وكالة أنباء أراكان ANA: (قنطرة)
تكررت المواجهات الدموية بين البوذيين والمسلمين في بورما بعد سنة 2012م، واتهم الناشطون الحقوقيون الحكومة وقوات الأمن بالتصفية العرقية والتورط في أعمال قتل واضطهاد ضد الأقلية المسلمة في هذا البلد الآسيوي.
الكاتبة الألمانية شارولته فيدمان انتقدت صمت أيقونة حقوق الإنسان في بورما السيدة سو تشي عن مذابح تصفية جرت في حق المسلمين في بلادها ذات الأغلبية البوذية.
الكاتبة الألمانية شارولته فيدمان انتقدت صمت أيقونة حقوق الإنسان في بورما السيدة سو تشي عن مذابح تصفية جرت في حق المسلمين في بلادها ذات الأغلبية البوذية.
أن نتأثر أو لا نتأثر عندما يكون هناك بشر يلقون ويلات العذاب في مكان قصي من المعمورة فذلك أمر يظل رهن عاملين مهمين، وهما: هل تدرج وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ما يحدث ضمن دائرة اهتماماتها، وتختزل لنا بذلك المسافات الجغرافية والثقافية التي تفصلنا عنه؟ ثم هل توجد رموز (أيقونات) لتلك المعاناة أو ذلك الصراع تشكل عناصر تتجسد فيها هوية تلك الوقائع وتنعكس على سطحها المآسي والمظالم بطريقة تجعلها تحرك وجداننا المتَّسم بخصوصياتنا الثقافية الغربية؟
تمثل ميانمار اليوم، أو بورما كما يزال يسميها البعض، شيئا شبيها بيافطة تتجسد فوقها طرائق تأثير هذه الميكانيزمات ونتائجها الغريبة. ما من شخص كان يجسد الأيقونة في سنوات ماضية غير بعيدة مثل أون سان سو تشي، السيدة ذات الزهرة في شعرها، ويبدو كما لو أن الإدراك قد اكتسب معها هي فقط جسدا سياسيا حيّا، لطالما كان للهيأة الرشيقة الجذابة من وقع استطاع أن يحدد ملامح التخيل السياسي المجسد في صورة حية.
مشرّدون ومهمّشون
بعيدا عن هذا الشعاع الضوئي هناك في بورما مليون من البشر الذين تغمرهم العتمة: إنهم الروهنجيا المعلنون رسميا شعبا مشردا ومسلوبا من كل الحقوق المدنية تقريبا؛ فلا يحق لهم التنقل دون ترخيص رسمي، ولا أن ينجبوا أكثر من طفلين، وقد صنفتهم منظمة الأمم المتحدة كواحدة من الأقليات الإثنية الأكثر عرضة لأشد أنواع الاضطهاد في العالم.
يتعلق الأمر هنا بأقلية مسلمة في بلاد أغلبية شعبه من البوذيين، وبما أنه ليس هناك من شخصية أيقونيّة بين الروهنجيا، فليس هناك من تحقيقات حولهم، ولا صور عنهم تقريبا؛ أي أن لا أحد يرى نفسه متماثلا معهم، هكذا تظل معاناتهم بلا ملامح، بلا وزن، ولا تستطيع أن تُلحق برواية كبرى عندنا هنا (في أوروبا) على أية حال، ذلك أن الرواية الكبرى السائدة لدينا تضع المسلمين في منزلة الجناة المعتدين، لا في منزلة الضحايا.
أصبح لبورما اليوم شبابيك أوتوماتيكية لسحب الأموال ومشاغل بناء لتشييد فنادق فاخرة، وقد رفعت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إجراءات العقوبات عنها، والسيدة سو تشي تريد أن تصبح رئيسة للبلاد، وسيكون التدخل لمساندة حقوق الروهنجيا عملا غير ملائم لكسب الشعبية.
وجهت منظمة هيومن رايتس في تقرير اتهامات لبورما بتنفيذ حملة تطهير عرقي ضد أقلية الروهنجيا المسلمة، وتحدث التقرير عن إثباتات بخصوص وجود مقابر جماعية وعمليات ترحيل قسري لعشرات آلاف السكان المنتمين لأقلية الروهنجيا.
