وكالة أنباء أراكان ANA | اللواء
يرتكب البوذيون أبشع الجرائم بحق مسلمي «الروهنغيا» الذين يعيشون في ميانمار، وهذه الطائفة المسلمة تمثل حوالي 10% من السكان وهي تتعرض للإبادة والتشريد، والقصة هذه ليست جديدة بل هي تاريخية.
القصة بدأت منذ عام 1784م حين احتُلت أراكان من قِبَل الملك البوذي (بوداباي) الذي قام بضم الإقليم إلى ميانمار خوفاً من انتشار الإسلام في المنطقة، واستمر البوذيون البورميون في اضطهاد المسلمين ونهب خيراتهم وتشجيع البوذيين الماغ (أصل هندي) على ذلك، وفي عام (1824م) احتلت بريطانيا ميانمار، وضمّتها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية.
ولما دخل عام (1937م) جعلت بريطانيا ميانمار مع أراكان مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية كباقي مستعمراتها في الإمبراطورية آنذاك، وعُرفت بحكومة ميانمار البريطانية.
واجه المسلمون الاستعمار الإنجليزي بقوة مما جعل بريطانيا تخشاهم، فبدأت حملتها للتخلّص من نفوذ المسلمين باعتماد سياساتها المعروفة (فرِّق تَسُد) فعَمَدَتْ على تحريض البوذيين ضد المسلمين، وأمدّتهم بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحةً عام 1942م فتكوا خلالها بحوالي مائة ألف مسلم في أراكان!
وفي عام 1948م منحت بريطانيا الاستقلال لميانمار شريطة أن تمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، ولكن ما إن حصلوا على الاستقلال حتى نقضوا عهودهم، ونكثوا وعودهم، واستمروا في احتلال أراكان بدون رغبة سكانها من المسلمين (الروهنغيا) والبوذيين (الماغ) أيضاً، وقاموا بأبشع الممارسات ضد المسلمين، وللأسف تمر السنوات وتتعاقب الأجيال ولم تتغير أحوال المسلمين الروهنغيا، خاصة أنه بعد الانتخابات التي جرت في تشرين الثاني 2010م، ما زال مخطط إخراج المسلمين من أراكان موجوداً، وقد نجحت هذه الممارسات في تهجير 3ـ 4 مليون مسلم حتى الآن ومئات آلاف القتلى.
أين هي ميانمار
تحد ميانمار من الشمال الشرقي الصين، وتحدها الهند وبنغلاديش من الشمال الغربي ،وتشترك حدود ميانمار مع كل من لاوس وتايلاند، أما حدودها الجنوبية فسواحل تطل على خليج البنغال والمحيط الهندي ويمتد ذراع من ميانمار نحو الجنوب الشرقي في شبه جزيرة الملايو، وتنحصر أرضها بين دائرتي عشرة شمال الاستواء وثمانية وعشرين شمالأ ولقد احتلت بريطانيا ميانمار في نهاية القرن التاسع عشر وحتى استقلالها في 1948 وتعد يانجون (حاليا رانجون) أكبر مدنها كما كانت العاصمة السابقة للبلاد.
وذكرت صحيفة «إندبندنت» البريطانية في تقرير موسع نشر مؤخرا أن الأمم المتحدة حذرت من أن المسلمين في ميانمار قد يكونون ضحايا جرائم ضد الإنسانية، مع اتهامات للجيش الميانماري باضطهاد الأقلية المسلمة في ولاية «أراكان» الغربية ما أدى لنزوح الآلاف إلى بنغلاديش هذا الشهر.
وأضافت أن حوالي 30 ألفا من المسلمين «الروهنغيا» غادروا بيوتهم، كما أن صورا بالقمر الصناعي تابعة لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» أوضحت مئات المباني المحترقة في قراهم، كما نفى المسؤولون الميانماريون تورطهم في جرائم كهذه، مؤكدين أنهم يبحثون عن «إرهابيين».
وانتشرت مزاعم بالاغتصاب الجماعي والتعذيب والقتل في حق الروهنغيا، لكن الحكومة نفت الاتهامات واعترضت لدى الأمم المتحدة على تصريح لمسؤول أممي قال فيه إن ما يحدث في ميانمار هو تطهير عرقي، بحسب الصحيفة.
وبينما قالت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: إن الجرائم في حق المسلمين قد تصل لجرائم ضد الإنسانية، فإن ميانمار تحظر دخول الصحفيين الأجانب والمحققين المستقلين لمناطق الروهنغيا، طبقًا للاندبندنت، وصرحت بأن الروهنغيا لا يتمتعون بالجنسية الميانمارية رغم تواجدهم في البلاد لأجيال، وتم إرغام 120 ألفا على النزوح من منازلهم إلى مخيمات تحرسها الشرطة ومحرومون من التعليم والخدمات الصحية.
غياب دولي وإسلامي
أما دور العرب والأمم المتحدة وحقوق الإنسان والمنظمات المشابهة في قضية مسلمي ميانمار، فقد أكدت الأحداث بما لا يدع مجالا للشك أن هؤلاء صور ورسوم بلا أرواح ولا أفعال، أما الأمم المتحدة فحدث ولا حرج… تصريحات وتعبير عن القلق ولا شيء غير ذلك، وكذلك منظمات حقوق الإنسان وغيرها من المنظمات التي تشاهد بأم العين بقايا الجرحى والجوعى والمشردين والحفاة ولا يقدمون لمواجهة ذلك سوى بعض الطعام والشراب..؟!
