وكالة أنباء أراكان ANA: (نون بوست)
بقلم/ أحمد الشلقامي
إن الصمود الذي يواجه به الروهنجيا الشعب الذي لا يمتلك حتى حق التنقل في بلده، ولا التعبير ولا التعليم ولا التملك، بل ولا الدفاع عن نفسه، لهو إضاءة تستحق التقدير والأمل، فقد فشل التعداد الإحصائي في كسر شوكة وصمود هؤلاء، برغم استغلال الحكومة لأوضاعهم ومحاولتها فرض ما يُعرف بصفة أو لفظ “البنغال” عليهم، إلا أن الغالبية العظمى من أبناء الروهنجيا رفضوا ذلك.
خلال الأشهر القليلة الماضية، تتابعت الأحداث بشكل لافت فيما يتعلق بقضية الروهنجيا المسلمين، وما يقع عليهم من انتهاكات تجاوزت حدود موطنهم الأصلي في ميانمار إلى الدول التي يفرون إليها لاجئين (تايلاند، بنجلاديش، الهند ، ماليزيا)، وشهدت الأحداث الأخيرة تسليطًا للضوء على ما يتعلق بأحداث الاتجار بالبشر للاجئين الفارين في بعض الدول ومنها تايلاند.
والاتجار بالبشر مصطلح ارتبط دائمًا في الأذهان بتجارة الرقيق، وبيع النساء خاصة، والأطفال؛ لأعمال تنافي الآداب وتخالف القانون، وبالفعل هذا وصف مختصر لهذه الجريمة، إلا أن الواقع في ميانمار والمتعلق بالانتهاكات التي تحدث في مفهوم البشر فاق أن يكون جريمة، لأنه كارثة بكل المقاييس، فالروهنجيا هو مسمى مرتبط بتاريخ امتد لأكثر من 300 عام، حضارة بما تعنيه الكلمة والدلالات، والوثائق موجودة الآن، هذا المسمى يراد له أن يمحى، وهناك خطوات تجاوزت القتل والتشريد والبيع إلى المحو للإرث الثقافي والحضاري والوجودي لهذه الأقلية.
دلالات ذلك
هناك الكثير من الدلالات، لكن أريد أن أؤصل لأمر مهم، وهو عنوان ما يحدث في ميانمار ضد الروهنجيا: “إبادة جماعية منظمة وممنهجة، بآليات وسبل الحرب الطائفية، برعاية حكومية مؤيدة لفئة من الشعب ومحسوبة عليه؛ وهم البوذيون، بتواطؤ دولي ربما لم يشهده العالم سوى مع الكيان الصهيوني، وربما تجاوزت بورما ذلك”.
الإحصاء نقطة فارقة
في عام 2014 تم إجراء إحصاء قامت به حكومة بورما، وهو الذي تم بعد 30 عامًا من آخر إحصاء أُجري في ميانمار، وكانت مشاركة الأمم المتحدة هذا الإحصاء نقطة فاصلة في عنوان الموضوع “الاتجار بالبشر”؛ حيث تم الإحصاء بقوائم تحتوي استبانة بها تساؤل خبيث – إن صح التعبير – وهو سؤال عن العرق، ووضعت خانات لـ 135 عرقية، دون أن يوضع فيها “الراخين”؛ وبالتالي كان ذلك إعلانًا رسميًا بموافقة ضمنية من الأمم المتحدة من أجل طمس هوية وثبوتية بشر تجاوزت أعدادهم الملايين، ووقع ذلك بالرغم من حجم الإدانات التي وجهت لهذه الخطوة؛ حيث وجهت هيومن رايتس ووتش، ومجموعة الأزمات الدولية، تحذيرًا من خطورة هذا التصنيف وهذه الخطوة، ولكن مر الأمر وتم الإحصاء.
فرانسس ويد، مقيم في تايلاند، وهو صحفي مستقل وناشط في القضايا الحقوقية، في مقال له في مايو الماضي، حذر أيضًا من خطورة الإحصاء وإجراءاته على الروهنجيين ليس فقط الموجودين في أرضهم، بل أيضًا اللاجئين، حيث أكد أن هذا الإحصاء جعل الروهنجيا يقعون على الأرجح ضحية لمزيد من أعمال العنف المنظمة، حيث إن الإحصاء يتضمن إنكارًا لوجود المجموعة العرقية.
