أغسطس 20, 2026

محمد ياسين.. زهرة تزهر في ركام الشتات

20 أغسطس 2026

في أزقة مخيمات اللجوء المعتمة ببنغلاديش، حيث تتشابه الأيام وتتقاطع يوميا مع المعاناة بشتى صنوفها، يبرز الطفل محمد ياسين مثل نجمة تضيء عتمة الروح، وأيقونة مبكرة للصمود والوفاء.

الطفل محمد لم يطأ بقلبه الصغير أعتاب العقد الأول من عمره، تحمل مرارة المسؤولية وكابد عناء الحياة بشكل مبكر جدا، دون أن يطفئ الشقاء شغفه بالنور، أو يثني عزيمته عن معانقة العلم.

تجرع محمد مرارة التهجير قسرا عام 2017، حين فرّ برفقة أسرته من ويلات العنف في أراكان، ليتخذ من أتربة المخيم مأوى، قدرا يواجهه بصلابة الكبار.

وأمام عجز والديه اللذين أثقل الكبر والمرض كاهلهما، وأمام عائلة قوامها إحدى عشرة روحا، شمر هذا الصغير عن ساعديه، ليكون غوثا لأهله وسندا لبيته.

يطوف محمد يوميا في دروب المخيم الحافية، يجمع البلاستيك وأوعية المعدن الراكدة بين النفايات، يمضي سحابة يومه ليحصل على دريهمات معدودة لا تتجاوز خمسين “تاكا”، يشتري بها قوت يوم أسرته ويسد بها رمق جوعهم.

محمد ياسين.. زهرة تزهر في ركام الشتات
الطفل محمد ياسين (صورة: ANA)

 

لم تكن قسوة هذا المآل لتأسر روحه أو تبعده عن محاريب المعرفة؛ إذ يحرص بنقاء أفئدة الأطفال على تقسيم يومه بين جمع الفتات، وشد الرحال نحو مقاعد الدراسة ومجالس القرآن، متمسكا بالكتاب كطوق نجاة أخير، يرسو به على ضفاف الأمل، وكأنه طفل بعقل رجل بالغ.

وفي لحظة تجل إنسانية تجد طريقها لأفئدة أقرانه، يهمس محمد بكلمات أبلغ من كل النثر: “حتى لو احتضرتم جوعا، لا تسلكوا هذا الدرب، واجعلوا من العلم سبيلا وغاية”.

وهنا بين صرير العلب الفارغة وترتيل آيات الذكر الحكيم، يسطر “محمد ياسين” ملحمة صمود استثنائية، يهمس من خلالها بضمير العالم الحائر، مذكرا بأن خلف أسوار اللجوء أرواحا متوهجة، وأحلاما تتطلع ليد بيضاء تستثمر في طهرها وتصنع منها غدا أبهى.

محمد ياسين.. زهرة تزهر في ركام الشتات

شارك
×