يوليو 4, 2026

الروهنجيا.. مسلسل المعاناة لا يزال مستمرًا

7 سبتمبر 2015
 وكالة أنباء أراكان ANA: (قنا)
لا تلبث معاناة مسلمي الروهنجيا في ميانمار أن تخبو جذوتها، إلا ويطفو على السطح ما يشعلها من جديد، ويطرحها كقضية إنسانية لم تجد بعد رد الفعل الدولي القوي الذي يمتلك القدرة على علاجها أو على الأقل تخفيف حدة آثارها، ففي الأيام الاخيرة أصدرت السلطات في ميانمار قانونا جديدا، موجها بشكل غير مباشر للتضييق على الروهنجيا المسلمين بالبلاد، حيث وصفته وسائل الإعلام بأنه يمنع تعدد الزوجات، ويقضي القانون الذي وقعه الرئيس ثين سين بالسجن لمدة تصل إلى 7 سنوات لكل من يثبت أنه تزوج أكثر من زوجة، لتضاف إلى معاناة من بقي بالبلاد من مسلمي الروهنجيا معاناة جديدة منذ بدء عمليات التطهير العرقي ضدهم في عام 2012.
وقد وصف السيد عمر شفيع مدير المؤتمرات والبرامج وعضو مجلس إدارة المركز الروهنجي العالمي، في حديثه لوكالة الأنباء القطرية (قنا)، القانون بأنه يأتي في إطار “التحركات التعسفية” من قبل السلطات في ميانمار تجاه مسلمي ولاية أراكان من الروهنجيا، معتبرا أنه إجراء ليس بجديد ويرسخ للهجة العنف والإقصاء التي تمارس ضد المسلمين هناك.
وقال شفيع إن ولاية أراكان التي تضم مسلمي الروهنجيا باتت بمثابة “سجن كبير” بسبب منع المنظمات الإغاثية والطبية والإعلامية من الدخول ورصد ما يدور بداخل العمق الروهنجي وتفقد أحوال سكانها من المسلمين.
وكشف شفيع عن قيام السلطات الميانمارية بتغيير اسم العاصمة الإسلامية لولاية أراكان من ” أكياب” إلى “سيتوي” في محاولة على حد قوله لطمس هويتها وملامحها الإسلامية.
ونفى المسؤول الروهنجي لـ (قنا) ما تتناقله مواقع التواصل الاجتماعي بشأن تشكيل كتائب مقاومة روهينجية لوقف الممارسات التي تطبقها الدولة هناك، مؤكداً أن شعب أراكان مسالم وضعيف ويعيش في ظروف إنسانية غاية في الصعوبة.
وحول رحلات الهجرة الجماعية عبر البحر إلى دول الجوار، قال عمر شفيع إن “مراكب الموت” تعمل في سرية تامة خوفاً من العقاب بعد أن لفت هذا الملف أنظار المنظمات الحقوقية وأثار ضجة واسعة قبل شهور، واتهم حكومة ميانمار بتسيير تلك الرحلات ودعم تجار البشر بهدف إخلاء البلاد من المواطنين الروهنجيين وتصدير القضية إلى الدول المجاورة.
وفيما يتعلق بالجهود المبذولة من قبل الدول الإسلامية تجاه قضية الروهنجيا، قال عضو مجلس إدارة المركز الروهنجي العالمي إن تحركات منظمة التعاون الاسلامي تسير بشكل مرضي ولكنها ليست كافية، مطالباً الدول الـ 57 الأعضاء في المنظمة بمزيد من الضغط الدبلوماسي على حكومة ميانمار داخل المجلس الدولي لحقوق الانسان في  ” جنيف  ” للحد من الممارسات التي تستهدف الروهنجيا المسلمين.
