الرهانات الخفية في ممر أراكان: مساعدات إنسانية أم توغل استراتيجي؟

لاجئون من الروهينجا بمخيمات كوكس بازار يحتشدون انتظارا لوصول الأمين العام للأمم المتحدة (صورة: ANA)
شارك

تسعى الأمم المتحدة إلى إنشاء ممر إنساني لسكان ولاية أراكان الذين يواجهون مجاعة حادة، ويهدف هذا المشروع إلى تحسين إيصال المساعدات الإنسانية للفئات الضعيفة في المناطق التي تسيطر عليها كل من جيش ميانمار وجيش أراكان (الانفصالي).

بجانب الأمم المتحدة، تسعى الولايات المتحدة بفعالية إلى إنشاء هذا الممر الإنساني إلى داخل ميانمار، على خلفية تفاقم الأزمة الإنسانية، ومن منطلق سعيها لتعزيز نفوذها في المنطقة.

ولكسب السيطرة الجيوسياسية في المنطقة، لعبت الولايات المتحدة دوراً دبلوماسياً كبيراً على مر السنوات، ويُعتقد أنها تستخدم اقتراح الممر الإنساني كغطاء لتنفيذ قانون “بورما الموحدة عبر المحاسبة العسكرية الصارمة” الصادر عام 2022، الذي يسمح للحكومة الأمريكية بالضغط على مجلس ميانمار العسكري  من خلال العقوبات ودعم الديمقراطية وتقديم المساعدات الإنسانية، تحت شعار تعزيز حقوق الإنسان، ومع ذلك فإن التركيز الفعلي للولايات الأمريكي على الأرجح يتمثل في تعزيز نفوذها في جنوب شرق آسيا، في مواجهة التوسع الاستراتيجي الصيني.

اللاعبون الإقليميون
تعتبر كل من الصين والهند المنطقة، وبشكل خاص ولاية أركان وخليج البنغال، ذات أهمية استراتيجية قصوى، وتشمل مبادرة الحزام والطريق الصينية مشاريع بنية تحتية كبيرة في أراكان، مثل ميناء كياوكفيو، وبرغم أن الغرض المعلن من الممر إنساني، إلا أن الصين قد تعتبره منفذاً خفياً للقوى الغربية للوصول إلى منطقة ذات أهمية استراتيجية.

ورغم أن مشاركة الأمم المتحدة تستند إلى القانون الدولي والمبادئ الإنسانية، إلا أنها تعني ضمنياً دعماً للجهود الأمريكية والغربية لفتح الداخل الميانماري أمام المراقبة الخارجية والوصول، ويعتقد محللون أن المبادرة الأمريكية تُعد ثقلاً استراتيجياً مضاداً للتقارب المتزايد بين ميانمار من جهة، وكل من الصين وروسيا من جهة أخرى، وهي أداة ناعمة لكسب قلوب وعقول الشعب الميانماري.

بوابة المساعدات عبر بنغلادش
يمر الممر الإنساني المقترح إلى ولاية أراكان عبر بنغلادش، وتشير تقارير عديدة إلى أن الصراع المستمر والقيود العسكرية جعلت مناطق كثيرة في ميانمار غير قابلة للوصول، لذا تم اختيار بنغلادش كممر عملي لقوافل المساعدات، لكن مسؤولين سياسيين ومواطنين بنغاليين يرون أن الحكومة المؤقتة الحالية في بنغلادش قد دعت الولايات المتحدة والأمم المتحدة، أو أبدت اهتماماً سريعاً بإنشاء هذا الممر، مقابل ضمانات أمريكية للإبقاء على النظام الحاكم.

وقد أشار سياسيون بارزون إلى أن الولايات المتحدة تسعى منذ سنوات للوصول إلى خليج البنغال، ويرى البعض أن التغيير السياسي في بنغلادش قد تم بالتوافق مع المصالح الأمريكية لضمان الهيمنة الإقليمية.

عسكرة الممر ومخاطر أمنية
في الواقع، يطرح المشروع الأمريكي والأممي عدة مخاوف أمنية معقدة، تتضمن تهديدًا مباشرًا لسيادة كل من بنغلادش وميانمار، ويخشى كثيرون أن يتم استخدام المساعدات الإنسانية كذريعة للتأثير الأجنبي، وأن يتحول هذا الممر إلى قناة لوجستية عسكرية أو استخباراتية.

