يوليو 5, 2026

هل تكون مفاتيح حل أزمة مسلمي الروهنغيا بيد الصين؟

2 يناير 2018

وكالة أنباء أراكان ANA | متابعات

تشير الإحصائيات إلى أن عدد لاجئي مسلمي الروهنغيا الذين فروا من أعمال العنف التي نشبت مؤخرًا في ولاية أراكان بميانمار وصل إلى 620 ألف لاجئ منذ أغسطس الماضي، حاملين معهم ندوب سنوات من التفرقة والتميز والاضطهاد، جراء رؤية الحكومة الميانمارية لهم بأنهم “مهاجرون غير شرعيين من مناطق جنوب البنغال جلبهم المستعمر البريطاني قبل سبعين عامًا ليكونوا في مقدمة جيشه في مواجهة الشعوب البورمية” بحسب وصفهم، ومشيرين إلى لغة (الروهنغيا) وثقافتهم التي يصفونها بأنها غريبة عن الشعب الميانماري بجميع أطيافه؛ بما في ذلك مسلمي ميانمار ممن يحملون الجنسية الميانمارية، الذين يختلفون كليًا عن الروهنغيا لغة وثقافة وعرقًا.

مؤخرًا، بدأت بعض القوى الكبرى في العالم بالسعي إلى حل هذه الأزمة، بالتأكيد على أهمية أن يكون الحل نهائيًا يتعامل مع الجذور الفعلية للمشكلة. وذكرت العديد من الدول -من بينها الولايات المتحدة- أن أية تسوية للأزمة ينبغي أن تتضمن التوقف عن أعمال العنف، فضلًا عن ضمان وصول المساعدات الإنسانية، والاعتراف بحق اللاجئين في العودة، والتنمية الشاملة لولاية أراكان التي نزح منها عشرات الآلاف من الأقلية المسلمة.

كل هذه الإجراءات تضمنها المقترح ذو الخطوات الثلاث الذي أعلنه مؤخرًا وزير الخارجية الصيني وانغ يي لحل هذه الأزمة، وتتمثل المراحل فيما يلي:

المرحلة الأولى: وقف أعمال العنف، ووقف تشريد المزيد من السكان المحليين.

المرحلة الثانية: تشجيع المجتمع الدولي لكل من بنغلادش وميانمار على التواصل من أجل تسوية شاملة للقضية.

المرحلة الثالثة: إيجاد تسوية طويلة الأجل، والحصول على دعم المجتمع الدولي لمكافحة الفقر، وتحسين الأوضاع المتردية في ولاية أراكان.

جاء المقترح الصيني بعد جولات متعددة بين دكا ونايبيدا. بدأت بعض المراحل بالفعل، إذ قامت كل من ميانمار وبنغلادش بالتوقيع على اتفاقية لعودة النازحين الذين تم تهجيرهم من ولاية أراكان. لكن تبقى المراحل الأصعب، وذلك بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الجهة المسؤولة عن حماية اللاجئين وحل أزماتهم، والتي كانت طرفًا في عمليات إعادة اللاجئين منذ عام 1950. ولا يخفى مدى صعوبة إعادة توطين اللاجئين في المناطق التي تعرضوا فيها لعمليات اضطهاد وعنف. وتتطلب عودتهم توفير أجواء آمنة، وأن يتاح لهم حرية الحركة، والحصول على وثائقهم المدنية، وحقوق الملكية، والمقدرة على العمل لضمان أن تكون عودتهم بصفة مستدامة.

من دون توفر تلك الشروط فإن مكانًا مثل ولاية أراكان التي ظلت دائمًا مسرحًا للنزاعات والتوترات من السهل أن تنجرف مرة أخرى نحو هوة العنف. وهذا هو ما حدث في السابق بعد عمليات إعادة مواطني الروهنغيا من بنغلادش إلى ميانمار، في أواخر عام 1970، ثم في أواخر عام 1990. في تلك المرات عاد اللاجئون إلى ديارهم، إلا أن أسباب النزاع الحقيقية ظلت قائمة، ولم يجرِ التعامل معها، ومن ثم تأججت أعمال العنف مرة بعد أخرى.