والإشكالية القانونية التي أدت إلى اضطهاد مسلمي الروهنجيا تتمثل في قانون الجنسية الميانمارية لعام 1982، الذي ينفي المواطنة عن الروهنجيا على أسس عرقية تمييزية، فالمواطن الروهنجي مطالب بأن يقدم ما يثبت أن أسلافه استقروا في ميانمار قبل الاستقلال في عام 1948 لكي يتمتع بالمواطنة الكاملة في نظر القانون وهو أمر صعب إن لم يكن مستحيلا بالنسبة لمعظم الأسر المسلمة. 
وبالتالي فإن الحكومة والمجتمع هناك ينظرون إلى الروهنجيا على أنهم مهاجرون غير شرعيين من بنجلاديش ويتم حرمانهم من حقوق المواطنة الكاملة، والتصريحات الحكومية الرسمية تشير إلى ذلك صراحة حين تتعامل معهم على أساس أنهم ضمن الجالية البنجالية. 
وقد اعتمد مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالإجماع القرار الذي قدمته منظمة التعاون الإسلامي عن ميانمار تحت عنوان “حالة حقوق الإنسان للروهنجيا المسلمين والأقليات الأخرى في ميانمار” يوم 3 يوليو 2015 في جنيف. 
ويعبر اعتماد القرار دون تصويت عن الدعم القوي من قبل المجتمع الدولي، وخصوصاً الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، لمضمون هذا القرار المهم.
ويدين القرار، الذي تقدمت به باكستان نيابة عن منظمة التعاون الإسلامي، الانتهاكات الجسيمة والمنهجية لحقوق الإنسان والإساءات التي ارتُكبت في ولاية أراكان، ولاسيما ضد الروهنجيا المسلمين، ويدعو حكومة ميانمار إلى ضمان حماية حقوق الإنسان لجميع الأشخاص في ميانمار، بما في ذلك المسلمين. 
كما يدعو القرار حكومة ميانمار إلى اتخاذ التدابير اللازمة لضمان المساءلة ووضع حد للإفلات من العقاب لكل انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك من خلال إجراء تحقيق كامل وشفاف ومستقل في تقارير عن انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ، ويحث حكومة ميانمار على حماية أماكن العبادة التابعة لجميع الديانات.
ويدعو القرار أيضاً حكومة ميانمار، بالتعاون مع المجتمع الدولي ووفقاً للقانون الدولي، لضمان عودة جميع اللاجئين والمشردين إلى منازلهم، علاوة على ذلك، يحث القرار حكومة ميانمار على منح حقوق المواطنة الكاملة، وذلك ضمن الإجراءات القانونية الواجبة والشفافة، للروهنجيا ومراجعة قانون الجنسية لعام 1982.
من جانبه، كشف صلاح عبدالشكور مدير المركز الإعلامي الروهنجي ووكالة أنباء أراكان عن قيام الحكومة الميانمارية خلال الإحصاء السكاني الأخير الذي جرى العام الماضي، بمحاولة إقناع المسلمين من الروهنجيا باستخراج ما يعرف باسم ” البطاقة البيضاء” والتي تعني أنه غير مواطن وسيتم النظر في تحديد هويته لاحقاً ، مشيراً إلى أن مثل هذه البطاقات منحت للروهنجيا قبل 30 عاماً بحجج مماثلة ولم يتم تسجيلهم في كشوف المواطنين في ميانمار من وقتها.
وأشار عبدالشكور، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية  ” قنا “، إلى أن أعداداً كبيرة من سكان أراكان رفضوا هذه الإجراءات كما رفضوا أن يدوّن في خانة الجنسية ببطاقات الهوية أنهم “بنغال” خلافاً للواقع والحقيقة والتاريخ، لذلك لم يتم حسابهم في الإحصاء السكاني وبقي موقفهم معلقاً، مؤكدا على أن الأوضاع في ولاية أراكان ذات الأغلبية المسلمة على حالها منذ عام 2012 ولم يتغير شيء وإن كانت الأمور تسير إلى الأسوأ كل يوم.
وقال عبدالشكور إن المواطن الروهنجي داخل ميانمار محروم من كافة حقوقه الإنسانية ، فلا يملك حق السكن أو البيع والشراء أو حتى تملك هاتف جوال، بالإضافة إلى الممارسات الممنهجة المتمثلة في القتل العمد والاعتقالات ، وكل هذه الممارسات دفعت الروهنجيا للهرب والفرار إلى الدول المجاورة.
