يوليو 3, 2026

“بعد الإبادة”: لاجئو الروهينجا يبنون بقايا حياة في مخيمات بنغلادش

12 يناير 2025

وكالة أنباء أراكان | خاص 

يعيش أكثر من مليون لاجئ من الروهينجا في مخيمات “كوكس بازار” في بنغلادش التي تعد الأكبر حول العالم، وربما نسى العالم قصصهم وعدهم أرقاماً مجردة، لكن لكل منهم قصة وحياة كانت طبيعية ككل البشر قبل تحولهم إلى حياة اللاجئين المتشابهة في معاناتها وغموض مستقبلها.

تحدثت وكالة أنباء أراكان مع عدد من لاجئي الروهينجا في مخيمات بنغلادش التي انتقلوا إليها بعد اشتداد حملة القمع التي شنها جيش ميانمار ضد الروهينجا في عام 2017، وأدينت على نطاق واسع باعتبارها حملة إبادة جماعية، حيث أظهرت كلماتهم المعاناة وبرزت لغة اليأس.

فمع صعوبة حياة اللاجئين، تحول بعضهم من رغد العيش في بلاده حيث كان يعمل بالتجارة إلى عامل يومي في المخيمات، فقد جميع اللاجئون ممتلكاتهم ومأواهم في بلادهم، وفقد بعضهم عقله مع ما التهمته المجازر ضدهم في ميانمار من مالٍ وولد، لكن يربطهم جميعاً حلم العودة الكريمة الآمنة إلى الوطن.

البدء من الصفر

كان “علي أكبر” (45 عاماً) رجل أعمال ناجح في ميانمار يتاجر في الزيوت بمساعدة اثنين من أبنائه الذين تلقيا تعليماً جيداً وكانا عوناً له في التجارة، لكن حملة الإبادة الجماعية في ولاية أراكان غربي ميانمار عام 2017 قلبت حياته رأساً على عقب.

اللاجئ الروهنجي "علي أكبر" يعمل في جمع الزجاجات البلاستيكية داخل أحد مخيمات بنغلادش (صورة: ANA)
اللاجئ الروهنجي “علي أكبر” يعمل في جمع الزجاجات البلاستيكية داخل أحد مخيمات بنغلادش (صورة: ANA)

ولد “علي” في قرية “ناكيرا” بمدينة “مونغدو”، وبعد سنوات أصبح أباً لخمسة أطفال، وكان طفلاه الأصغر سناً يدعمانه في عمله، لكنهم قتلا خلال أعمال العنف التي ارتكبها جيش ميانمار ضد الروهينجا، وهي الخسارة المدمرة التي أثرت بشدة على صحته العقلية.

فر اللاجئ الروهنجي بعدها مع مئات الآلاف الآخرين نحو بنغلادش ليعيش في مخيمات “كوكس بازار”، ومع خسارته كل شيء كافح ليبقى على قيد الحياة حيث عمل كعامل يومي ليتمكن من إعالة أسرته.

ورغم الصعوبات، كان “علي أكبر” مهتماً بشدة بالأعمال التجارية، وبعد أربع سنوات بدأ عمله الخاص في جمع وبيع الزجاجات البلاستيكية غير الصالحة للاستخدام عبر الانتقال من مخيم إلى آخر وشرائها من السكان، والآن يكسب يومياً ما بين 500 إلى 600 تاكا بنغلادشي (5 دولار تقريباً).

قال “على أكبر” لوكالة أنباء أراكان “الحمد لله كل شيء يسير على ما يرام بالنسبة لعائلتي الآن، لكن كسب المال في مخيم اللاجئين ليس بالأمر السهل، وخاصة لشخص في مثل عمري، جسدي يضعف لكن ليس لدي خيار ويجب أن أعمل من أجل أطفالي الثلاثة الصغار، هكذا هي الحياة في المخيم”.

حياة المخيم لا ترحم الضعفاء

اللاجئي الروهنجي المسن "أبو علم" اضطر للعمل في حمل الطوب ليعيل أسرته (صورة: ANA)

اللاجئي الروهنجي المسن “أبو علم” اضطر للعمل في حمل الطوب ليعيل أسرته (صورة: ANA)

وبالانتقال من حياة صعبة في ميانمار إلى حياة أصعب في مخيمات بنغلادش، بات اللاجئ الروهنجي المسن “أبو علم” الذي يبلغ من العمر 60 عاماً مضطراً إلى حمل الطوب ليجد ما يسد جوعه وأسرته في مخيمات بنغلادش في أعقاب حملة الإبادة ضد الروهينجا في عام 2017.

