وكالة أنباء أراكان | خاص
لا تمثل سيطرة جيش أراكان (الانفصالي) على كامل مدينة “مونغدو” في ولاية أراكان غربي ميانمار مجرد أميال جديدة تنضم إلى المناطق الواقعة تحت سيطرته سابقاً فحسب، بل تمثل حلقة جديدة في سلسلة الانتهاكات بحق الروهينجا الذين يمثلون أغلبية سكان المدينة.
نجح جيش أراكان في السيطرة على “مونغدو” في 8 ديسمبر الماضي، لكن هذه السيطرة اقترنت بتحقيق سيطرته الكاملة على الحدود مع بنغلادش، ليصبح بذلك مسيطراً على أغلب المدن والبلدات التي يقطنها الروهينجا في ولاية أراكان، وقد صعّد من ارتكاب انتهاكات موسعة بحق الروهينجا طالت جميع مناحي حياتهم، بدءاً من مصادرة الممتلكات وفرض الضرائب وحتى النزوح القسري والتجنيد والابتزاز والتضييق الأمني، ما أدى إلى زيادة وتيرة محاولات فرارهم من الولاية.
لم تكن الانتهاكات أمراً جديداً بالنسبة للروهينجا الذين يتعرضون منذ عام 2017 لحملة قمع وُصفت على نطاق دولي واسع بأنها “إبادة جماعية” من قبل جيش ميانمار، ويقعون بين رحى الصراع بين جيش ميانمار وجيش أراكان منذ نوفمبر 2023، لكن حلقات الانتهاكات الأخيرة التي تعرض لها الروهينجا في أراكان، وخاصة في “مونغدو”، ربما تنذر بأن الأسوأ لا يزال بانتظارهم.
الهجوم بالمسيرات
وجاء حادث استهداف حشود من الروهينجا في “مونغدو” في نهاية ديسمبر الماضي بطائرة مسيرة “مجهولة” ليؤكد أن غموض المصير سيكتنف حياة الروهينجا في الشهور المقبلة، إذ لقي 40 شخصاً مصرعهم وأُصيب 20 آخرون في هجوم اتهم السكان جيش أراكان بالمسؤولية عنه، فيما لم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عنه.
ويعد هذا الهجوم الثاني من نوعه خلال عام 2024، بعد الهجوم الأول الذي وقع في 5 أغسطس الماضي، حين استهدفت طائرات مسيرة حشوداً من الروهينجا تجمعوا على ضفة نهر ناف أثناء محاولتهم الوصول إلى بنغلادش، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 200 شخص، وقد أثبتت منظمات حقوقية لاحقاً أن جيش أراكان كان مسؤولاً عن هذا الهجوم.
التهجير القسري ومنع العودة
وواصل جيش أراكان عملياته لفرض السيطرة على مناطق الروهينجا في الولاية، وأحرق، شهر ديسمبر الماضي، مئات المنازل في مدينة “بوثيدونغ” تعود للروهينجا الذين أجبرهم على النزوح منها قبل شهور، وذلك في محاولة لمنعهم من العودة إليها بعد انتهاء الأعمال القتالية في المدينة.

وامتدت عمليات حرق المنازل أيضاً إلى مدينة “مونغدو”، حيث طرد جنود جيش أراكان الروهينجا من منازلهم وشرعوا في مصادرتها وحرقها، وزعم جيش أراكان أنه ينفذ هذه العمليات للبحث عن جنود جيش ميانمار الفارين من القتال، لكن استهداف منازل الروهينجا لم يتوقف عند الحرق والمصادرة فقط، حيث أمر الروهينجا في قريتين بمدينة “بوثيدونغ” بهدم منازلهم بأيديهم، زاعماً أحقيته في ملكية الأراضي والأصول بعدما سيطر على هذه المناطق بقتاله ضد جيش ميانمار.
وبدأت الأسباب الحقيقية لهذا التضييق على الروهينجا في “مونغدو” تتضح، بعدما أخبر جيش أراكان سكان قريتين أنهم لن يتمكنوا من العودة إلى قراهم ومنازلهم أبداً، وأن خياراتهم باتت محصورة بين النزوح للعيش لدى أقاربهم في قرى أخرى يقطنها مسلمون، أو العيش في أرض خاوية خصصها لهم، أو حتى مغادرة ميانمار كلياً.
وقال السكان حينها إن حتى خيار البقاء في أرض خاوية في “مونغدو” يبدو محفوفاً بالمخاطر، إذ خصص لهم جيش أراكان أرضاً متاخمة لمقر كتيبة شهدت قتالاً عنيفاً بين جيش أراكان وجيش ميانمار خلال معارك السيطرة على المدينة، ويُعتقد أنها مليئة بالألغام.
ومع بدء جيش أراكان السماح للسكان النازحين جراء القتال بالعودة إلى منازلهم في “مونغدو” مع بداية العام الجديد، بدا أن الروهينجا مستثنون من العودة إلى مناطق كانوا هم أغلب سكانها. وسُمح لأفراد من الهندوس وعرق “راخين” بالعودة، بينما لم يُسمح لروهنجي واحد بزيارة منزله، فيما قال جيش أراكان إنه “سينظر في أمر الروهينجا لاحقًا”.

