وكالة أنباء أراكان | خاص
من رحم المعاناة يولد الأمل وتظهر الخطط لتحقيق الأحلام، ومن قلب معاناة لاجئي الروهينجا في مخيمات بنغلادش للحصول على أبسط الحقوق الأساسية من غذاء ودواء وسكن وتعليم، قررت المدارس المجتمعية للاجئي الروهينجا بالمخيمات اتخاذ خطوة للأمام نحو تحقيق نظام تعليمي موثوق يضمن مستقبل أفضل لأطفال الروهينجا ربما لم يحظى به آباؤهم.
فإلى جانب نقص التمويل والإمكانيات بالمدارس المجتمعية لأطفال الروهينجا في المخيمات، تكمن مشكلة كبرى أيضاً في عمل المدارس بشكل منفصل وغير منظم، إذ تضع كل مدرسة مناهجها الدراسية وامتحاناتها وأنظمة تقييمها الخاصة، وقد أدى غياب إطار موحد للعمل إلى تناقضات عديدة ونقص جودة التعليم وتقويض مصداقية المدارس والنظام التعليمي.
وقد جاءت خطوة اجتماع 53 مدرسة من مختلف المراحل التعليمية لإنشاء “مجلس امتحانات الروهينجا”، أبريل الماضي، كمحاولة لإحداث نقلة نوعية في التعليم في المخيمات، إذ قد يؤدي إلى بناء نظام تعليمي موثوق ومتسق وعالي الجودة لآلاف من أطفال الروهينجا في المخيمات ما قد يوفر لهم فرص أكبر لاستكمال تعليمهم والحصول على وظائف لائقة.
ماذا يقدم المجلس؟
بسبب عمل المدارس في المخيمات بشكل منفرد ومتناقض، واجه طلاب الروهينجا صعوبات في الحصول على تقديرات أكاديمية، ما قلص أيضاً من فرص حصولهم على التعليم العالي والتدريب المهني.
ويهدف المجلس إلى توحيد المناهج الدراسية وتطبيق امتحانات وأنظمة تقييم موحدة ما يضمن مصداقية حقيقية للشهادات، ويحسن من جودة التعليم عبر تحسين الإشراف والمساءلة، وتتمثل الرؤية النهائية للمجلس في بناء نظام تعليمي منظم يفيد أطفال الروهينجا ويكسب ثقة الوكالات الدولية وأصحاب العمل المحتملين والمؤسسات التعليمية.
ومن المخطط أن يشرف المجلس بشكل شفاف ومستقل على الأنشطة التعليمية وعمليات الامتحان والتصحيح وإعلان النتائج، وينسق العمل بين جميع المدارس المجتمعية، وفي حال نجاح ذلك فسيعزز المجلس المستوى الأكاديمي للطلاب ويفتح مسارات لمزيد من التعليم والتدريب.
جهود حثيثة

قال عضو لجنة التعليم بمجلس الامتحانات “السيد عبد الله” لوكالة أنباء أراكان “في ميانمار، اتبعنا نظاما مدرسياً منظماً حرصنا عليه وأدرناه جيداً، وعندما وصلت إلى المخيم لاحظت بيئة المدارس وأنظمتها وأدركت أنه لتحسين جودة التعليم والفرص المستقبلية لطلابنا، نحتاج إلى هيئة امتحانات موحدة لذا بدأت مناقشة هذه الفكرة مع كبار المعلمين”.
يعمل عبد الله في خمس مدارس ثانوية في مخيمات بنغلادش منذ فر من ولاية أراكان غربي ميانمار في عام 2024، بعدما عمل على تعليم الطلاب في أراكان لأكثر من عشرة سنوات، وأكد أن الهدف من المجلس جمع كافة مدارس الروهينجا في المخيمات تحت مظلة واحدة.
وتابع قائلاً لوكالة أنباء أراكان إن المجلس يسعى إلى الوحدة وبناء نظام تعليمي قوي بمنصة امتحانات واحدة ليكون الطلاب على دراية واستعداد للتعليم العالي ومتفوقين بكافة المواد، مضيفاً أن المجلس يجري مناقشات مع كبرى الجامعات في ميانمار وخارجها، ويهدف إلى إصدار شهادات عبر المجلس تمكن الطلاب من التقدم للحصول على التعليم العالي في أي مكان.
وقال المعلم الروهنجي “عندما أطلقنا هذه المبادرة في المخيمات من 1 إلى 27، لم تكن لدينا فكرة واضحة عن عدد المدارس، تواصلنا مع أصدقائنا وزملائنا المعلمين وأرسلنا رسائل دعوة واجتمعنا بهم على انفراد، وافق البعض على الفكرة ووقعوا على خطاب موافقة بينما رفض آخرون، وقد ساعدنا من وافقوا على تشكيل لجنة تعليمية وقد بات لدينا الآن رئيس ونواب ومناصب مختلفة تمكنا من إدارة النظام بسلاسة”.
مستقبل يتغير