يعمل “أبو علم” كعامل يومي لدى المنظمة الدولية للهجرة إذ يحمل قوالب الطوب لتطوير المواقع ويتقاضى يومياً 400 تاكا بنغلاشية (3 دولار تقريباً)، ورغم أن عمله يوفر له القوت لكنه يمثل له معاناة كبيرة بسبب كبر سنه واضطراره للتنقل حاملاً الطوب وسط التضاريس الجبلية الوعرة.

وقال “أبو علم” لوكالة أنباء أراكان “لم أتخيل أبداً القيام بمثل هذا العمل الذي يتطلب مجهوداً بدنياً كبيراً في سني هذه، في الوطن كنت أملك كل شيء، ولكن ها أنا ذا أتسلق التلال كل يوم لحمل الطوب، إنه أمر مرهق لكن ليس لدي خيار لرعاية أسرتي”.

عاش “أبو علم” حياة جيدة وامتلك ثروة كافية مكنته من تزويج إحدى بناته قبل النزوح، لكن مع اضطراره للفرار إلى بنغلادش فقد كل شيء، وبات مضطراً للعمل ليعيل بناته الخمس الأخريات.

اللاجئ الروهنجي المسن محمد هاشم فقد كل ما يملك في ميانمار ويأمل في العودة لوطنه (صورة: ANA)
اللاجئ الروهنجي المسن محمد هاشم فقد كل ما يملك في ميانمار ويأمل في العودة لوطنه (صورة: ANA)

أما اللاجئ الأكبر سناً ممن التقتهم وكالة أنباء أراكان هو محمد هاشم ويبلغ من العمر 70 عاماً، لكن حياة اللاجئين لم تترفق به هو الآخر.

قال هاشم ” كانت حياتي جيدة جداً في قرية “لودايه” في أراكان لأنني كنت أمتلك العديد من الأبقار والأراضي، وبعد عام 2017 ضاع كل شيء”.

وأضاف هاشم أن حياته في مخيمات “كوكس بازار” تعتمد بشكل كبير على المساعدات الغذائية التي توفرها المنظمات الدولية والمحلية، ويقول “تدعمنا كثيراً الوكالات والمنظمات غير الحكومية، ورغم كل هذا نحن لسنا سعداء فهذه ليست بلادنا”.

وتابع اللاجئ الروهنجي “حتى لو حصلنا على كل شيء هنا لا يمكننا أن نشعر بالسلام أو السعادة الحقيقية لأن هذا ليس وطننا، وإذا متنا هنا، فأين سيكون إرثنا؟ أظل أفكر في كل شيء، وأشعر بالقلق العميق، لن نشعر بالسعادة إلا عندما نتمكن من العودة إلى وطننا، إلى المكان الذي ننتمي إليه”.

حياة المخيمات: مخاطر بعضها فوق بعض

مع اضطرار أكثر من مليون روهنجي للفرار من ميانمار، فقد باتوا يعيشون في مخيمات اللاجئين المكدسة في بنغلادش حيث يعانون من نقص الغذاء والرعاية الطبية وفرص التعليم والعمل، ما يدفع أعداداً كبيرة منهم إلى خوض رحلات بحرية خطرة تدي بحياة أعداد منهم في محاولة للبحث عن فرص أفضل للعيش والعمل في ماليزيا وإندونيسيا وغيرها.

ويعيش الروهينجا في مخيمات بنغلادش في ظل نقص الأمن وانتشار حوادث خطفهم طلباً للفدية وتزايد نشاط الجماعات المسلحة في المخيمات، بالإضافة إلى حوادث خطفهم بهدف تجنيدهم قسراً في ولاية أراكان للمشاركة في القتال الدائر بين جيش ميانمار وجيش أراكان (الانفصالي) الذي يسعى للسيطرة على الولاية منذ نوفمبر 2023.

ومع نقص الدعم والتأهيل لمخيمات الروهينجا، تشتعل الحرائق بشكل متكرر في مخيماتهم المصنعة من مواد أولية سريعة الاشتعال مثل القش والخشب والبلاستيك ما يصعب من جهود السيطرة عليها ويتسبب في ارتفاع حصيلة ضحاياها، وتسبب حريق نشب في مخيم “كوتوبالونغ” في ديسمبر الماضي في مصرع شخصين وإصابة 19 آخرين بالإضافة إلى تدمير 800 مأوى وتشريد 3 آلاف روهنجي على الأقل.

ومع استمرار مأساة الروهينجا باستمرار الاضطهاد ضدهم في أراكان وتفاقهم مصاعب حياتهم كلاجئين، تستمر المنظمات الدولية في المطالبة بتحسين أوضاعهم وتأهيلهم وتكثيف الدعم المقدم إليهم وحل النزاع في ميانمار لتمكينهم من العودة بشكل طوعي وآمن وكريم إلى بلادهم.

شارك
×