يوليو 3, 2026

لماذا صمتت أمريكا عن التطهير العرقي لمسلمي بورما؟

21 مايو 2015
 وكالة أنباء أراكان ANA: (المساء)
يباد مسلمو بورما كما تباد الطفيليات في الحقول الزراعية، بتحريض من الدولة البورمية وسلطاتها، وتحت تواطؤ العالم. في ظل استمرار اضطهادهم، لم يجد مسلمو بورما، الملقبون بالروهنجيا من ملاذ سوى الخنوع للموت، أو الفرار إلى دول الجوار، التي تعيدهم بدورها إلى قدرهم المحتوم، في خرق سافر لكل المواثيق الدولية والكونية لحقوق الإنسان، وحقوق المعتقد الديني. وقد طالت عذابات مسلمي بورما حتى بات من سابع المستحيلات أن تجد لها طريقا إلى النهاية سوى الموت لكونه الوحيد القادر على تخليص البورميين المسلمين من الاضطهاد الذي تعرضوا له ولا يزالون، في ظل صمت العالم وغضه الطرف عما يقع لأكثر أقلية عرقية مضطهدة في أصقاع الأرض وبقاعها.
كان صيف 2012 إيذانا باندلاع حرب الإبادة والتطهير العرقي التي قادها البوذيون، بدعم من السلطات الحاكمة ببورما، ضد الروهنجيا، وهي أقلية عرقية لا تتعدى نسبتها 4 بالمائة من الساكنة البورمية، بدعوى أن الروهنجيا  «مواطنون من الدرجة الثالثة»، لا يتوفرون على بطاقة تثبت وجودهم منذ سنوات طوال. وقد عملت السلطات البورمية، مؤخرا، على سحب بطائق الهوية منهم تمهيدا لتطهير أكبر.
ومع عجز مسلمي الروهنجيا عن إثبات وجودهم بالدولة التي كانت تعيش تحت حكم المسلمين، لمدة امتدت إلى حوالي 350 سنة، وعرفت تعاقب حوالي 48 حاكما مسلما، فقد جردتهم السلطات من كل حقوقهم المدنية والاجتماعية والسياسية؛ والأنكى من ذلك أنها جردتهم حق العيش، وحرية المعتقد الديني. كما صادرت كل ممتلكاتهم المادية والمعنوية، وهي الآن في طور مصادرة ما تبقى من حقهم في «الحياة».
بوادر الأزمة
بعد حصولها على الاستقلال من طرف بريطانيا، قررت سلطات بورما تطهير البلاد من المسلمين مخافة تطور نفوذهم وتجذره في هرم الدولة وسلطاتها ومنافذ القرار بها. وقد بررت هذا القرار بأنهم ليسوا مواطنين بورميين أصليين. وبغية إضعافهم عملت بورما البوذية على انتهاك حقوقهم وسلبهم أبسطها، فصادرت حقوقهم السياسية وحرياتهم الدينية، فلم يعد يحق لهم، على سبيل المثال، الدراسة في المدارس والجامعات الحكومية، أو إنجاب أكثر من طفلين.
وحسب إحصائيات، يصل عدد الأطفال غير المسجلين في لوائح السلطات 60 ألف طفل، لأنه إذا عرفت الدولة بأمرهم ستعمل على فرض نظام جباية وتغريم الوالدين.
والمعاناة التي يعيشها الروهنجيا في شقها الاقتصادي لا تقل هي الأخرى سوءا وقتامة عن الوضعية الحقوقية والاجتماعية، ذلك أن الحكومة البورمية تفرض على المسلمين تسليمها نسبة كبيرة من محصول الأرز الذي يعتبر الغذاء الرئيسي للسكان، فضلا عن مصادرة أراضيهم وحرق محاصيلها، وتشجيع استيطان البوذيين بقراهم وأماكن وجودهم قصد اضطهادهم وتضييق الخناق عليهم، تمهيدا لإبادتهم وطردهم من وطنهم.
أما على المستوى السياسي، فقد وضعت حكومة بورما عوائق عديدة أمام مشاركة الأقلية المسلمة في الحياة السياسية، كان أبرزها القانون الصادر عام 1983، الذي لا يمنح الجنسية البورمية إلا لمن يُثبت أن أسرته عاشت في ميانمار قبل عام 1844، وهو العام الذي اندلعت فيه الحرب الإنجليزية البورمية الأولى. وقد تسبب هذا القانون في حرمان المسلمين، الذين لم يتمكنوا من تقديم هذه الوثائق، من حق المواطنة الكاملة وما يترتب عنها من حقوق سياسية.
