وكالة أنباء أراكان | خاص
بينما يظن الكثيرون أن مأساة الروهينجا بدأت وانتهت بحملة الإبادة الجماعية التي شنها ضدهم جيش ميانمار في عام 2017 وأدت لفرار قرابة مليون منهم إلى بنغلادش، يشي الواقع بأن المأساة مستمرة بحق الروهينجا ممن لا زالوا في ميانمار ومن يحاولون الفرار من جحيم القتال والاضطهاد.
وحتى الآن، لا زال تدفق الروهينجا مستمراً إلى بنغلادش هرباً من ولاية أراكان جراء تصاعد انتهاكات جيش أراكان (الانفصالي) بحقهم منذ شن حملة عسكرية ضد جيش ميانمار في نوفمبر 2023 للسيطرة على الولاية، وهو الصراع الذي يقع الروهينجا بين رحاه.
وداخل مخيمات الروهينجا في منطقة “كوكس بازار” في بنغلادش، روى عدد من لاجئي الروهينجا عما عاينوه في أراكان من انتهاكات من قبل جيش أراكان في الشهور الأخيرة قبل فرارهم من هناك من حرق المنازل وخطف الشباب واغتصاب النساء، بالإضافة إلى ابتزازهم مالياً من أجل السماح لهم بالفرار من الولاية.
وقال اللاجئ الروهنجي “سيد أمين” (44 عاماً) لوكالة أنباء أراكان إنه اضطر للفرار من قريته في مدينة “بوثيدونغ” في أراكان بسبب ما وصفه بأنه إبادة جماعية جديدة يرتكبها جيش أراكان بحق الروهينجا.

ويروي قائلاً ” هُجّرت قسراً إلى بنغلادش بسبب الإبادة الجماعية التي ارتكبها جيش أراكان، استغرقت رحلتي 13 يوماً، ولكن فظائع جيش أراكان مستمرة بحق الكثير من الروهينجا ممن لا زالوا محاصرين في قراهم حيث لا يمكنهم الخروج منها حتى لطلب العلاج بسبب حظر جيش أراكان لتحركاتهم في ظل نقص الأطباء”.
وأكد سيد أمين أن رحلته تخللها الكثير من الصعوبات على طول الطريق وأنه اضطر ومرافقيه إلى دفع 150 ألف تاكا بنغلادشي (1234 دولار أمريكياً) إلى جيش أراكان ليسمح لهم بالفرار، مضيفاً أن جيش أراكان أحرق العديد من القرى في ولاية أراكان وقتل الكثير من السكان.
وتابع اللاجئ الذي عمل مدرساً ومتطوعاً في المنظمات الإغاثية في أراكان “لقد سمعنا ورأينا أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي أن جيش أراكان ارتكب أعمال عنف ضد فتيات الروهينجا، وعندما ظهرت هذه المعلومات للعلن، بدأوا في اعتقال شباب الروهينجا واضطهادهم”.
“اغتصاب النساء”
وإضافة إلى العنف والتهجير والابتزاز المالي، تحظى نساء الروهينجا الفارات من أراكان إلى بنغلادش بنصيب إضافي من المعاناة إذ أكدت غير واحدة منهن تعرضها للاعتداء الجنسي أو الاغتصاب من قبل جنود جيش أراكان أثناء رحلتهن للفرار.
وقالت اللاجئة الروهنجية “مينارا” (30 عاماً) لوكالة أنباء أراكان إنها تعرضت للاغتصاب مع 11 امرأة وفتاة أخرى من قبل جنود جيش أراكان، مشيرة إلى أن بين الضحايا طفلة تبلغ من العمر قرابة 10 أعوام فقط.
وتروي “مينارا” إنها اضطرت للفرار من بلدة “بوتاتونغ” بعدما فر زوجها إلى بنغلادش إثر اشتداد القتال في الولاية وتركها وحدها مع خمسة أطفال جميعهم دون سن العاشرة، وتابعت أنها فرت مع مجموعة مؤلفة من خمسين رجلاً و12 امرأة قرروا التوجه إلى بنغلادش لكن الرحلة لم تكن سهلة أبداً نظراً إلى سيطرة جيش أراكان على كامل المنطقة ما اضطرهم إلى التفاوض معه.
وأضافت “في البداية طلبوا من كل شخص دفع مليون ونصف كيات ميانماري (336 دولاراً أمريكياً تقريباً)، وبعد عدة أيام طالبونا مرة أخرى بدفع مليون كيات ميانماري (224 دولار أمريكي) عن كل شخص، ثم دفعنا 700 ألف كيات (156 دولار)”.
وأوضحت “مينارا” تفاصيل المأساة لوكالة أنباء أراكان قائلةً “أثناء الرحلة أُجبرنا على التوقف في معسكر لجيش أراكان وهناك حدث ما لا يمكن تصوره، فصل الجنود النساء عن الرجال واغتصبوا كل النساء، كانت بيننا فتاة صغيرة تبلغ من العمر 10 أو11 عاماً فقط لكنها تعرضت هي أيضاً لاعتداء وحشي، كانت قسوتهم لا تطاق، لقد وقعنا ضحايا للعنف والإساءة المتكررة وكان ذاك اليوم فصلاً مروعاً آخر في محنتنا”.
رحلات قاسية

