يوليو 3, 2026

“رويترز”: جيش ميانمار هدد منظمات الإغاثة لحجب أزمة الغذاء عن العالم

17 ديسمبر 2024

وكالة أنباء أراكان | ترجمات 

كشف تحقيق أجرته وكالة “رويترز” أن جيش ميانمار عمل على حجب تقارير تكشف حجم أزمة الغذاء التي تعصف بميانمار واحتجز باحثين في منظمات دولية متعلقة بالأمن الغذائي وهددهم وعرقل عملهم.

وذكر التحقيق أن جيش ميانمار ضغط على الباحثين لمنعهم من جمع البيانات عن الجوع، وأن عدداً من المنظمات الدولية امتنعت بالفعل عن نشر نتائجها خوفاً على سلامة موظفيها.

وتحدثت “رويترز” مع أكثر من 30 عامل إغاثة وباحث ومصدر دبلوماسي ومسؤول بالأمم المتحدة بشأن الجوع في ميانمار رفض معظمهم التحدث علناً مخافة انتقام جيش ميانمار، وقالت إن ممثلي المجلس العسكري حذروا كبار العاملين في مجال الإغاثة من إصدار بيانات وتحليلات تشير إلى أن ملايين الأشخاص في ميانمار يعانون من جوع خطير، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر.

وقالت “رويترز” إن السبب خلف حذف تقييم ميانمار من الخريطة العالمية على الموقع الإلكتروني للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) خلال الأسابيع الأخيرة هو وجود مخاوف على سلامة الباحثين.

كما لم تنشر الهيئة مطلقًا ثلاثة تحليلات مفصلة أجرتها تؤكد أن ميانمار تواجه واحدة من أسوأ أزمات الغذاء على الكوكب، والتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي هو هيئة عالمية رائدة في مجال مراقبة الجوع حول العالم.

بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) عن الجوع في ميانمار قبل حذفها بسبب مخاوف أمنية (صورة: Reuters)
بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) عن الجوع في ميانمار قبل حذفها بسبب مخاوف أمنية (صورة: Reuters)

وقال تقرير خاص للهيئة اطلعت عليه “رويترز” أعدته في 5 من نوفمبر الماضي إن نحو 14.4 مليون شخص أي نحو ربع السكان عانوا من انعدام الأمن الغذائي الحاد في سبتمبر وأكتوبر، وتوقع التقرير أن يواجه 15 مليون شخص في ميانمار مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي بحلول الصيف المقبل، ويشير مصطلح انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى الحرمان من الغذاء بصورة تهدد الأرواح أو سبل العيش.

ونشرت البيانات الأساسية من هذا التقرير على الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة الشهر الماضي قبل أن يحذف لاحقاً بسبب مخاوف أمنية.

بيئة عمل مروعة

أكد عمال الإغاثة في حديثهم إلى “رويترز” أنهم عملوا في ظروف مروعة في ميانمار حيث تعين جمع معظم البيانات سراً واضطر باحثون لإخفاء هوياتهم حتى عن بعضهم البعض، فيما تخشى وكالات الإغاثة نشر نتائجها بشأن سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي أو حتى مشاركتها مع وكالات أخرى.

ولفتت “رويترز” إلى أن مصادر مطلعة أكدت لها أن جيش ميانمار احتجز عدداً من الباحثين في مجال الأمن الغذائي العام الماضي دون الإعلان عن هذه الاعتقالات فيما لم تتمكن “رويترز” من تحديد ما تم مع الباحثين.

ونقلت عن مصدر دبلوماسي قوله إن السرية المحيطة بأبحاث الجوع في ميانمار أعاقت جهود منظمات الإغاثة لجمع الأموال للمساعدات الإنسانية لأنها لا تستطيع استخدام نتائجها لتسليط الضوء على شدة المشكلة.

نهب المساعدات

ورصدت “رويترز” حالات منع فيها جيش ميانمار توزيع المساعدات أو استولى فيها على الإمدادات الغذائية المخصصة للجوعى، ومنها في ولاية أراكان غربي ميانمار التي تعد موطناً للروهينجا.

وتابع التقرير أنه مع تصاعد العنف في أراكان جراء القتال بين جيش ميانمار وجيش أراكان (الانفصالي)، منع الجيش في الشهور الماضية وصول الغذاء والدواء للأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الشديد في منطقة تجتاحها الكوليرا، وفقاً لعمال الإغاثة.

تقرير "رويترز" يكشف تورط جيش ميانمار في حجب المساعدات الغذائية ونهبها في بعض الأحيان (صورة: Reuters)
تقرير “رويترز” يكشف تورط جيش ميانمار في حجب المساعدات الغذائية ونهبها في بعض الأحيان (صورة: Reuters)

وأكد تقرير “رويترز” أن الجوع في أراكان شديد جداً ومسؤول جزئياً عن نزوح 70 ألف لاجئ هذا العام إلى بنغلادش.

وقال المبعوث الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في ميانمار “توم أندروز” لوكالة “رويترز” إن المجلس العسكري يقيد بشكل ممنهج وصول المساعدات الإنسانية ما يساهم في انتشار الكوليرا والأمراض المعدية الأخرى، وأضاف أنه تلقى تقارير تفيد بأن المجاعة باتت وشيكة بالنسبة إلى الكثيرين.

