية بسبب غياب الاعتراف القانوني، إذ يواجهون تمييزا منهجيا ويتعرضون للاعتقال والاستغلال، ليجدوا أنفسهم مجددا في مرمى المعاناة التي لم تتخلَ عنهم في رحلة اللجوء.
هذا ما كشفته شهادات الروهينجا عن “الواقع المؤلم” الذي يعيشونه في ماليزيا، مع عدم اعتراف حكومي بوضعهم كـ”لاجئين”.
وبحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يتجاوز عدد الروهينجا في ماليزيا 126 ألفا، يشكل الأطفال نحو 25% منهم، فيما لا يزال أكثر من 5 آلاف محتجزين داخل مراكز احتجاز.
خوف وانعدام الاستقرار

في هذا السياق، قال اللاجئ الروهنجي محمد إسماعيل (26 عاما)، إنه رغم فراره من العنف في ميانمار إلى بنغلاديش لم يكن الوضع أفضل، فلا فرص حقيقية للتعليم أو رعاية صحية، حتى راودته فكرة القدوم إلى ماليزيا، بحثا عن حياة أفضل.
واصطدم بواقع أكثر تعقيدا خاصة للاجئين غير الموثقين، فالحياة مليئة بالخوف وعدم الاستقرار، مع غياب الوضع القانوني الذي يحرمهم من العمل والرعاية الصحية، مثلها مثل بنغلاديش التي تركت.
وفي حديثه لوكالة أنباء أراكان، بيّن “إسماعيل”، أن اللاجئين يعيشون قلقا دائم إذ يواجهون خطر الاحتجاز، والاستغلال في سوق العمل غير الرسمي.
حيث يعملون في البناء وأعمال شاقة، ويتقاضون أجورا أقل من الحد الأدنى 1700 رينغيت ماليزي (قرابة 430 دولارا) دون وجود آلية قانونية تثبت حقوقهم.
وتابع بقوله: “الدعم الإنساني غائب مقارنة بمخيمات بنغلاديش، حتى في حالات الوفاة يتحمل اللاجئون تكاليف الدفن”، معربا عن أمله في العودة إلى أراكان، شريطة حصول الروهينجا على “حقوقهم الكاملة”.
هروب من الجحيم للمجهول
ولم يختلف الوضع بالنسبة للشاب ق.ب (27 عاما) الذي فر من منغدو بولاية أراكان، بعد مصادرة جماعات مسلحة لمتجره بالقوة، ليتجه إلى ماليزيا عام 2024.
وأضاف الشاب الذي اكتفى بنشر الأحرف الأولى من اسمه ولقبه لوكالة أنباء أراكان، بأنه لم يتوجه إلى بنغلاديش بسبب تشديد القيود على الحدود، مع وجود “تساهل” تجاه المغادرين إلى ماليزيا، ما اعتبرها فرصة النجاة.
وفي وصفه لحياته هناك، أوضح أنه يعيش في “أوضاع قاسية” فقد تحول من صاحب عمل إلى عامل، بالكاد يؤمن قوت يومه في ظل غياب أي “اعتراف قانوني”، وحرمانه من الخدمات الأساسية.

