وكالة أنباء أراكان ANA | متابعات
الاثنين الماضي، أوصت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق التي تحقق في طريقة تعامل ميانمار مع مئات الآلاف من الروهنغيا الذين فروا إلى بنغلادش العام الماضي، بمحاكمة القادة العسكريين في البلاد بتهمة الإبادة الجماعية. إلا أن شبكة “سي إن إن” الأمريكية، ترى أنه ليس هناك ما يجب على الجنرالات المسيطرين على الحكم في ميانمار، وحكومتها المدنية الهشة، أن يخشوه من المجتمع الدولي. حيث إن محاكمة القادة العسكريين في ميانمار، تتطلب من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أن يحيل هؤلاء المتهمين إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وهذا يبدو غير محتمل.
وقالت سيسيليا جاكوبس المحاضرة في الكلية الأسترالية الوطنية لشؤون آسيا والمحيط الهادئ، “إن مجلس الأمن الدولي مشلول، وحقيقة أنه لم يتحرك للتدخل في سوريا أو اليمن تقوض قدرات المجلس، كما تقوض المحكمة الجنائية الدولية وقدرتها على تحقيق العدالة الدولية”.
من جانبها، ترفض ميانمار هذه الاتهامات، فعندما قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة العام الماضي، إرسال بعثة للتحقيق، قال وزير خارجية ميانمار إن المحققين “سيتسببون في إشعال القضية، وليس في حلها”.
وفي يوم الثلاثاء الماضي، صرح زاو هتاي، المتحدث باسم مكتب الرئاسة في ميانمار، أن الحكومة شكلت بالفعل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق، ولم يعلق على النتائج التي توصلت إليها بعثة الأمم المتحدة.
وأشار تقرير بعثة الأمم المتحدة إلى أن “أونغ سان سوتشي” مستشارة البلاد والحائزة على جائزة نوبل، “لم تستخدم موقفها الفعلي كرئيس للحكومة، ولا سلطتها الأخلاقية، لوقف أو منع الأحداث الجارية في ولاية أراكان”.
عدالة غائبة في ميانمار
ويحتوي تقرير الأمم المتحدة الملتهب على اتهامات بالقتل والسجن والعنف الجنسي ضد الروهنغيا، التي نفذها جيش ميانمار، والمعروف باسم “تاتماداو”.
وقال التقرير إن “الضرورة العسكرية لن تبرر أبدًا القتل العشوائي، واغتصاب النساء والاعتداء على الأطفال وحرق قرى بأكملها”، مضيفًا أن “تكتيكات التاتماداو لا تتناسب مع التهديدات الأمنية في ولاية أراكان”.
ومع ذلك، يرى آرون كونيلي الباحث في برنامج شرق آسيا في معهد “لوي” في سيدني، أنه لا يوجد أي احتمال في أن يدفع التحقيق حكومة ميانمار، إلى محاكمة أي شخص مسؤول.
وصرح لشبكة “سي إن إن”، “أعتقد أن أونغ سان سوتشي، وهذه الحكومة ليس لديها أي نية على الإطلاق في محاكمة أيا من مرتكبي هذه الجرائم الواضحة في ولاية أراكان”، وأضاف “لن أكون مندهشًا إذا ما سعوا إلى محاكمة بعض من مقاتلي الروهنغيا، وتجاهل ملاحقة القادة العسكريين الذين أمروا بشن هذه الهجمات”.
وكان الجيش الميانماري شن حملة عسكرية في أغسطس من العام الماضي على المواطنين الروهنغيا في ولاية أراكان، أسفرت عن حرق عشرات القرى، وقتل مئات من الروهنغيا، وفرار مئات الآلاف منهم إلى بنغلادش.
وقال كونيلي إنه قد تكون هناك “محاكمات رمزية للمجندين أو صغار الضباط”، لكنهم “حاكموا بالفعل العديد من الأشخاص المتورطين في الكشف عن المجزرة”، في إشارة إلى اثنين من صحفيي وكالة “رويترز” الذين يحاكمون في ميانمار بسبب تقاريرهم عن الروهنغيا.