ورغم قسوة رحلة الفرار على لاجئي الروهينجا ممن انتقلوا إلى مخيمات بنغلادش، إلا أنهم لا زالوا يذكرون تفاصيلها وتفاصيل ما تعرضوا له قبل وأثناء الفرار من ولاية أراكان.
وقالت اللاجئة الروهنجية “منتاز” التي فرت من مدينة “بوثيدونغ” لوكالة أنباء أراكان إن جنود جيش ميانمار أحرقوا منزلها وكافة المنازل في قريتها “كوان دينغ”، وأوضحت “هاجمنا جنود جيش أراكان وأحرقوا كل المنازل وجئت صحبة 12 فرداً من أسرتي لكننا افترقنا ولا أعرف مصيرهم حتى الآن”.
وتابعت قائلة إنه تم الفصل بين النساء والرجال على متن القارب الذي نقلهم من أراكان إلى بنغلادش، وإنهم اضطروا خلال الرحلة إلى السير في المناطق الجبلية لثلاثة أيام متواصلة حتى تمكنوا من الوصول.
كما قالت لاجئة روهنجية أخرى لوكالة أنباء أراكان إنها قررت الفرار من ولاية أراكان بحثاً عن حياة أفضل لأطفالها بعدما أحرق جيش أراكان قريتها وعانت مع أطفالها بشكل كبير جراء نقص الغذاء هناك.
وأوضحت أن رحلتها استمرت خمسة أيام دون طعام، نامت خلالها في العراء بمناطق جبلية وعلى شواطئ الأنهار في البرد القارس، مضيفةً أنها فرت صحبة زوجها وأطفالها الستة قبل أن يعتقل مجهولون زوجها من على متن القارب الذي نقلهم إلى بنغلادش، ولا تعلم ما حدث له.

أما اللاجئة الروهنجية “روزانا” (20 عاماً) فقد فرت من مدينة “مونغدو” حيث كانت تعيش مع زوجها وطفلها البالغ من العمر عامين فقط، بعدما تمزقت أسرتها فجأة دون سابق إنذار.
وروت لوكالة أنباء أراكان أنها توجهت يوما لزيارة أسرتها في قرية مجاورة إلا أن نشوب القتال بين جيش ميانمار وجيش أراكان منعها من العودة إلى منزل زوجها، وخلال ذلك الوقت قرر زوجها زيارة أسرته لرؤية والديه وأشقائه ولكنه تعرض للخطف من قبل جنود جيش أراكان وخمسة أشخاص آخرين في أغسطس الماضي، انتظرته الزوجة لكنه لم يعد منذ ذاك الحين ولم تعرف مصيره.
فرت اللاجئة الروهنجية “روزانا” إلى بنغلادش وحدها مع طفلها الرضيع وتواجه الكثير من الصعوبات لتتمكن من الحياة بشكل آمن لها ولطفلها داخل المخيمات.
ويعيش بمنطقة “كوكس بازار” في بنغلادش أكثر من مليون من لاجئي الروهينجا الفارين من العنف والاضطهاد في ميانمار في خيام مكدسة وظروف معيشية صعبة داخل “كوكس بازار” التي تصفها الأمم المتحدة بأنها أكبر مخيم للاجئين في العالم، فيما لا زالت الجهود الدولية مستمرة لوقف الصراع في أراكان وتحقيق عودة طوعية وآمنة وكريمة للروهينجا إلى وطنهم.


