وكالة أنباء أراكان ANA | متابعات
تمكن الجمهور الذي قصد مسرح عز الدين مجوبي بعنابة، أول أمس، من متابعة فيلم وثائقي يقف على الواقع المر ومعاناة الروهنغيا في ميانمار، حيث عرض المخرج الفرنسي «بربات شرودر» إنتاجه الذي أنجزه، السنة الماضية، ويحمل عنوان «المبجل ف»، فحين تكشف عدسة الكاميرا جرائم في حق الإنسانية دليل على أن في العالم وعي رغم عنف الرجال وقساوة جهات تعد درجات المجد بنسج خطط للغير حتى يبقى تعيسا، وتضمن سعادتها على شقائه.
هي رحلة الفن السابع أرادها المخرج الفرنسي وقفة تنديد واستنكار بما تلاقيه أقلية «الرهنغيا » في ميانمار رغم أن سدة الحكم تسيّر مقودها امرأة اعتبرها العالم رمزا من رموز السلام، وتوجت بجائزة «نوبل» على مواقفها الشجاعة والمناهضة لكل أشكال الاستغلال والعنصرية.
انتقد «شرودر» بطريقة غير مباشرة «أونغ سان سوتشي» على سكوتها الذي وصفه بالتواطؤ مع تلك القوات التي أبادت أبرياء على مرآها ولم تتحرك ساكنا. انتقل إلى مدينة «ماندلاي» رغم المخاطر وتمكن بكاميرا صغيرة الحجم من تصوير بعض مشاهد المأساة كوجه خفي لعالم السرعة والتكنولوجيا، قبل أن تتخل الفيلم لحظات سكون وأمان في صورة بعض الرجال الذين يدعون إلى الاستقرار والسلام-حتى وإن كانوا ينتمون إلى الأغلبية البوذية التي أعلنت الحرب على الروهنغيا – قبل أن تواجه عدسة الكاميرا زعيم البوذيين الميانماريين «أشين ويراتو» أحد الذين ساهموا في إشعال نيران الفتنة بأفكاره الشعبوية المقدسة للأصول البوذية ولو على سعادة الروهنغيا .
حملت الطبعة الثالثة لمهرجان الفيلم المتوسطي بعنابة هذا العام شعار «السلام» فكان الفيلم الوثائقي لباربت شرودر في نفس السياق، يذكر في مضمونه إنتاجا أخرا لصاحبه «نيكولا كولتز» بعنوان «حاملت في فلسطين» كون الأمن ودعاته يصارعون أمام جبهة العنف والقتال، وتجسيده يتطلب وقتا وتضحيات.
تحدث المخرج الفرنسي بعد العرض للجمهور وناقش معه خلفيات هذا الإنتاج الذي يشاركه به في المنافسة الرسمية، فكشف عن الأسباب التي دفعته إلى تجسيد هذا المشروع والاهتمام بالأقلية المسلمة الروهينغية في ميانمار، ليصرح قائلا «اطلعت على تقرير بجامعة «يال» الأمريكية حول إبادة جماعية ستشهدها منطقة من مناطق العالم، وطلبت معلومات عن من سيتورط فيها فقيل لي إن البوذيين سيتورطون فيها، وبالتحديد حركة بوذية متطرفة تسعى إلى المحافظة على ديانتها وأصلها، بعد ستة أشهر من التحقيقات تمكنت من التنقل إلى عين المكان بسرية تامة محاولا فهم الصراع وتفكير هؤلاء.»