وأضاف أن “حكومة ميانمار تتبع “أسلوباً ناعماً” يتمثل في توظيف تجار بشر لإغراء الروهنجيين بالهرب عبر البحر إلى إندونيسيا وبنجلاديش وماليزيا وتايلاند، وبالتالي لا يعودون إلى أرضهم مرة ثانية أو يموتون غرقا”ً.
وأكد صلاح عبدالشكور وجود روايات من مواطنين فروا عبر البحر ترصد المأساة التي عاشوها، فبعض الرحلات تستمر في عرض البحر لنحو ثلاثة أشهر بدون مياه أو طعام كاف، الأمر الذي يؤدي إلى وفاة العشرات من النساء والأطفال، مشيرا إلى أن هناك عائلات بالكامل قضت موتاً وغرقاً بسبب تلك القوارب المميتة.
وقال إن القارب الواحد يحمل من 300 إلى 900 فرد وفي الغالب لا تصل تلك الرحلات إلى شواطئ الدول المجاورة نظراً لقيام بعض المهربين بترك القارب في وسط المياه والهرب منه ليواجه الفارون مصيرهم بأنفسهم ، كما تم رصد حالات اغتصاب على متن هذه القوارب وعمليات إعدام بالغرق لمن يعترض أو يطلب مياها صالحة للشرب.
وأثنى مدير المركز الإعلامي الروهنجي على المعاملة الحسنة التي يلقاها الفارون في مخيمات اللجوء بماليزيا وإندونيسيا، مطالبا في الوقت ذاته بإعادة النظر في إجراءات الأمن والسلامة داخل مخيمات تايلاند، حيث تعرض العديد من مسلمي الروهنجيا هناك للاحتجاز والخطف.
وحول أعداد الفارين إلى دول الجوار، أشار صلاح عبدالشكور إلى عدم وجود إحصاء رسمي دقيق، لكن من خلال البيانات التي أمكن الحصول عليها فإن بنجلاديش وحدها تستضيف قرابة 350 ألف لاجئ روهنجي، تليها ماليزيا 90 ألف لاجئ ، وتايلاند 35 ألف لاجئ، ثم إندونيسيا 10 آلاف لاجئ روهنجي.
كما أشار إلى وجود أعداد ليست بالقليلة من مسلمي الروهنجيا في سجون الدول المضيفة، بتهم دخول هذه البلاد بطرق غير شرعية.
وأشاد مدير المركز الاعلامي الروهنجي بالجهود التي تبذلها دولة قطر عبر منظمة التعاون الإسلامي ومن خلال جمعياتها الخيرية في تخفيف المعاناة عن شعب الروهنجيا في الداخل وفي دول اللجوء، مؤكداً أن القضية الروهنجية تحظى بعناية شاملة من قبل الحكومة ومنظمات الإغاثة والشعب القطري وهو أمر ليس بغريب عنها.
من جهتها، أكدت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، أن قضية مسلمي الروهنجيا تحظى بعناية خاصة من قبل المنظمة، موضحة أن موقف منظمة التعاون الإسلامي الثابت ينطلق من أن السبب الرئيسي للأزمة الحالية هو الوضع الأليم الذي يواجه مسلمي الروهنجيا في ميانمار.
وأشارت المنظمة، في بيان لها تلقت وكالة الأنباء القطرية (قنا) نسخة منه، إلى أن الأوضاع المتدهورة في إقليم أراكان ،منذ عام 2012، دفعت بمسلمي الروهنجيا إلى فرار نحو 100 ألف على متن قوارب لا تصلح للإبحار، وذلك نتيجة للقمع والاضطهاد وخوفا من سوء المعاملة والقتل، وغالبا ما يؤدي ذلك بهم وبمهاجرين آخرين إلى أن يقعوا في أيدي المتاجرين بالبشر معدومي الضمير.