فمنذ بداية شهر تشرين الأول الفائت وطائفة الروهنغيا المسلمة تتعرض ليل نهار لهجمات عنيفة من قبل جيش ميانمار الوثنية، التي ابتدعت مختلف صنوف العذاب، في حملة شرسة لإبادة سكان أراكان، مستغلة حالة الضعف والتشرذم التي أصابت العالم والأمة الإسلامية، فأحرقت حتى الآن أكثر من 2000 منزل، وفي الأساس تم حرمان ساكنيها من وضع الأبواب والنوافذ، ليسيطر الرعب على ملامحهم ويسكن البرد أجسادهم النحيلة بينما ألسنتهم تلهج بالدعاء ليل نهار حتى يخرجهم الله من المحنة، ويسبغ عليهم الصبر، مادام العالم انصرف عنهم من أجل مصالح شخصية وكراسٍ زائلة.
أما مجلس الأمن فلا يزال يصر على موقفه ويدير ظهره لهذه الكارثة الإنسانية، وحتى الآن لم يناقش هذه القضية على طاولته وذلك بسبب وجود دول تمتلك حق الفيتو تمتنع عن مناقشة القضية في مجلس الأمن التي أكدت على أنها قضية حقوقية، تناقش فقط في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، والنتيجة أنه لم يُصدر أي قرار فعلي لإنقاذ مسلمي الروهنغيا وليقتصر دور المنظمات الحقوقية على التنديد ونشر الصور التي تدمي القلوب والتصريحات التي ما عادت تترك أي أثر في النفوس.
الوضع الحالي
ومع سواد الصورة المسيطرة أصبح الوضع كما يلي:
أولا… قوات الأمن الميانماري تقوم بإزالة وهدم أسوار المنازل والمساجد والمدارس، والمبنية أصلاً من الخيزران وأوراق الشجر، بل إن الإزالة تتم بطرق وحشية، مع تعدي أفراد الجيش على المحارم والنساء ووقوع حالات اغتصاب كثيرة جدا، ونهب للأموال وحلي النساء، وحتى نهب الدواجن التي تربى في البيوت..!!
ثانيا… انتشار حالات الاتجار بالنساء والأطفال من الروهنغيا عبر عصابات تجار البشر والتي انتشرت منذ 2012 وأيضا سرقة أعضاء من المرضى الذين ينوّمون في المستشفيات، ولذا المرضى من الروهنغيا لا يذهبون إلى المستشفيات لأنهم يعرفون أن مصيرهم القتل على أيدي الأطباء البوذيين وبيع أعضائهم.
ثالثا… الحكومة الميانمارية ماضية في خطتها الرامية في تغيير ديموغرافية ولاية أراكان، وذلك عبر خطتين، الأولى: توطين عرقيات كثيرة في ولاية أراكان بعد نقلهم من مناطق صراعات في شمال البلاد وشرقها، والثانية: توطين عرقية “موك” أو ما يسمى بـ (الراخين)، ونقلهم من بنغلاديش إلى ولاية أراكان.
وهاتان الخطتان تكونان على حساب الروهنغيا، لأنها بعد قتل الروهنغيا أو تهجيرهم من قراهم ستقوم بمنح تلك الأراضي للمستوطنين، وتعطى لهم أموالا ومواشٍ، بل تبنى لهم في بيوت تحت مسمى قرى نموذجية، مثل المستوطنات التي تبنى لليهود في فلسطين.
وهنا يبقى السؤال… هل سيستمر مسلسل الإبادة العرقية الذي يمارس بحق مسلمي الروهنغيا ليزداد الوضع سوءا وكارثية … لنعود ونكتب عنهم مع بداية العام 2017 ونطرح السؤال عينه عن استمرار مأساتهم…؟!
مساهمة حاملي جائزة نوبل
من جهة أخرى رحب مرصد الإسلاموفوبيا التابع لدار الإفتاء المصرية بدعوة الحائزين على جائزة نوبل للسلام الأمم المتحدة إلى التدخل من أجل أقلية الروهنغيا المسلمة في ميانمار.
ودعا المرصد إلى استثمار هذا الدعم الدولي من شخصيات بارزة من أجل حماية مسلمي الروهنغيا الذين يتعرضون للتطهير العرقي والإبادة الجماعية من قبل سلطات ميانمار، وتقديم كل سبل الدعم المادي والمعنوي لهم.
وكان 11 من حاملي جائزة نوبل للسلام، بينهم خوسيه راموس هورتا، وملالا يوسفزاي، ومحمد يونس، وشيرين عبادي، فضلًا عن رئيس الوزراء الإيطالي السابق رومانو برودي، ورجل الأعمال البريطاني ريتشارد برانسون، وجهوا رسالة مفتوحة إلى مجلس الأمن أكدوا فيها أن «مأساة إنسانية ترقى إلى تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية تجري في ميانمار»، مضيفين: أن الروهنغيا من الأقليات الأكثر اضطهادا في العالم.
وحث الموقعون على الرسالة الأمم المتحدة على الضغط على حكومة ميانمار حتى «ترفع كل القيود عن المساعدات الإنسانية» للروهنغيا، مطالبين بـ «تحقيق دولي مستقل» حول مصيرهم، كما طالبوا الأمين العام الجديد أنطونيو جوتيريس بزيارة ميانمار في الأسابيع المقبلة.