من المرجح أن يشمل الممر استخدام النقل البري والنهري بين تكناف البنغالية ومونغدو في أراكان التي يسيطر عليها جيش أراكان، فيما اتهمت ميانمار أن الممر الإنساني قد يُختطف أو يُستغل من قبل جيش أراكان لتهريب الأسلحة والمعدات الطبية وأجهزة الاتصال تحت غطاء المساعدات، كما قد يفرض جيش أراكان سيطرته على توزيع المساعدات بهدف تعزيز شرعيته بين السكان المحليين.

علاقة ARSA المعقدة
العلاقة بين جيش تحرير الروهينجا في أراكان (ARSA) وبنغلادش ومجتمع الروهينجا، ترتبط بمخاوف أمنية وديناميكيات اللجوء وتفاعلات جيوسياسية إقليمية، ورغم أن (ARSA) يزعم الدفاع عن حقوق الروهينجا، فإن أنشطته زادت من تهديد سلامتهم وأثقلت كاهل موقف بنغلادش الداخلي والدبلوماسي.

وبرغم عدم الدعم الرسمي له من جانب اللاجئين أو حكومة بنغلادش، إلا أنه ورد أنه ينشط داخل مخيمات اللاجئين في كوكس بازار. ويُتهم بتجنيد الأعضاء من المخيمات، وإدارة شبكات ابتزاز وتهريب أسلحة، وقتل القادة الروهينجا المعارضين له.

السيادة في خطر
رغم أن الأمم المتحدة تقترح هذا الممر لأغراض إنسانية عاجلة، فإن السماح لممر تديره جهات أجنبية قد يتيح للقوى الدولية العمل داخل أراضي بنغلادش، خاصة في مناطق تكناف وكوكس بازار، مما قد يُحدث سابقة لتدخلات مستقبلية تتجاوز المساعدات الإنسانية، وتشكل خطراً كبيراً على السيادة.

وإذا تم عسكرة الممر بمرافقة مسلحة أو قوات حماية أجنبية أو فصائل غير حكومية، فإن بنغلادش قد تفقد السيطرة على الوضع الأمني في المناطق الحدودية، والمشاركة غير المخططة في صراع ميانمار قد تهدد السيادة بشكل مباشر، ويجب على بنغلادش حماية جنودها ومدنييها دون التضحية بمصالحهم لصالح جهات خارجية.

وقد يتحول الممر، إذا خضع لمراقبة دولية مكثفة أو تنظيم خارجي، إلى منطقة شبه دولية داخل بنغلادش تعمل خارج سيطرة الحكومة المركزية، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تآكل تدريجي للسيادة.

وفيما يخص لاجئي الروهينجا، قد يصبح هذا الممر طريقاً غير رسمي لتدفق أكبر، بدلاً من أن يكون وسيلة للمساعدات العابرة فقط، وقد تستخدم القوى الخارجية هذا الممر كأداة ضغط دبلوماسي على بنغلادش، خاصة فيما يتعلق بسياسات الأمن، وحقوق الروهينجا، وتحالفاتها مع الدول الغربية.

وفي النهاية، فإن تدهور العلاقات الثنائية مع ميانمار قد يزعزع استقرار مخيمات اللاجئين ويهدد الأمن القومي، لا سيما في محور تكناف – أوخيا، الضعيف أصلاً. وهناك مخاوف من أن يضفي هذا الطريق شرعية على بقاء اللاجئين لفترة غير محدودة، وهو ما يتناقض مع سياسة بنغلادش التي تعتبر وجودهم مؤقتاً لحين إعادتهم إلى وطنهم.

(الكاتب: عزاز مامون، وهو كاتب ومحلل مستقل، نشر المقال بموقع “دكا تريبيون”، وترجمته وكالة أنباء أراكان)

شارك
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لوكالة أنباء أراكان

آخر الأخبار

القائمة البريدية

بالضغط على زر الاشتراك، فإنك تؤكد أنك قد قرأت سياسة الخصوصية الخاصة بنا.