وقال أحد الطلاب الروهنجيين في مخيمات بنغلادش ويدعى “أنصار الله” (18 عاماً) إن إنشاء المجلس سيكون فرصة كبيرة لطلاب الروهينجا للحصول على تعليم ممنهج يمكنهم من استكمال تعليمهم العالي.
وأضاف لوكالة أنباء أراكان “أبلغنا معلمنا أن امتحاننا النهائي هذا العام سيجرى بنظام امتحانات المجلس، وأعتقد أن هذه فرصة عظيمة للاعتراف بدرجاتنا، وإذا أتيحت لنا أي فرص للتعليم العالي فقد نكون من أوائل المستفيدين”.
وتابع الشاب قائلاً “سابقاً كان الامتحان خاص بمدرستنا فقط، أما الآن فسيحصل جميع طلاب المخيم على ورقة الأسئلة نفسها، ما يعني أنه سينبغي علينا العمل بجد واجتهاد أكبر والدراسة أكثر والسعي للحصول على درجات أعلى”.
وأكد أنصار الله أن النظام الجديد سيزيد المنافسة بين طلاب المخيمات بأكملها ويدفعهم للدراسة بجدية، معرباً عن اعتقاده أن النظام الجديد سيعود بفوائد جمة وسيزيد من فرص الطلاب في الالتحاق بالتعليم العالي في المستقبل.
كما عبر أحد أولياء الأمور لوكالة أنباء أراكان عن سعادته الكبيرة بقرار تشكيل مجلس امتحانات الروهينجا، مؤكداً تأثيره الإيجابي على مستوى التعليم الذي يتلقاه الطلاب.

وقال نور الأمين “سمعنا مؤخراً عن تطبيق نظام امتحانات جديد في مخيمات الروهينجا مشابه للنظام المستخدم في ميانمار، يتضمن عقد امتحانات مركزية بورقة أسئلة واحدة وإذا تم تطبيق هذا النظام في جميع المخيمات، أعتقد أنه سيكون مفيداً للغاية لأطفالنا”.
وأكد الأب أن نظام امتحانات المجلس سيحفز الطلاب على الدراسة بجدية أكبر، وأنه من خلال العمل في ظل نظام مجلس امتحانات منظم، ستتاح للطلاب فرصة أفضل للتقدم وتحقيق مستقبل أكثر إشراقاً.
وفي ظل معاناة الروهينجا وصعوبة حاضرهم وغموض مستقبلهم، يعد إنشاء هذا المجلس مثالاً قوياً على الحوكمة المجتمعية والتزام مجتمع الروهينجا بالتنمية الذاتية وتمكين أجياله الشابة، كما أنه من الأهمية بمكان أن تدعم الوكالات الدولية وسلطات المخيمات هذه الخطط عبر توفير الموارد التقنية والمالية والأكاديمية والاعتراف بنظام شهادات المجلس وإضفاء الشرعية عليه، والمساعدة في الارتقاء بالمعايير التعليمية وتوفير فرص مستقبلية أفضل لطلاب الروهينجا.
ويعيش أكثر من مليون لاجئ من الروهينجا في مخيمات بنغلادش وسط ظروف معيشية صعبة من نقص خدمات التعليم والصحة وفرص العمل ما يلقي بالكثير من المخاوف على مستقبل أطفال الروهينجا الذين لا يتلقون التعليم الجيد أو الرعاية الصحية الكافية ما قد يعيقهم عن كسب عيشهم في المستقبل ويخاطر بتعرضهم لاستغلال الجماعات الإجرامية ومهربي البشر.
وفر الروهينجا إلى بنغلادش جراء تعرضهم لأعمال الإبادة على يد جيش ميانمار في 2017، إضافةً إلى تعرضهم للانتهاكات ووقوعهم في مرمى الصراع بين جيش ميانمار وجيش أراكان (الانفصالي) منذ أطلق الأخير حملة عسكرية للسيطرة على الولاية في نوفمبر 2023.