عن الحيز الذي خصصه في فيلمه لصاحبة «نوبل» للسلام عام 1991 «أونغ سان سوتشي» والتي أعاب عليها البعض سكوتها أمام ما يعانيه الروهنغيا في ميانمار، قصف شرودر بالثقيل على الناطقة الرسمية للرئاسة حاليا، ليضيف قائلا « لم أخصص لها حيزا كبيرا في هذا الفيلم الوثائقي، لأنها لم تشارك مباشرة في الأحداث، بل لم تتحرك لتفاديها. لم تتدخل لمساندة أو معارضة الروهنغيا . بكل بساطة لها تفكير بوذي وهي في صفهم، إنها سجينة الجيش الميانماري، فحتى وإن وصلت الحكم إلا أن الجيش يسيطر على الشرطة والحدود ولا تملك حلولا أخرى لوضع حد للأعمال المشينة لهؤلاء، من تطهير عرقي، وحرق للقرى وارتكاب مجازر في حق الروهنغيا . كل هذا لا يمنعني من اعتبارها مسؤولة على هذه الإبادة، تملك فرقة استعلامات، وقالت أمور لا تشرفها -كمتحصلة على نوبل للسلام- على موقعها الرسمي في الأنترنت، حين تتهم «الروهنغيا » بحرق منازلهم فهذا تصرف مجرمة وأصنفها شخصيا ضمن الإباديين. ستجد نفسها يوما أمام العدالة مثلما كان الأمر بالأمس للصرب في كوسوفو. ستطالب يوما بتقديم حسابات.» وعد باربت شرودر بالعودة لتقديم فيلمه في مواعيد سينمائية أخرى في الجزائر، وكانت للجمهور العنابي فرصة اللقاء بصاحب فيلمي «الجنرال ادي أمين دادا: البورتري» الذي أخرجه عام 1974، و» محامي الوحشية» الذي أنجزه سنة 2007.
تخليد لروح الأديب والباحث «مولود معمري»
ارتأى منظمو مهرجان الفيلم المتوسطي بعنابة، وعلى رأسهم المحافظ السعيد ولد خليفة تنظيم وقفة تكريمية لروح الباحث والأديب «دّا لمولوذ» تزامنا مع الذكرى الـ 29 لوفاته، حيث حضر المخرج أحمد راشدي الذي تعامل مع الراحل في المجال السينمائي مرتين، وكانت المرة الأولى، حين عرض على صاحب رائعة «النعاس العادل» كتابة سيناريو الفيلم الوثائقي «فجر المعذبين» عام 1965 فتجاوب الأسلوب الراقي لـ «معمري» مع الصور التي التقطتها عدسة كاميرا نور الدين قنيفي في وثيقة مصورة اعتبرها النقاد تحية الجزائر لكل الشعوب المناضلة ضد الاستعمار.
في ساعة و45 دقيقة، قدم الفيلم صورا عن جزائر تخطو الخطوات الأولى في التنمية بعد انتزاع الاستقلال بتضحيات رجال ونساء وفي ثورة باتت مرجعا للشعوب المكافحة من أجل استعادة سيادتها. وتمت برمجة فيلم «الربوة المنسية» للمرحوم عبد الرحمان بوقرموح، أمس، الوثيقة السينمائية التي كان وعدا من إبن بجاية لمعمري في حياته، ورغم العراقيل التي كادت أن تبخر الحلم تم إنجاز الفيلم بتجند القرى واحترافية بوقرموح، الذي تمكن من اقتباس رواية صديقه إلى السينما موقعا بذلك شهادة ميلاد الفن السابع الناطق بالأمازيغية. النص الأدبي اكتشفه القراء لأول مرة في 1952، والفيلم السينمائي بسيناريو كتبه عبد السلام عبد النور -أحد تلامذة معمري- رأى النور في 1994.
اختتام الطبعة الثالثة لمهرجان الفيلم المتوسطي مرتقبة مساء اليوم بداية من الخامسة ونصف مساء، حيث ستكشف لجنة التحكيم برئاسة المخرج الفرنسي «جاك فيشي» -إلى جانب جيلالي بسكري، صونيا شمخي، أليخاندرو إيزكيردو، ومشيرة فاروق- عن الفيلم المتوج بجائزة «العناب الذهبي» ومن يخلف الفائز بالطبعة السابقة الجزائري سالم ابراهيمي بفيلمه «الان بإمكانهم المجيء».