كما صرح متحدث باسم السفارة البريطانية في يانجون إن حكم جيش ميانمار كان له “تأثير كارثي على الزراعة وإمدادات الغذاء في ميانمار، إذ يعاني الناس من الجوع يومياً فيما يعاني الأطفال من سوء التغذية وينزلق الملايين نحو الفقر”.

هرباً من الجوع لا القتال

تروي السيدة “جوهرة” الحامل أن الجوع وليس القتال هو ما دفعها للفرار من أراكان باتجاه بنغلادش في رحلة محفوفة بالمخاطر.

وقالت إن أسرتها اضطرت لأكل أوراق الأشجار للبقاء على قيد الحياة، وكانت بين الكثيرين الذين نهب جيش أراكان متعلقاتهم وطردهم من منازلهم قرب مدينة “بوثيدونغ”، وأضافت أنها رأت الجحيم ووصلت بنغلادش بعد مسيرة استمرت لأيام.

"جوهرة بيجوم" وأسرتها في مخيمات بنغلادش بعدما فروا من ميانمار خوفاً من الموت جوعاً (صورة: Reuters)
“جوهرة” وأسرتها في مخيمات بنغلادش بعدما فروا من ميانمار خوفاً من الموت جوعاً (صورة: Reuters)

كما قالت السيدة “كاسميدا” التي وصلت بنغلادش حديثاً مع طفليها إن شح الطعام الشديد منعها من إرضاع طفلها إذ لم تجد ما تأكله.

وقال العديد من عمال الإغاثة لوكالة “رويترز” إن جيش ميانمار منع إمدادات الأرز وغيره من الأغذية والأدوية والضروريات إلى أجزاء من ولاية أراكان ومناطق الصراع الأخرى، كما منع أعمال الصرف الصحي في المخيمات هناك خلال تفشي الكوليرا في الأشهر الأخيرة.

وتابع التقرير أن القتال تسبب في ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل كبير جعلها بعيدة المنال عن الكثيرين، ووفق تقرير في نوفمبر، فإن بعض أشد حالات انعدام الأمن الغذائي في البلاد تقع بين النازحين في ولاية أراكان.

وارتفعت أسعار المواد الغذائية في أراكان بنسبة 154% في العام الماضي حتى أكتوبر، ووصف لاجئين فروا مؤخراً من أراكان الزيادات الحادة في أسعار المواد الغذائية قائلين إنهم كانوا غير قادرين على تحمل تكلفة بصلة واحدة.

السلطة مسؤولة عن الجوع

وتابعت “رويترز” أن ممثلي المجلس العسكري في ميانمار انتقدوا البيانات المنشورة حول أزمة الجوع في البلاد خلال مناقشات خاصة مع مسؤولين في الأمم المتحدة، وقالوا إنهم لا يريدون اعتبار البلاد دولة فاشلة أو مقارنتها بأماكن مزقتها الصراعات مثل أوكرانيا وغزة، كما نفى وزير خارجية ميانمار لمسؤولي الأمم المتحدة وجود أزمة أمن غذائي من الأساس.

وأكد التقرير أن جمع البيانات يشكل تحدياً كبيراً بسبب الصراع والنزوح وانعدام الأمن، كما قال أحد مسؤولي الأمم المتحدة إن الجيش منع محاولات إجراء دراسة وطنية للتغذية بدعوى عدم قدرته ضمان سلامة موظفي المسح، وأجريت آخر دراسة من هذا النوع في عامي 2015 و2016، ما يجعل البيانات المتاحة قديمة جداً.

وقد وجدت بعض منظمات الإغاثة طرقاً لإنتاج مسوحات محدودة، وعلمت “رويترز” بدراستين أجرتا في الأشهر الأخيرة وجدتا مستويات عالية من التقزم والهزال لدى الأطفال تصل إلى 65%، وهو الشكل الأكثر شدة وخطورة من أشكال سوء التغذية، وقال أشخاص مطلعون إن الدراسات لم تنشر خوفاً من الانتقام من قبل الجيش.

وكان المجلس العسكري أقر قانوناً بعد انقلابه على السلطة عام 2021 يلزم جميع المنظمات غير الحكومية بالتسجيل لدى السلطات لتجنب أحكام السجن، كما يلزمهم بالحصول على إذن لإجراء البحوث وهو ما يمنح لهم نادراً خاصةً فيما يتعلق بالتغذية، وذلك وفق عمال الإغاثة.

ولم تستجب وزارة الخارجية ووزارة الإعلام في ميانمار لطلبات التعليق عبر البريد الإلكتروني من “رويترز”، فيما قال جيش ميانمار إنه لا يمنع المساعدات الإنسانية من المنظمات الدولية ويعمل على ضمان وصول المساعدات المتاحة إلى المحتاجين.

وتعد الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة في ميانمار هي واحدة من أقل الاستجابات الإنسانية تمويلاً في العالم، وقد سعت الأمم المتحدة إلى الحصول على ما يقرب من مليار دولار من المانحين للمساعدات إلى ميانمار هذا العا لكنها لم تتلق سوى 34٪ فقط.

وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن مليوني شخص في ولاية أراكان معرضون لخطر “المجاعة” بحلول عام 2025 بسبب الصراع العنيف والحصار التجاري الذي تسبب في حدوث انهيار اقتصاد البلاد.

شارك
×