أما من لا تزال منازلهم تؤويهم في “مونغدو”، فقد واجهوا مطالبات من جيش أراكان بمغادرة منازلهم في قرية “نجان تشونغ”، وحدد لهم مدة زمنية أقصاها 15 يناير الجاري، وذلك دون توفير بدائل للعيش أو تقديم تبرير لهذه القرارات التي تستهدفهم بشكل خاص.
ويعتقد مراقبون ونشطاء أن هذه الممارسات تهدف إلى إبعاد الروهينجا من أراكان، التي يعيشون فيها منذ قرون، ومحو أثرهم التاريخي منها، ومن بين هذه الممارسات فرض جيش أراكان نشيد وطني جديد بلغة عرق “راخين” وتطبيقه على المدارس في مناطق الروهينجا الواقعة تحت سيطرته.
تجنيد و”ابتزاز أمني”
فيما لا تزال أعداد من الروهينجا تعيش في المناطق الواقعة تحت السيطرة المحكمة لجيش أراكان، باتت قراراته تطالهم وأبناءهم بالاعتقال والتجنيد القسري والإجبار على التعاون الأمني، حيث يطالب الأسر النازحة، تحت التهديد، بتقديم قائمة بأسماء أفراد يُزعم انضمامهم إلى جيش ميانمار أو الجماعات المسلحة، إلى جانب تقديم معلومات مفصلة عن أقاربهم.
وشرع جيش أراكان في حصر أسر الروهينجا عبر إجراء تفتيشات أمنية باستخدام “الصور الفوتوغرافية العائلية” في “مونغدو”، كما أجبر شيوخاً وإداريين من الروهينجا على تنفيذ هذه العمليات الأمنية ضد قرابة 30 أسرة يومياً، ويتهم من لا يمتثل لهذه التفتيشات بالانضمام إلى الجماعات المسلحة، وتتخذ ضده إجراءات بناءً على ذلك.
وفي قرية “ميونغ نا” بمدينة “بوثيدونغ”، دفعت تهديدات جيش أراكان مسؤولين روهنجيين إلى اتهام أبرياء بالتعاون مع جيش ميانمار والجماعات المسلحة، خوفاً من البطش بهم.
وفي عدة قرى في “بوثيدونغ”، أجبر جيش أراكان قادة الروهينجا وكبار السن على الظهور في مقاطع مصورة يقولون فيها زوراً “إن جيش أراكان لم يدمر منازلهم”، لاستخدام هذه المقاطع لاحقاً في الدعاية ونشر المعلومات المغلوطة للتغطية على ممارساته.
ومع استمرار التضييق الأمني على أسر الروهينجا، بدأت عمليات التجنيد والاعتقال تمتد إلى الشباب، حيث نفذ جيش أراكان عمليات اعتقال في 11 قرية في “مونغدو” في ديسمبر الماضي، وأجبر الشباب دون الثلاثين عاماً على الانضمام إلى صفوفه.
وأفادت مصادر وكالة أنباء أراكان بأن جيش أراكان جند عشرات الشباب في “بوثيدونغ” في الشهر نفسه، حيث يطلب تجنيد 30 شاباً شهرياً، ما دفع أسر الروهينجا المقتدرة مادياً إلى “شراء البديل” لإعفاء أبنائها من التجنيد القسري، حيث تجمع مبالغ مالية لدفعها إلى الأسر الفقيرة الراغبة في إرسال أبنائها للخدمة العسكرية في صفوف جيش أراكان.
ويواجه المجندون قسراً من مسلمي الروهينجا ظروفاً قاسية، إذ لا يُسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية، كما لا يحصلون على الغذاء أو الرعاية الطبية الملائمة، ويؤكد مراسل وكالة أنباء أراكان أنهم “يُعاملون مثل العبيد، إذ يُستخدمون في العمالة القسرية، كما لا يتضح إذا ما كان يتم إرسالهم للقتال بالفعل”.
كما أفادت التقارير بأن جنود جيش أراكان أحرقوا 25 شاباً من الروهينجا داخل غرفة سرية بمقر كتيبة حرس الحدود التابعة لجيش ميانمار في “مونغدو” بعد سيطرتهم عليه، وكان الروهينجا من المجندين قسراً في جيش ميانمار وتم إحراقهم أحياءاً بعد استسلامهم لجنود جيش أراكان، كما يعتقد بوجود أعداد أخرى من المصابين من الروهينجا في تلك الحادثة لايعرف عددهم على وجه الدقة حتى الآن.
ضرائب ومصادرات
وبينما ظل الطعام والشراب والبقاء على قيد الحياة هو ما تبقى للكثير من أسر الروهينجا تحت سيطرة جيش أراكان، لكن سبل المعيشة تعرضت أيضاً لتضييقات وعمليات حصر صارمة من قبل جيش أراكان.