وقد أشار تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن بنود قانون المواطنة البورمي الذي يحدد الحق في الحصول على ثلاثة أنواع من المواطنة البورمية، يحرم الروهنجيا من إمكانية الحصول على الجنسية.
إضاءات
إن الصمود الذي يواجه به الروهنجيا الشعب الذي لا يمتلك حتى حق التنقل في بلده، ولا التعبير ولا التعليم ولا التملك، بل ولا الدفاع عن نفسه، لهو إضاءة تستحق التقدير والأمل، فقد فشل التعداد الإحصائي في كسر شوكة وصمود هؤلاء، برغم استغلال الحكومة لأوضاعهم ومحاولتها فرض ما يُعرف بصفة أو لفظ “البنغال” عليهم، إلا أن الغالبية العظمى من أبناء الروهنجيا رفضوا ذلك، ونقلت الكثير من المواقع الإخبارية شهادات عن بعضهم بأنهم روهنجيون ولن يتنازلوا عن ذلك.
برغم هذه القسوة، ورغم هذا السوء الذي يتعامل معه النظام الدولي برمته باستخفاف منقطع النظير، هناك إضاءات لابد من الإشارة إليها؛ أولها دور المملكة العربية السعودية الداعم لأبناء الروهنجيا، خاصة الجالية الموجودة بالمملكة، حيث تم إقرار تسوية أوضاع الجالية البورمية التي تضم مئات آلاف المسلمين الروهنجيين، بجانب الاعتراف بشهاداتهم التعليمية وقبولهم بالمؤسسات الحكومية وغيرها، مع الدور الفاعل لنشطاء القضية، وهناك نقلة حقيقية في تغطية القضية وتناولها.
الشق الآخر وجود بوادر أمل لاستجابة إقليمية، وهنا أشير لتصريح نائب وزير الخارجية الماليزي عن جهود لدعم أقلية الروهنجيا، وللعلم، هناك أكثر من 40 ألفًا مسجلون في ماليزيا، وفقًا لمفوضية شؤون اللاجئين، وهناك مساحة للمؤسسات الإنسانية لتقديم الدعم للفارين، وهناك أيضًا برغم التوجه الأممي المتمثل في الرضوخ لضغوط حكومة ميانمار في شأن عدم استخدام مصطلح “الروهنجيا” والذي عبّرت عنه مقررة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان في ميانمار، بعد أن زارتها حيث قالت: لقد طلب مني مرارًا وتكرارًا عدم استخدام اسم الروهنجيا، لأن الحكومة لا تعترف به، إلا أن الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، يواصل استخدامه.
كادر
عشرات الأطفال الروهنجيين يسقطون في براثن تجار البشر التايلانديين، فقد قالت الشرطة التايلاندية: “إن عشرات الأطفال عثر عليهم في شاحنات في جنوب تايلاند، بعد أن زادت السلطات نقاط التفتيش لمكافحة الاتجار في الروهنجيا المهربين من بورما، وذلك بحسب وكالة أنباء أراكان.
وقال سومبورن تونجشي، نائب مفتش الشرطة في مقاطعة “هوا ساي”: يجري استجواب سائقين تايلانديين للاشتباه باتجارهما بالروهنجيا – وهي أقلية مسلمة – وتهريبهم من غرب بورما، بحسب وكالة أنباء أراكان.
وطاردت الشرطة خمس عربات، منها ثلاث شاحنات صغيرة عند نقطة تفتيش مقاطعة “هوا ساي” في إقليم “ناكون سي تامارات”، على بعد نحو 700 كيلومتر من العاصمة بانكوك، وعُثرت على عشرات من الرجال والنساء والأطفال، شديدي النحافة المرهقين.
ومن بين هذه المجموعة كان هناك 42 فتى وفتاة تقل أعمارهم عن 14 عامًا، كما توفي أحد الروهنجيا من ضمن هذه المجموعة.