وتستمر المعاناة
اضطهاد الروهنجيا لم يقتصر على حرمانهم من أبسط حقوقهم السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية، بل تعداه إلى أبشع وأفظع من ذلك، حيث اندلعت حرب الإبادة والقتل والتهجير القسري والحرق والاغتصاب. هذه الحرب المستعرة التي يقودها بوذيو بورما، بتشجيع من السلطات، راح ضحيتها عشرات الآلاف من الروهنجيا ، خصوصا في إقليم أراكان، إلى جانب مئات حالات اغتصاب مسلمات الروهنجيا ومئات الآلاف من المشردين واللاجئين الذين أحرقت قراهم وصودرت ممتلكاتهم.
أمام هذا القمع وهاته المجازر قرر الروهنجيا البحث عن حياة أفضل في دول الجوار، فركبوا قوارب الموت بحثا عن أماكن أكثر أمنا وأمانا، لكنهم وجدوا أنفسهم ضحية لتجار البشر، الذين استعبدوهم وباعوهم كعبيد في سوق للنخاسة. كما قتلوا بعضهم واغتصبوا نساءهم، وشردوا الأطفال، فماتت مجموعة كبيرة منهم جراء الإسهال وارتفاع درجات الحرارة. فيما الذين فروا من قبضة تجار البشر، وجدوا أنفسهم ضحية دول الجوار، التي طردتهم وأعادت قواربهم صوب وجهات أخرى، حيث رفضت كل من إندونيسيا وماليزيا وتايلاند القوارب التي تحمل جحافل الروهنجيا الفارين من جحيم الدولة والبوذيين.
منظمات حقوقية مكتوفة الأيدي
ظل العالم يتفرج في صمت على حرب الإبادة والتطهير العرقي، التي يتعرض لها الروهنجيا . إذ اكتفت الكثير من الدول الغربية بعبارات الاستنكار والتنديد بما يحصل لمسلمي بورما. فيما أصدرت منظمات حقوق الإنسان تقارير تكشف عمق التطهير العرقي وحرب الإبادة، وكذا القتل الوحشي والتهجير القسري والاغتصاب، وكل التصرفات اللاإنسانية التي تشن ضد أقلية مسلمة.
وكشف تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» تواطؤ نظام هذه الدولة الآسيوية مع عصابات البوذيين في شنّ عمليات التطهير العرقي والقتل الوحشي والإبادة الجماعية والتهجير القسري واغتصاب الفتيات المسلمات. فيما صنف تقرير للأمم المتحدة مسلمي الروهنجيا بأنهم الأقلية الأكثر تعرضا للاضطهاد في العالم. ووقف التقرير الأممي عند أهم الحقائق التي يغض العالم الطرف عنها، خصوصا تلك المتعلقة بإحراق عدد كبير من قرى المسلمين.
ورصد التقرير عمليات الحرق عبر الأقمار الصناعية. وكشف التقرير ذاته أن الحكومة المركزية لم تتحرك بأي شكل لمعاقبة المسؤولين عن الانتهاكات أو لوقف التطهير العرقي بحق المسلمين المهجرين قسرا، وهو ما يكشف تواطؤ الدولة على الروهنجيا .
 وقد أماطت المنظمة ذاتها اللثام عن أربعة مواقع لمقابر جماعية في ولاية أراكان المسلمة، قالت إن السلطات أقامتها لطمس معالم الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في حق الروهنجيا .
تخاذل أمريكي
في ظل تطهير بورما من المسلمين، انهالت عليها الهبات والمنح الدولية، خصوصا من الجانب الأمريكي، الراعي الرسمي لحقوق الإنسان، حيث تواصلت التسويات السياسية والاقتصادية معها من قبل الدول الكبرى، وعلى رأسها راعي حقوق الإنسان وراعي القيم التسامح والتعايش الديني. ذلك أن رئيس ميانمار ثين سين زار أمريكا. وتعتبر زيارته هذه أول زيارة لرئيس بورمي منذ العام 1966، بعد أن قام الرئيس الأمريكي باراك أوباما بزيارة لميانمار.