وفي اليوم التالي لسيطرته على “مونغدو” في ديسمبر الماضي، بدأ جنود جيش أراكان مصادرة المحاصيل التي زرعها الروهينجا داخل منازلهم وبأراضيهم والتي يعتمد الكثيرون على بيعها لكسب العيش، كما أمر خلال الشهر نفسه مسؤولي 16 قرية بحصر رؤوس الماشية والدواجن التي يربيها القرويون من الروهينجا بهدف إخضاعها للضرائب ومطالبة السكان بالمساهمة بعدد منها بمزاعم إنشاء مرافق تربية الماشية لتطوير القرى.

كما طالت الضرائب الباهظة المحال التجارية في “مونغدو” والتي بدأ جيش أراكان جمعها بزعم توفير الأمن للأسواق، لكن تزامنت هذه العمليات بتزايد حالات النهب والسرقة ما دعا الكثير من أصحاب المتاجر لتركها وبيع بضائعهم في أكشاك بالقرب من مخيمات النازحين جراء القتال.
وأفاد مراسل وكالة أنباء أراكان بأن مسؤولين من جيش أراكان اجتمعوا بملاك المحال التجارية في “مونغدو” وطالبوهم بدفع مبالغ مالية تتراوح بين 100 ألف كيات ميانماري (48 دولاراً أمريكياً) و400 ألف كيات (190 دولاراً) عن كل متجر كرسوم، كما طالب برفع قيمة الضرائب على المحال في قرية “كيوك هلي خار” لتصبح ألف كيات ميانماري يومياً (30 ألف شهرياً) بدلاً عن 6 آلاف كيات شهرياً بدءاً من مطلع العام الجديد.
كما لم تعفى وسائل المواصلات في “مونغدو” من ضرائب جيش أراكان الباهظة، حيث فرض على ملاك الدراجات النارية دفع 100 ألف كيات ميانماري (48 دولار أمريكي)، فيما طالب ملاك السيارات بدفع مبالغ تتراوح من 200 ألف كيات (95 دولار) إلى 300 ألف كيات (142 دولار).
ابتزاز حتى في ركوب الرحلات البحرية الخطرة
ووسط هذه الممارسات وتصاعد الانتهاكات ضدهم، لا تزال أعداد من الروهينجا تحاول الهرب من المصير المجهول في أراكان على متن رحلات بحرية خطرة تنطلق من أراكان، بعد أن يدفع ركابها مبالغ كبيرة لجنود جيش أراكان للسماح لهم بالمغادرة، في رحلات قد تودي بحياة أعداد منهم غرقاً أو جوعاً وسط البحار.
ومنذ بداية العام الجاري، وصل 196 لاجئاً من الروهينجا على متن قارب إلى ماليزيا، حيث أقدمت السلطات هناك على احتجازهم وأعلنت لاحقاً اعتزامها اتهامهم بالهجرة غير الشرعية، فيما رفضت استقبال قاربين آخرين وأعادتهما إلى البحر بعد رحلة قاسية، وقد وصل القاربان لاحقاً إلى إندونيسيا وعلى متنهما 264 لاجئاً في حالة صعبة بسبب الرحلة القاسية.
كما شهد شهر ديسمبر الماضي مصرع خمسة من الروهينجا جوعاً أثناء رحلتهم الشاقة على متن قارب صيد وصل إلى سواحل سريلانكا وعلى متنه 115 راكباً، حيث أنقذتهم سلطات البلاد.
فيما نقلت مصادر لوكالة أنباء أراكان أن جيش أراكان يعمل على تجهيز قوارب مؤخراً، أغلبها قوارب صيد مهترئة، ستحمل على متنها مئات الروهينجا لتنطلق شهر يناير الجاري في رحلات بحرية مجهولة المصير.
“إبادة وشيكة”
وتثير هذه الممارسات قلق المنظمات الحقوقية، ومنها منظمة “مراقبة الإبادة الجماعية”، التي حذرت، في تقرير صادر عنها خلال شهر ديسمبر الماضي، من “إبادة وشيكة” بحق الروهينجا في أراكان، ويرى نشطاء أن ممارسات جيش أراكان تعد بمثابة الموجة الثانية من “الإبادة الجماعية” ضد الروهينجا، الذين سبق أن تعرضوا لحملة إبادة ممنهجة على يد جيش ميانمار في عام 2017، والتي أسفرت عن فرار أكثر من مليون منهم إلى بنغلادش المجاورة هرباً من العنف والقتل.
ومع استمرار تصاعد الانتهاكات بحق الروهينجا في أراكان، تواصل المنظمات الحقوقية الدولية مطالباتها بتوفير الحماية لهم وتقديم الدعم، خصوصاً للنازحين جراء القتال الذين يعانون من نقص حاد في المواد الغذائية والعلاجات الطبية، ما أسفر عن وفاة عشرات منهم نتيجة الإصابة بأمراض يمكن علاجها مثل الإسهال والبرد الشديد، بالإضافة إلى تفشي الأمراض الجلدية والضغوط النفسية بينهم.