الاعتماد على مجلس الأمن الدولي
وترى “سي إن إن” أن غياب العدالة في الداخل، يترك للمجتمع الدولي خيارات قليلة للغاية، خاصة أنه من غير المحتمل أن يتدخل مجلس الأمن ضد ميانمار، لعدة أسباب. أولها أن ميانمار لديها حليف رئيسي في مجلس الأمن، وهو الصين، حيث دافعت بكين عن النظام الميانماري في الوقت الذي حاول فيه باقي العالم فرض عقوبات على جنرالات ميانمار على مدار السنين بسبب اضطهادهم السياسي للناشطين الديمقراطيين، والتي كانت أونغ سان سوتشي منهم، وغالبًا ما تقف روسيا مع الصين ضد الأعضاء الآخرين في المجلس.
وفي الوقت نفسه، لا ترغب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ولا سيما مستشاره للأمن القومي جون بولتون، في إحالة هذه القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، بسبب السابقة التي ستمثلها إحالة مرتكبي هذه الجرائم إلى المحاكمة.
وأشار كونيلي إلى أن “البعثة الأمريكية للأمم المتحدة أوضحت أنها لن تقدم أي طلب لإحالة جنرالات ميانمار للمحكمة الجنائية الدولية، طالما يسعى البعض إلى التحقيق في جرائم الحرب الأمريكية في أفغانستان”. وأضاف أن “جون بولتون هو العدو الأول للمحكمة الجنائية الدولية، وقد أعلن صراحة أنه لا يكون هناك أي إحالات للمحكمة، طوال وجوده في منصبه”.
طريق آخر للعدالة
هناك طريقة أخرى لمحاكمة جنرالات ميانمار المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، وهي الطريقة التي اتبعها المحامي توبي كدمان دون الحاجة إلى التعامل مع الأمم المتحدة على الإطلاق.
وقال كدمان المدير في مجموعة المناصرة القانونية الدولية “جرنيكا 37 إنترناشيونال جستس شامبرز”، إن “ما نحاول فعله هو جعل المحكمة الجنائية الدولية تستخدم الولاية القضائية الإقليمية لبنغلادش، والتحقيق في التهجير القسري، حيث أن لديها الصلاحية للقيام بذلك”.
وأضاف، “لأن ميانمار ليست طرفًا في المحكمة الجنائية الدولية، فليس لدى الهيئة الدولية أي سلطة لتوجيه الاتهامات إليها، لكن هروب مئات الآلاف من الأشخاص من ميانمار إلى بنغلادش، الموقعة على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية، قد يمنح المحكمة فرصة لمحاكمة المتهمين بالإبادة الجماعية”.
وأكد كدمان “أن النزوح القسري هو عنصر من عناصر نية الإبادة الجماعية، والمتمثل في طرد الروهنغيا من ميانمار عن طريق القتل والاغتصاب والنهب”.
وأشار إلى أن “المحكمة الجنائية الدولية لديها السلطة لتوجيه الاتهام في هذه الحالة، لكننا نتوقع أن ننتظر للعديد من الأشهر، إن لم تكن سنوات، حتى تنظر المحكمة الجنائية الدولية في القضية”.
استمرار جمع الأدلة
في هذه الأثناء ترى الباحثة سيسيليا جاكوبس، أنه من الضروري أن تستمر مجموعات حقوق الإنسان والهيئات الدولية في جمع الأدلة لاستخدامها إذا ما مضت هذه المحاكمات قدمًا. وأضافت “إن مهمة تقصي الحقائق وتقرير بعثة الأمم المتحدة، لعبا دورًا حاسمًا في توفير الأدلة اللازمة لهذه المحاكمة، ولا يجب أن يتوقف المجتمع الدولي عن جمع المزيد من الأدلة”.