ومضى بقوله: “رغم الظروف القاسية، لكن أقسى ما واجهته كان عدم قدرتي على حضور جنازة والدي”، فيما يصف فاجعته بنبرة مليئة بالحزن.
وأشار إلى فقدانه الأمل في العودة إلى ميانمار مع استمرار العنف، مؤكدا أن وضعه في ماليزيا لا يقل غموضا، حيث يخشى التوقيف والترحيل القسري.
لافتا إلى انتظاره “غير المحسوم” لنيل فرصة للذهاب إلى بلد ثالث يحترم إنسانيته، واصفا تشابه “مرارة العيش” في ميانمار وماليزيا.
حياة بين الخوف والأمل
نفس الحال يعيشه اللاجئ الروهنجي جعفر علم سيد، حيث يواجه أوضاعا غير مستقرة رغم اعتبارها “ملاذ نسبي” مقارنة بمخيمات بنغلاديش.
ورأى أن ماليزيا تمنح اللاجئين فرصة “لالتقاط الأنفاس”، رغم عدم الاعتراف القانوني بهم، فيما لخص حياتهم اليومية، بأنها تمزج بين الخوف والأمل، كونهم يتجنبون الاحتكاك بالسلطات خوفا من الاعتقال، سواء كانوا يحملون بطاقات لجوء أم لا.
وبحسب “سيد”، فإن “اللا وجود القانوني” يمثل التحدي الأكبر، باعتباره ينعكس على صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والعمل.
وقال إن العودة إلى ميانمار تبقى حلما مؤجلا، متمنيا الحصول على اعتراف قانوني من ماليزيا، يتيح له ولغيره العيش بكرامة، بعيدا عن الخوف.
غياب الاعتراف
الباحث الروهنجي محمد إسلام، مؤسس شبكة أبحاث منع الإبادة الجماعية للروهينجا، يرى أن عدم توقيع ماليزيا اتفاقية اللاجئين لعام 1951، أخضع الروهينجا لقوانين الهجرة المحلية بدلا من الاعتراف بهم كلاجئين دوليا.
وأضاف أن عدم منح الروهينجا صفة لاجئ بشكل رسمي يؤدي إلى تهميش ممنهج، وهذا الوضع يحرمهم من الحقوق ويعكس قصورا في معالجة المسؤوليات القانونية والسياسية تجاههم.

وبحسب “إسلام”، فإن غياب الوضع القانوني ينعكس على الاستقرار النفسي والاجتماعي، فقيود الحركة وغياب التمثيل الرسمي، يزيدان عزلة المجتمع ويضعفان تماسكه، وهو ما أكده الناشط الحقوقي الروهنجي محمد رفيق، مع حرمان الروهينجا من التعليم والرعاية الصحية.
استغلال في أعمال شاقة
وأشار “إسلام” و”رفيق” إلى أن الروهينجا مجبرون على سوق العمل غير الرسمي، ويواجهون الاستغلال والأجور المتدنية دون حماية قانونية، ما يفاقم من انعدام الأمان المالي.
وحذّرا من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى إقصاء طويل الأمد، خاصة وأن بعض الروهينجا يعيشون في ماليزيا منذ أكثر من 20 عاما، ما يعمّق الفجوة الاجتماعية ويزيد التهميش.
مخاوف من نظام تسجيل جديد
ورغم كل الصعوبات، إلا أن السلطات الماليزية أطلقت نظاما جديدا لتسجيل اللاجئين مطلع عام 2026 يُعرف بـ”وثيقة تسجيل اللاجئين”، والذي أثار مخاوف منظمات حقوقية دولية.
ويهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات مركزية عبر جمع معلومات شخصية وبيومترية، ليحل محل آلية التسجيل التي تديرها مفوضية اللاجئين، وتزامن إطلاقه مع تصاعد حملات إنفاذ قوانين الهجرة.
وأعربت منظمة “هيومن رايتس ووتش” عن قلقها من النظام لافتقاره الضمانات الكافية لحماية بيانات اللاجئين، ويثير المخاوف من الاعتقال والاحتجاز والترحيل، في ظل غياب إطار قانوني يعترف بوضعهم.
ورغم التصريحات الحكومية بأن النظام سيقتصر على دور المفوضية بإعادة التوطين مع منح إقامة مؤقتة لمن يتم التحقق من وضعهم، لكن المنظمة شككت في مدى الالتزام بالمعايير الدولية، داعية إلى تعليق العمل بالنظام مؤقتا لحين توفير إطار قانوني واضح.
مع كل ما تقدم، يتطلب معالجة ملف الروهينجا دون تردد، إنهاء سلاسل “السجن الماليزي الكبير للروهينجا”.
كما أن التصحيح يتطلب ما هو أكثر من مجرد تسجيل البيانات؛ دون تسويف يتطلب اعترافا صريحا بإنسانيتهم، ومنحهم الحق في العمل والأمان والعيش بكرامة بعيدا عن كابوس الترحيل، فهم ينشدون أدنى مراتب الأمان الذي تركوه في موطنهم الأصلي أراكان، الذي يمتد إلى محطات اللجوء القسري.