وأكدت أن المنظمة مهتمة بمحنة مسلمي الروهنجيا على مدى السنوات الماضية، مشيرة إلى أنها دعمت بشكل فاعل نضالهم لاستعادة جنسيتهم كمواطنين لميانمار التي كانت قد سحبتها منهم الحكومة في عام 1982، ولوقف العنف الذي يتعرضون إليه والتمييز الممارس ضدهم.
وأضافت الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي، أن المنظمة ساعدت في تأسيس “اتحاد روهنجيا أراكان” ككيان يمثلهم في كل أنحاء العالم في جميع المنتديات الدولية سعياً لحشد دعم المجتمع الدولي ولزيادة الوعي في ما يتعلق بقضيتهم، كما تبنت منظمة التعاون الإسلامي أيضا خطة عمل لإقناع حكومة ميانمار لاتخاذ خطوات ضد أولئك الذين يروجون لخطاب الكراهية ويحرضون على العنف ضد مسلمي الروهنجيا، كما تجري حواراً بين الطوائف والأديان لمواجهة خطاب الكراهية واستعادة التسامح المجتمعي التاريخي بين جميع المواطنين في ميانمار.
وأشارت إلى أن المنظمة تدفع قدماً، من خلال جهودها، للسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم، والاستثمار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية لإقليم أراكان، والسماح للمساعدات الإنسانية الدولية بالوصول إلى المناطق المتضررة من العنف العرقي الذي اندلع في عام 2012، كما أوفدت منظمة التعاون الإسلامي بعثات لتقصي الحقائق إلى ميانمار، واقترحت على الحكومة فتح مكتب إنساني هناك، الأمر الذي قوبل برفض شامل لا معنى له من قبل السلطات في ميانمار.
وأشارت إلى أنه خلال العام الجاري واصلت منظمة التعاون الإسلامي تقديم المساعدات الإنسانية للتخفيف من معاناة مسلمي الروهنجيا المشردين في ميانمار، حيث يشرف المبعوث الخاص لمنظمة التعاون الإسلامي إلى ميانمار تان سري سيد حامد البار، على عمليات المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمة وخلال شهر يوليو الماضي تم توزيع مساعدات غذائية وإغاثية على أكثر من 1500 لاجئ من مسلمي الروهنجيا في منطقة “كايانغ” بماليزيا، كجزء من جهود منظمة التعاون الإسلامي المستمرة لمساعدة اللاجئين عبر جنوب شرق آسيا، حيث يوجد أكثر من 40 ألف لاجئ مسجل من الروهنجيا في ماليزيا وحدها.
وأضافت أن المبعوث الخاص للمنظمة يضطلع بدور فاعل في المنطقة، حيث ينخرط بشكل مباشر مع الأطراف الفاعلة على أرض الواقع، كما قدم أيضا تقريرا في اجتماع وزاري لفريق الاتصال المعني بأقلية الروهنجيا عقد على هامش الدورة الثانية والأربعين لمجلس وزراء خارجية الدول الإسلامية الذي عقد في الكويت يومي 27 و 28 مايو 2015.
وخلال هذا الاجتماع، أعلن وزيرا خارجية ماليزيا وإندونيسيا القبول بدخول قوارب المهاجرين الروهنجيا كلاجئين في بلديهما ، وأنهما سوف يوفران لهم المأوى بصفة مؤقتة، وتعهدت دول أخرى من أعضاء منظمة التعاون الإسلامي بتقديم الدعم للاجئين.
وقد تبرعت دولة قطر بمبلغ 50 مليون دولار، في حين أعلنت تركيا أنها ستقدم مليون دولار كما أنها سترسل سفينة تابعة للبحرية التركية على متنها موظفو إغاثة لمساعدة المهاجرين، كما قدمت باكستان منحة خاصة في صورة مساعدات غذائية بقيمة 5 ملايين دولار لكي توزع على لاجئي الروهنجيا في ميانمار، وكذلك في كل من ماليزيا وإندونيسيا وتايلاند.
شارك
×