ورغم أن مجموعة من المنظمات الدولية كشفت تورط العسكر البورمي في عدد من الجرائم العرقية البشعة بحق الروهنجيا، فإن ذلك لم يمنع أوباما من زيارة بورما وفتح أفق التعاون والعلاقات الثنائية التجارية والاقتصادية والسياسية بين البلدين. وقد اكتفى الرئيس الأمريكي خلال زيارته هاته بإشارة خاطفة فقط إلى الروهنجيا، حيث طالب في خطاب ألقاه في إحدى الجامعات الميانمارية بمنح أقلية الروهنجيا حقوقهم المدنية.
وقد فتحت زيارة أوباما تلك الباب على مصراعيه أمام جميع الشركات الأمريكية لتسهيل التبادل التجاري مع ميانمار، ورفع الحظر عن التعامل معها. كما قامت الولايات المتحدة بإسقاط الديون عن دولة بورما، وسمحت لكبريات الشركات التجارية الأمريكية بالتبادل التجاري، وفتحت الباب أمام المستثمرين اﻷمريكيين لفتح المزيد من الملفات التجارية الضخمة، وهو ما يعني مزيدا من اﻻنفتاح على ميانمار، ومزيدا من الدعم اﻻقتصادي الأمريكي للحكومة المركزية، في خطوة اعتبرها بعض المحللين مكافأة لميانمار على جرائمها وانتهاكاتها الجسيمة بحق أقلية الروهنجيا .
 فيما تحدثت مجموعة من وسائل الإعلام الأمريكية عن أن زيارة أوباما تأتي في سياق تحفيز الحكومة الحالية ودفعها نحو الديمقراطية، رغم أن كل المؤشرات كانت تفيد بأن وراء الزيارة أهدافا أخرى كانت في مقدمتها المصالح التجارية مع بلد يحتضن ثروات طبيعية هائلة، إضافة إلى مزاحمة التبادل التجاري الكبير القائم بين ميانمار وبين حليفتيها الصين والهند، فكانت أنظار أوباما مصوبة أكثر على تلك المصالح وليس على ما يحصل للمسلمين في بلد يحتضن أكثر أقليات العالم اضطهادا، حسب الأمم المتحدة.
هذا الموقف الذي أبانت عنه الولايات المتحدة أثار خيبة أمل الكثير من المحللين السياسيين. وإن كان الرئيس الأمريكي انتقد فيما بعد سياسة القمع التي تمارسها السلطات البورمية على الأقليات المسلمة. إذ صرح أوباما حين زيارته لماليزيا، جارة بورما، أن الحماية الكاملة لحقوق الأقلية المسلمة في ميانمار غائبة. كما حذر من أن بورما لن تنجح إذا تم قمع المسلمين. وأضاف أن هناك أقلية مسلمة في ميانمار ظلت تتعرض للازدراء والاحتقار من قبل أطياف الشعب البورمي.
تصريح أوباما هذا قوبل بنفي سريع من قبل المتحدث باسم الرئاسة البورمية يي هتوت، الذي أنكر أن يكون المسلمون مضطهدين، ورفض انتقادات الرئيس اﻷمريكي، وقال: «ليس هناك تمييز ضد المسلمين في بورما، وﻻ يوجد تمييز تقره الدولة ضد المسلمين».
وقد زادت وتيرة الانتقادات الأمريكية نسبيا ضد حكومة ميانمار من قبل الكونغرس الأمريكي بعد موافقة مجلس النواب الأمريكي على مشروع قرار يدعو ميانمار إلى «إنهاء الاضطهاد وسوء المعاملة التي يتعرض لها الروهنجيا، واحترام حقوق جميع الأقليات التي تعيش في البلاد».
وكان مشروع القرار هذا قد تقدم به جيم ماكغفرن، عضو مجلس النواب الديمقراطي عن ولاية ماساتشوستس، وقد قُبل في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، ومن ثم وافقت عليه الجمعية العمومية للمجلس بعد تصويت النواب عليه.
ورغم هاته الانتقادات، التي تظل بسيطة في مجملها، فإن تعاطي الإدارة الأمريكية مع ملف حقوق الروهنجيا  يظل محفوفا بكثير من التكهنات، وعلى رأسها رعاية أمريكا لمصالحها الاقتصادية وغضها الطرف إلى حد ما عن الانتهاكات البورمية الصارخة، علها تفوز بشيء من كعكة ميانمار الاقتصادية.
شارك
×