أكتوبر 29, 2026

ممرات الموت.. الروهينجا بين الجوع ومصائد الاتجار بالبشر

28 أكتوبر 2026

“لم تكن لدينا ضمادات، ولا وسائل لإيقاف النزيف، ولا أي أدوية يمكن تقديمها للمصابين”. بهذه الكلمات يستعيد خير الأمين، وهو روهينجي يقيم في مخيم جامتولي ببنغلاديش، معاناة الفارين من ولاية أراكان عام 2017، حين اضطر المصابون إلى مواصلة السير عبر الجبال من دون رعاية طبية.

لم يكن الوصول إلى الأمان مضمونا بعد مغادرة القرى. فقد واجه الفارون الجوع والعطش والإصابات، بينما تعرض آخرون للاستغلال والابتزاز على طرق العبور.
وفي مسارات الهجرة بجنوب شرق آسيا، توثق تقارير أممية مخاطر الاحتجاز والاتجار بالبشر، إلى جانب وفيات وفقدان أشخاص خلال رحلات البحث عن الحماية.

رحلة عبر الجبال

يقول خير الأمين، الذي عمل قرابة أربع سنوات مع منظمة أطباء بلا حدود، إن الرحلة من مناطق بعيدة مثل بوسيدونغ استغرقت بين 15 و20 يوما. وسارت مجموعات تضم أطفالا ومسنين عبر الجبال والجداول المائية والنباتات الشائكة، حتى نفد الطعام لدى كثيرين.
ويضيف: “لم تكن هناك مياه نظيفة للشرب أو أغذية متاحة، فكان الناس يعانون الجوع والعطش”.

وبحسب شهادته، عانى فارون من الإسهال والجفاف وسوء التغذية، فيما واجهت نساء ظروفا خطرة أثناء الولادة. ولم تتوفر للمصابين مستلزمات الإسعاف الأساسية، ما صعّب التعامل مع الجروح والنزيف خلال الرحلة.

ويتذكر الأمين إحدى الأسر التي كانت ترافق والدها المسن، بعدما نفد طعامها ووصلت منهكة إلى جدول مائي. ومع عجز أفرادها عن حمله ومواصلة الطريق، “اضطرت إلى اتخاذ قرار مؤلم بتركه خلفها، بعدما عجزت تماما عن اصطحابه”. ويقول إن أسرا أخرى واجهت ظروفا مشابهة.

كما يقول إنه شاهد جثث منتشرة في الغابات والوديان، ويقدّر أن بعض المواقع ضمت ما بين 20 و50 جثة. ويظل هذا العدد تقديرا مستندا إلى شهادته الشخصية عن أحداث عام 2017، وليس حصيلة مستقلة جرى التحقق منها.

ممرات الموت.. الروهينجا بين الجوع ومصائد الاتجار بالبشر
مخيم لتهريب البشر في تايلاند بالقرب من الحدود الماليزية (صورة: مواقع التواصل الاجتماعي)

 شبكات التهريب

ولم تقتصر الانتهاكات على مشقة عبور الجبال. يقول رضوان خان، ناج وناشط حقوقي يقيم في مخيمات بنغلاديش، إن بعض الفارين، لجهلهم بالطرق الحدودية، تعرضوا للخداع على أيدي مهربين وأشخاص محليين استغلوا حاجتهم إلى النجاة.

ويوضح أن بعضهم اقتاد الفارين عبر مسارات ملتوية أو هددهم للاستيلاء على ما تبقى معهم من نقود ومقتنيات ثمينة. وفي مسارات أخرى تمتد عبر ميانمار وتايلاند وصولا إلى ماليزيا، واجه روهينجا مخاطر مختلفة.

ويقول رو مايو إسلام، الناشط الروهينجي ومؤسس مركز دراسات أزمة الروهينجا، إن شبكات التهريب قد تعد اللاجئين بإيصالهم إلى وجهتهم، ثم تطالبهم بمبالغ إضافية أو تحتجزهم للضغط على أسرهم ودفع فدية.

وتشمل الانتهاكات، بحسب إفادته، التجويع والعنف والتهديد، فيما تواجه النساء والفتيات مخاطر إضافية، بينها الاستغلال والعنف الجنسي.

وتوضح دراسة لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة صدرت عام 2024، أن تهريب الروهينجا إلى تايلاند وماليزيا يجري عبر مسارات برية وبحرية، وقد يتضمن التنقل بين عدة دول ووسائل نقل.

وتشير الدراسة إلى أن الشبكات تستفيد من محدودية قنوات الهجرة النظامية ومن حاجة أشخاص إلى الوصول إلى الحماية أو فرص العمل.

ممرات الموت.. الروهينجا بين الجوع ومصائد الاتجار بالبشر
عناصر فرق الإنقاذ يتفقدون موقع مقبرة جماعية تم اكتشافها في معسكر مهجور وسط الغابات جنوب تايلاند، مايو 2015 (صورة: وكالة فرانس برس)

 أدلة وتحذيرات

وفي تحديث عن مسارات الروهينجا حتى 30 سبتمبر 2024، أفادت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن أكثر من 2800 روهينجي كانوا معروفين لديها بوصفهم محتجزين خارج ميانمار.

كما أحالت مجموعة العمل المعنية بمكافحة الاتجار بالبشر في كوكس بازار 231 ضحية إلى خدمات المساعدة بين يناير وسبتمبر من العام نفسه.

وحذرت المفوضية من أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الكامل للاتجار بالبشر. وتشمل المخاطر الموثقة الاحتجاز المطول والعنف والابتزاز وفصل أفراد الأسر، إلى جانب استغلال النساء والفتيات والأطفال.

كما كشفت المقابر الجماعية عن خطورة هذه الشبكات، حيث عثرت السلطات التايلاندية عام 2015، على رفات نحو 30 شخصا قرب معسكرات احتجاز للمهربين في المنطقة الحدودية بين تايلاند وماليزيا.

وفي يوليو 2017، أدانت محاكم تايلاند 62 شخصا في قضية اتجار بالبشر مرتبطة بالروهينجا ومهاجرين آخرين، بينهم مسؤولون حكوميون، وفق منظمة “هيومن رايتس ووتش”.

ويرى رو مايو إسلام أن الحد من هذه الانتهاكات يتطلب تنسيقا إقليميا للتحقيق في شبكات الاتجار، وتحديد مواقع الاحتجاز وإنقاذ الموجودين فيها، ومحاسبة المتورطين.

داعيا إلى توفير العلاج والمساعدة القانونية للناجين، بدلا من إخضاعهم تلقائيا للاحتجاز أو الترحيل، وإتاحة مسارات آمنة للوصول إلى الحماية.

ومع انعدام الجنسية وغياب مسارات آمنة، يتحول الطريق الذي يسلكه الروهينجا هربا من الاضطهاد إلى خطر جديد يهدد حياتهم. فيما يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله. متى تنتهي رحلات الموت؟ وينعم الروهينجا بحياة كريمة؟

شارك
×