يتعلق الأمر هنا بأقلية مسلمة في بلاد أغلبية شعبه من البوذيين، وبما أنه ليس هناك من شخصية أيقونيّة بين الروهنجيا، فليس هناك من تحقيقات حولهم، ولا صور عنهم تقريبا؛ أي أن لا أحد يرى نفسه متماثلا معهم، هكذا تظل معاناتهم بلا ملامح، بلا وزن، ولا تستطيع أن تُلحق برواية كبرى عندنا هنا (في أوروبا) على أية حال، ذلك أن الرواية الكبرى السائدة لدينا تضع المسلمين في منزلة الجناة المعتدين، لا في منزلة الضحايا.
أصبح لبورما اليوم شبابيك أوتوماتيكية لسحب الأموال ومشاغل بناء لتشييد فنادق فاخرة، وقد رفعت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي إجراءات العقوبات عنها، والسيدة سو تشي تريد أن تصبح رئيسة للبلاد، وسيكون التدخل لمساندة حقوق الروهنجيا عملا غير ملائم لكسب الشعبية.
وجهت منظمة هيومن رايتس في تقرير اتهامات لبورما بتنفيذ حملة تطهير عرقي ضد أقلية الروهنجيا المسلمة، وتحدث التقرير عن إثباتات بخصوص وجود مقابر جماعية وعمليات ترحيل قسري لعشرات آلاف السكان المنتمين لأقلية الروهنجيا.
ويبلغ عدد الروهنجيا حوالي 800 ألف شخص يقيمون في ولاية أراكان، وتعتبرهم الأمم المتحدة إحدى الأقليات الأكثر تعرضا للاضطهاد في العالم. وقد حرمهم المجلس العسكري الحاكم سابقا من الجنسية. وتفيد الأمم المتحدة أن أكثر من 13 ألف شخص من الروهنجيا فروا بحرا عام 2012م من بورما وبنغلادش من أعمال العنف الطائفية بين الأكثرية البوذية والأقلية المسلمة والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 200 شخص و140 ألف نازح في ولاية أراكان في غرب بورما، وغادر آلاف الروهنجيا (الذين يعتبرهم العديد في بورما مهاجرين غير شرعيين ولا يخفون العداء لهم) هربا من أعمال العنف وتوجهوا بحرا إلى ماليزيا بصورة خاصة.
حاليا تجري عمليات فرز نتائج الإحصائيات السكانية، وهي خطوة باتجاه الإعداد لانتخابات سنة 2015، وتوضيح المسائل المتعلقة بالتمثيلية العرقية في بورما ذات التركيبة الإثنية المتنوعة، إلا أن أقلية الروهنجيا تظل خارج اللعبة.د
حاليا تجري عمليات فرز نتائج الإحصائيات السكانية، وهي خطوة باتجاه الإعداد لانتخابات سنة 2015، وتوضيح المسائل المتعلقة بالتمثيلية العرقية في بورما ذات التركيبة الإثنية المتنوعة، إلا أن أقلية الروهنجيا تظل خارج اللعبة.د
الروهنجيا لا يدخلون في الحسبان
كل من سيعرّف بنفسه كشخص ينتمي إلى الأقلية المسلمة أمام موظفي الإحصاء عند السؤال عن الانتماء الديني والعرقي سيتم إلغاؤه من الإحصائيات بتوصية من الحكومة، فمن يحسب الروهنجيا من ضمن السكان فسيكون قد وقع منذ البداية في سوء فهم لمسألة الجنسية القومية، كما يقول وزير السكان في ميانمار.
الروهنجيا بحسب الرؤية الرسمية، التي يبدو أن عددا كبيرا من مواطني البلاد يشاطرها، هم مهاجرون غير شرعيين قادمون من بنغلاديش، ليس أكثر، لكن من هم الروهنجيا في الحقيقة؟ بعض المؤرخين ينسبونهم إلى أصول بحارين من العرب قد اختلطوا بالسكان المحليين منذ القرنين السابع والثامن ميلادي، تَلَتْهم من بعدُ موجات إضافية من المهاجرين، وبالتالي فليس الروهنجيا من أصل عرقي أو إثني موحد، لكن تربط بينهم مع ذلك لغة وثقافة مشتركتان.