ويعد المقترح الصيني فرصة لمساعدة ميانمار والمجتمع الدولي على التعامل مع الأسباب الجذرية للأزمة. وإذا كان المقترح الصيني يمثل استراتيجية عامة ذات خطوط عريضة، فإن الخطة المفصلة يمكن العثور عليها في التوصيات التي أعدتها “اللجنة الاستشارية بشأن أراكان”، التي ترأسها السيد كوفي عنان -الأمين العام السابق للأمم المتحدة- والتي تم تعيينها العام الماضي من جانب مستشارة الدولة ووزيرة الخارجية في ميانمار أونغ سان سوتشي، بهدف وضع تدابير ملموسة لتحسين أوضاع جميع سكان ولاية أراكان. في شهر أغسطس الماضي فعلت اللجنة ما هو مناط بها، وأوصت بإجراءات ملموسة، وطالبت حكومة ميانمار بتطبيقها. وتتضمن التوصيات محاور عدة تتمثل فيما يلي:

– تنمية وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في أراكان بما يخدم كافة فئاتها السكانية.

– السماح لأبناء الروهنغيا أن يكونوا مواطنين متمتعين بكل حقوق المواطنة في ميانمار.

– تدعيم الحوار وبناء جسور الثقة بين الفئات المختلفة التي تسكن الولاية، وتحسين العلاقات مع بنغلادش.

قبلت حكومة ميانمار تلك التوصيات، وذكرت أن تنفيذها سيكون في مصلحة جميع الأطراف؛ وعلى رأسها ميانمار، لاسيما أن توفر الأمن والاستقرار لجميع الطوائف في ولاية أراكان سيخدم مشروع ميانمار الوطني الأكبر للسلام والتنمية، الذي يعد التنوع والتعايش من بين أهم مقومات نجاحه. وبالنسبة لبنغلادش فإن منطقة “كوكس بازار” التي تؤوي لاجئي الروهنغيا حاليًا يصعب تطويرها وتنميتها اقتصاديًا، نظرًا للأوضاع الإنسانية المتردية هناك. ومن هنا، فإن إعادة الروهنغيا بصورة مستدامة مع تنمية ولاية أراكان، سيجعل الأوضاع ملائمة لانتعاش التبادل التجاري عبر الحدود بين الجانبين. سيسهم هذا، بدوره، في خدمة مصالح الصين، إذ أن الاستقرار والتنمية في تلك المنطقة يعد أمرًا جوهريًا لممر ميانمار البري الاقتصادي الجديد المقترح إقامته ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية.

فالصين حريصة على تأمين أكبر قدر من الاستقرار الأمني في المناطق التي تمر بها ممرات طريق الحرير الجديد، حتى تستطيع الطرق وسكك الحديد والموانئ وأنظمة الاتصالات والمدن التجارية الحرة أن تزاول عملها بسلاسة وأمان، كما أن بكين مستعدة لتقديم كل مساعدة ممكنة لتلك الأنظمة اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا لتحقيق ذلك.

الأمر الآخر هو أن الصين خلال الأزمة بدت وكأنها تساند حكومة ميانمار، في الوقت الذي كانت موجات كبيرة من الغضب تنتشر في مختلف أنحاء العالم جراء ما تعرضت له الأقلية المسلمة من عنف واضطهاد. والصين لا تريد أن تبدو وكأنها معادية للمسلمين، حرصًا على علاقاتها مع الدول الإسلامية المختلفة، ولأنها أيضًا تخشى أن تصير المصالح الصينية هدفًا للجماعات المتطرفة، التي قد تقوم بعمليات انتقامية ضد الصين. وفوق ذلك تخشى الصين من أن تؤدي مواقفها إلى زيادة مشاعر الغضب في أوساط مسلمي الإيجور بمنطقة شينغيانغ، ثم تأجيج أعمال العنف في ذلك الإقليم وغيره من المقاطعات الصينية؛ لا سيما أن أعدادًا كبيرة من مسلمي الإيجور قد انضموا إلى صفوف داعش، وقد يعودون بعد انحسار نشاط داعش في سوريا والعراق ليمثلوا تهديدًا مباشرًا للصين ولمصالحها الحيوية.

وبناء على ذلك، فإن قلق الصين من تنامي الحركات المتطرفة داخل الصين وحرصها على حماية مصالحها الاقتصادية وخططها المستقبلية الطموحة القائمة على مبادرة الحزام والطريق، قد يدفع بكين للعمل على إرساء الأمن والاستقرار في تلك المناطق المتوترة، ومن المرجح أن تبذل بكين المزيد من الجهود المكثفة لحل تلك الأزمة، وهذا بدوره قد يضع حدًا للمعاناة الطويلة لأبناء الروهنغيا.

شارك
×