وكالة أنباء أراكان ANA | متابعات
40 كيلو مترا تقضيها العربات من مدينة كوكس بازار، حيث يقع أقرب الفنادق إلى منطقة مخيمات اللاجئين الروهنغيا بالقرب من حدود دولة بنغلادش مع ميانمار.
مع نهاية الطريق المتعرج المحاط بالأراضي الزراعية لمحاصيل أغلبها من الأرز يبدأ رجال الجيش البنغالي في الظهور ومن خلفهم تتغطي المرتفعات الجبلية بأكياس من البلاستيك الأسود والبرتقالي لتطل من بين أشجار منطقتي تكناف وأوخيا بداية مخيمات اللاجئين الروهنغيا الذين فروا هربا من وطنهم بإقليم أراكان بدولة ميانمار “بورما” بعد ما وصف بعملية تطهير عرقي لمسلمي الروهنغيا على يد جيش ميانمار والذي يدين أغلبه بالديانة البوذية.
بدأ النازحون من أراكان رحلة هروبهم إلى بنغلادش قبل نحو سبعة عشر عاما، فيما ازداد عددهم منذ نهاية شهر أغسطس الماضي .
يقوم الجيش البنغالي بتأمين مخيمات اللاجئين الروهنغيا، وفي محاولة لتنظيمهم يقسم المخيمات التي تضم نحو أكثر من مليون فرد بحسب التقديرات غير الرسمية و 850 فردا بحسب احدث إحصائيات الأمم المتحدة، فيضع لافتات كبيرة كتبت باللغة البنغالية كأسماء للمخيمات ولتقسيم المخيم إلي عدة مخيمات أصغر يسهل تأمينها يضم كل منها نحو 18 ألف أسرة.
الأطفال هم أول من يستقبلك داخل المخيمات، يضحكون في وجه كل قادم رغم عدم معرفتهم به لكنهم يدركون أن القادم حتما يحمل لهم بعض الطعام أو الكساء، بخطوات سريعة وأجساد شبه عارية إلا من قطعة ملابس واحدة يتجول الأطفال بضحكاتهم بين الأكواخ الخشبية المتراصة بين بعضها وكأنهم يخبرون سكانها بأن قادما قد أتى .
يصطف الرجال وهم يمثلون النسبة الأصغر بالمخيمات إذ لا يتجاوز عددهم بحسب اليونسيف نحو 20% من اللاجئين، فأغلب الرجال الروهنغيا يتم تصفيتهم بالقتل أو الذبح على يد جيش ميانمار، بعضهم يتكدس في بداية كل طريق إلي الأكواخ وبعضهم يجلس القرفصاء ويمضغون أوراق أشجار أطلقوا عليها “تمبولة” وتشبه إلى حد كبير مفعول نبات القات الذي يتعاطاه اليمنيون.. في محاولة لقضاء الوقت الذي يقضونه دون عمل سوي ترقب كل قادم لزيارتهم.
حتى تنطلق بين أكواخ المخيم عليك أن تعود أنفك على رائحة مياه الصرف المختلطة بالطين أو بمياه المستنقعات وألا تبدي انزعاجا من تلك المشاهد التي تسبب وجعا للعين والقلب، فلاجئو الروهنغيا يدركون الوضع المأساوي الذي يحيون به قانعين به فلا يريد معظمهم العودة إلى أراكان دون كفالة حقوقهم حتى لا يتعرضون إلى القتل أو الذبح على يد جيش ميانمار.
مع الوقت يصبح مشهد الأطفال العارية والرجال المصابين وأوجه النساء الشاحبة هو ما تعتاده الأعين.
يعتمد لاجئو الروهنغيا علي مياه الآبار التي يحصلون عليها من خلال مضخات تعرف باسم “طلمبات المياه” فيستخدمون مياهها في الشرب وإعداد الطعام والاستحمام، والتي حفر أغلبها بجانب أكشاك تستخدم كدورة مياه للجميع ويصرف مياهها على المستنقع المجاور له، وعلى مسافات شبة متقاربة تجد أكشاكا لبيع بعض السلع الغذائية والتي لا تلقي إقبالا إلا من النازحين الجدد الذين مازال يدخر بعضهم بعض المال.
تعتمد النساء على “الكانون” وهو إشعال النيران في بعض القطع الخشبية ووضع القدور من فوقها لإعداد الطعام الذي يعتمدون في معظمه على الأرز والدقيق.
أن تجد مكانا مخصصا للنوم أو حتى وسادة دخل الأكواخ هو من الرفاهية التي لا ينعم بها اللاجئون الروهنغيا، فقد يضطر الجيش البنغالي إلى تسكين أكثر من أسرة دخل المخيم الواحد والذي قد لا يتعدى مساحته الثلاثة أمتار فيصبح كل المتاح لهم هو الالتحاف بإحدى البطاطين التي يحصلون عليها من القوافل الإغاثية.
لا يملك اللاجئون الروهنغيا حتى الحلم.. فهم يعيشون كل يوم بيومه لا يعلمون ماذا ينتظرهم في الغد، بل أنهم لا يعلمون شيئا عن تلك المفاوضات التي تجري بين دولتي بنغلادش وميانمار بشأن عودتهم إلى وطنهم فليس هناك من يمثلهم في تلك المفاوضات وحين تسألهم عنها يكون الرد ” سحبت جنسيتنا وأخذ جيش ميانمار منازلنا واغتصب الناس وذبح الرجال وشرد الأطفال فلمن نعود..”..
يستسلم اللاجئون الروهنغيا للعيش في المخيمات، لا تفزعهم الزواحف أو الأمراض التي تنتشر بينهم ولا حتى هجمات الأفيال البرية والتي يلقي بعضهم حتفه تحت أرجلها، في انتظار أن تتحرك المؤسسات الدولية من أجل وضع حل لتلك الكارثة الإنسانية، وحين يموت أحدهم يضعوه في حفرة اعتبروها قبرا عند نهاية المخيم ومن فوقه التراب ويعودون ليستكملوا حياة الترقب والانتظار من جديد.