ومقاطعة أراكان حيث يتمركز وجود الروهنجيا اليوم كانت في ما مضى مملكة مستقلة تحمل اسم أراكان قد بسطت نفوذها لمدة من الزمن على أجزاء من بلاد البنغال، ثم تم ضمها من قبل السلطة الاستعمارية البريطانية إلى بورما رغما عن إرادة سكانها، وقد تعايش فيها من قبل المسلمون والبوذيون في جو من الوئام والسلام.
الروهنجيا بحسب الرؤية الرسمية، التي يبدو أن عددا كبيرا من مواطني البلاد يشاطرها، هم مهاجرون غير شرعيين قادمون من بنغلاديش، ليس أكثر، لكن من هم الروهنجيا في الحقيقة؟ بعض المؤرخين ينسبونهم إلى أصول بحارين من العرب قد اختلطوا بالسكان المحليين منذ القرنين السابع والثامن ميلادي، تَلَتْهم من بعدُ موجات إضافية من المهاجرين، وبالتالي فليس الروهنجيا من أصل عرقي أو إثني موحد، لكن تربط بينهم مع ذلك لغة وثقافة مشتركتان.
ومقاطعة أراكان حيث يتمركز وجود الروهنجيا اليوم كانت في ما مضى مملكة مستقلة تحمل اسم أراكان قد بسطت نفوذها لمدة من الزمن على أجزاء من بلاد البنغال، ثم تم ضمها من قبل السلطة الاستعمارية البريطانية إلى بورما رغما عن إرادة سكانها، وقد تعايش فيها من قبل المسلمون والبوذيون في جو من الوئام والسلام.
سحب الجنسية عن الروهنجيا
عند استقلال بورما سنة 1948 تم الاعتراف بالروهنجيا كفصيلة إثنية من الشعب البورمي، لكن بدءاً من سنة 1962، تاريخ استيلاء الجيش على السلطة، شرعت الدولة في سحب الجنسية عنهم تدريجيا. وظلت المحاولات تتكرر بصفة مستمرة لتهجيرهم من مقاطعة موطنهم الأصلي.
وخلال السنتين الأخيرتين راح الروهنجيا يتعرضون إلى العديد من اعتداءات عصابات إجرامية، فيما يعمل متعصبون بوذيون من دعاة الكراهية على تأجيج المشاعر العدوانية ضدهم.
وفي الأثناء أصبح هناك 140 ألف روهنجي يعيشون مكدسين داخل مخيمات للاجئين، ومؤخرا رأى أفراد منظمة “أطباء بلا حدود” أنفسهم يُمنعون من القيام بعمل المساعدة التي يقومون بها تجاههم؛ بينما طردت مجموعات أخرى من أفراد المساعدة الإنسانية بطريقة عنيفة.
وفي ظل هذه الأوضاع يحاول العديد من الروهنجيين الهجرة على متن زوارق صيد باتجاه البلدان المجاورة مثل بنغلاديش وتايلند وماليزيا وإندونيسيا، وهناك حاليا حوالي 35 ألف لاجئ من المسجلين في ماليزيا وحدها.
أما السيدة أون سان سو تشي فقد اكتفت بانتقاد سياسة تحديد المواليد بطفلين، دون كلمة عن مذابح التصفية، ودون كلمة عن إقصائهم من تعداد السكان؛ فإبداء المساندة لهؤلاء الأجانب المزعومين بإمكانه أن يعيق مشاغل أخرى حالية للزعيمة السياسية؛ وحتى تستطيع أن تصبح رئيسة للبلاد عليها أن تتوصل أولا إلى إحداث تعديل على دستور البلاد الذي يمنع في صيغته الحالية أي شخص متزوج من أجنبي أو له أطفال من أجنبي، من تبوؤ المركز الأعلى في هرم السلطة، والحال أن أبناء سو تشي من زوجها المتوفى يحملون الجنسية البريطانية.
والليدي سو تشي على أية حال كانت على قناعة دوما بأنها تعرف جيدا ما الذي يمكن أن يكون مفيدا للديمقراطية في بورما، وهكذا نرى ابنة البطل القومي الجنرال أون سان تتحدث اليوم عن ضرورة رص صفوف الوحدة الوطنية داخل الأغلبية البورمية البوذية التي تنتمي إليها هي نفسها.
وفي ظل هذه الأوضاع يحاول العديد من الروهنجيين الهجرة على متن زوارق صيد باتجاه البلدان المجاورة مثل بنغلاديش وتايلند وماليزيا وإندونيسيا، وهناك حاليا حوالي 35 ألف لاجئ من المسجلين في ماليزيا وحدها.
أما السيدة أون سان سو تشي فقد اكتفت بانتقاد سياسة تحديد المواليد بطفلين، دون كلمة عن مذابح التصفية، ودون كلمة عن إقصائهم من تعداد السكان؛ فإبداء المساندة لهؤلاء الأجانب المزعومين بإمكانه أن يعيق مشاغل أخرى حالية للزعيمة السياسية؛ وحتى تستطيع أن تصبح رئيسة للبلاد عليها أن تتوصل أولا إلى إحداث تعديل على دستور البلاد الذي يمنع في صيغته الحالية أي شخص متزوج من أجنبي أو له أطفال من أجنبي، من تبوؤ المركز الأعلى في هرم السلطة، والحال أن أبناء سو تشي من زوجها المتوفى يحملون الجنسية البريطانية.
والليدي سو تشي على أية حال كانت على قناعة دوما بأنها تعرف جيدا ما الذي يمكن أن يكون مفيدا للديمقراطية في بورما، وهكذا نرى ابنة البطل القومي الجنرال أون سان تتحدث اليوم عن ضرورة رص صفوف الوحدة الوطنية داخل الأغلبية البورمية البوذية التي تنتمي إليها هي نفسها.
موقف استعلاء
أتذكر لقاءً لي مع سو تشي في مدينة يانغون قبل عشر سنوات، كانت الإقامة الجبرية المفروضة عليها قد رفعت عنها للتو آنذاك، وكانت تقوم في تلك الفترة بحوار مع الجنرالات الحاكمين في كنف سرية مطلقة.
في مقر قيادة حزبها، في بيت قاتم كئيب، لم تقع عيناي إلا على لوحة محكمة على الجدار كعنصر ديكور وحيد: صورة بحجم طبيعي لـ أون سان سو تشي ووالدها، بينما كانت هي تقف هناك بزهرتها الأبدية التي تزين شعرها، بهيئة سلطوية وباردة.
خلال المحادثة كانت تحاضِر من موقع فوقي بأنجليزيتها الأوكسفوردية؛ وكانت ترد على كل سؤال من أسئلتي، بما فيها الأكثر لطفا وتهذيبا بلهجة شديدة معنِّفة، في ذلك الحين كان عدد من أعضاء الحزب قد بدؤوا ينعتونها بالدكتاتورة.
خلال المحادثة كانت تحاضِر من موقع فوقي بأنجليزيتها الأوكسفوردية؛ وكانت ترد على كل سؤال من أسئلتي، بما فيها الأكثر لطفا وتهذيبا بلهجة شديدة معنِّفة، في ذلك الحين كان عدد من أعضاء الحزب قد بدؤوا ينعتونها بالدكتاتورة.
أون سان سو تشي التي تربت في أحضان الجنرالات وهي لا تزال رضيعة، ظلت حتى أثناء إقامتها الجبرية شخصا من الطبقة العليا للمجتمع، ولئن لم تُستثْنَ من الإهانة، فإنها لم تكن معزولة تماما، فأي شيء يمكن أن يربطها إذًا ببشر مغمورين في مناطق الظل مثل الروهنجيا!
لكن أهم من الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى شخصية الأيقونة سابقا، هو اليوم النقد الذي ينبغي أن نسلطه على آليات تكوين الأيقونات والرموز، وعلى ذلك النزوع الهوسي السخيف لشخْصنة أوضاع معقدة، والتبسيط الذي يجعلنا نضع مقابل الجنرالات الشريرين في يانغون صورة لشعب لطيف ناعم ومضطهد؛ شعب نعتقد أنه لا بد أن يكون لطيفا ناعما، لا لشيء إلا لأن هناك بوذيّة ومعابد جميلة.
لكن أهم من الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى شخصية الأيقونة سابقا، هو اليوم النقد الذي ينبغي أن نسلطه على آليات تكوين الأيقونات والرموز، وعلى ذلك النزوع الهوسي السخيف لشخْصنة أوضاع معقدة، والتبسيط الذي يجعلنا نضع مقابل الجنرالات الشريرين في يانغون صورة لشعب لطيف ناعم ومضطهد؛ شعب نعتقد أنه لا بد أن يكون لطيفا ناعما، لا لشيء إلا لأن هناك بوذيّة ومعابد جميلة.


