يوليو 5, 2026

العلاقة بين الجيش والشركات تفسد خصخصة أصول ميانمار

7 فبراير 2017

وكالة أنباء أراكان ANA | الاقتصادية

بعد رفع العقوبات، تشعر الشركات متعددة الجنسيات بالإغراء من الآفاق المتاحة في ظل الحكومة التي يقودها مدنيون في ميانمار (بورما سابقاً)، لكن الشركات التي لها علاقات عميقة مع الجيش لا يزال لها وجود قوي، وقصتها في الإصلاح ليست مقنعة حتى الآن.
تمت الإشادة بقرار الولايات المتحدة رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على ميانمار في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، كخطوة بارزة في خروج البلاد من عقود من شبه العزلة – وكنعمة للشركات الأمريكية التي تسعى للاستفادة من سوق كبيرة كان كثيرون يخشون دخولها.
يقول النقاد إن هذه الخطوة حملت في ثناياها أيضا جانبا مظلما: فقد أطلقت سراح المصالح التجارية المترامية الأطراف الخاصة بجيش حكم لفترة نحو 50 عاما.
من بين تلك الشركات هناك شركة ميانمار الاقتصادية، وهي تكتل متكتم تمتلكه وزارة الدفاع وتعمل في قطاعات استراتيجية تراوح بين الموانئ إلى شركات الاتصالات. وثمة شركة أخرى هي شركة ميانمار الاقتصادية القابضة المحدودة، التي تثري الضباط العسكريين والمتقاعدين العسكريين بعائدات متأتية من الأعمال التجارية المربحة بما في ذلك السجائر والواردات النفطية.
هذه الشركات تصور نفسها على أنها شريك محتمل للشركات الأجنبية متعددة الجنسيات التي تجتذبها الآفاق الاقتصادية التي أوجدتها الإدارة المدنية بقيادة أونغ سان سو كي.
وفي الوقت الذي تبذل فيه تلك الشركات جهودا عامة في مجال التجديد، إلا أنها بالنسبة لكثير من المحللين لم تعمل على تغيير التصورات المرتبطة بها مع عصر من الاستبداد راح ضحيته آلاف الأشخاص.
قررت الشركات الأجنبية في قطاعات راوحت بين صناعة البيرة إلى صناعة الصلب أن مواجهة شركاء مرتبطين بجيش متهم بالفساد والاستيلاء على الأراضي وانتهاكات حقوق الإنسان على مدى سنوات كثيرة أفضل من عدم ممارسة الأعمال مطلقا.
تعكس تلك المعضلة التجارية السؤال الأكبر المتعلق بمدى التغيير الحاصل على هيكل السلطة في البلد منذ تولي الحكومة الحالية مهامها قبل قرابة العام.
يقول ثانت ماينت-يو، مؤرخ ومحلل من يانغون: “من الصعب التفكير في المستقبل الخاص بالشركات المملوكة من قبل الجيش دون التفكير في مكانة الجيش المستقبلية في ميانمار. سواء أعجبَنا ذلك أم لا، كان الجيش يقع في قلب الدولة – وكانت تلك الشركات عنصرا مساعدا في عملية بناء الدولة على مدى عقود”.
ترغب تلك الشركات في اتباع عمليات تجديد مماثلة سمحت للشركات المرتبطة بالعسكريين في بلدان مثل باكستان وإندونيسيا، بالاستفادة ماليا بعد عودة الحكومة المدنية إليها. يتعهد موقع إم إي سي الإلكتروني بأن الشركة ستقدم الدعم في مجال التنمية الاقتصادية، ورفع مستويات المعيشة، والقضاء على الفقر في ميانمار، حيث معدلات النمو هي من بين أعلى المعدلات في آسيا.
يبدي هلا ميو، وهو ضابط كبير سابق في الجيش ويعمل الآن مديرا عاما في شركة ميانمار القابضة، تحمسه من أنه هو وزملاؤه “متحمسون جدا” إزاء العمل مع شركات أمريكية وأوروبية. كما أن المسؤولين في الشركة “يبحثون منذ فترة عن فرص في الغرب”، إضافة إلى المشاريع المشتركة مع الشركاء الآسيويين.
الأبواب التي تقود إلى العالم الأوسع نطاقا التي كانت مغلقة خلال فترة العقوبات أصبحت الآن مشرعة. يقول أنتوني نيلسون، مدير في مجلس الأعمال للولايات المتحدة وبلدان آسيان في واشنطن، إن هنالك “جوانب إيجابية محتملة” في تعريض التكتلات العسكرية للمعايير الدولية.
كما يقول: “الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات بصفة خاصة ستجلب معها معايير في مجال سيادة القانون، والمحاسبة، واليد العاملة، واحترام البيئة، هي أعلى من المعايير اعتادوا العمل بموجبها. ستحتاج تلك الشركات متعددة الجنسيات للبحث عن فرص والأخذ بعين الاعتبار المخاطر التي تؤثر في السمعة التي تأتي جراء التعامل مع شركات مرتبطة بالجيش على أساس حالات منفردة “.

“الانغلاق أمام عمليات التدقيق العام”
تبدو العوامل الجاذبة للشركات الكبرى واضحة في ميانمار الغنية بالموارد، فوصول الشركات الدولية، وكثير منها في مجال الصناعات الاستهلاكية، عمل على جلب الاستثمارات الأجنبية المعتمدة بأكثر من 30 مليار دولار منذ عام 2011، العام الذي تنحى فيه الجيش رسميا، وفقا للأرقام الرسمية.
كما أن من الواضح بالقدر نفسه المخاطر التي تهدد السمعة والمتمثلة في إبرام صفقات مع تلك الشركات التي ازدهرت خلال فترة المجلس العسكري والحكومة المدعومة من الجيش التي أعقبت ذلك.
كشفت شركة كوكا كولا في عام 2015 أن شريكها التجاري الرئيس في ميانمار كانت له صلة بتجارة اليشب (الشبيه بالزبرجد).
وكانت الصناعة في ذلك الحين خاضعة للعقوبات الأمريكية ورزأت بادعاءات بالفساد وانتهاك حقوق الإنسان.
وأبرمت شركة مايكروسوفت صفقة برمجيات وخدمات في العام نفسه مع تكتل شوي تاونج، الذي نفى مؤسسه الشكوك الموجهة من وزارة الخزانة الأمريكية، التي ظهرت في برقية دبلوماسية تسربت في عام 2007، مفادها أنه كان متورطا في تجارة المخدرات. لم يتم اتهام الشركات متعددة الجنسيات ولا الشركاء في ارتكاب أي مخالفات.
الشركات ذات العلاقات الوثيقة مع الجيش تمثل حتى خطرا محتملا أكبر، إذ يشتبه بأنها المستفيد الرئيس من موجة من عمليات الخصخصة لأصول ميانمار التي ذهبت إلى المحاسيب تماما قبل تنحي المجلس العسكري، وفقا لتقرير نشر في عام 2015 من قبل منظمة الشفافية الدولية. يقول يوشوا موسر – بوانجسوان، كاتب التقرير، إن طريقة عمل الجيش دائما ما كانت تنطوي على “إدخال نفسه في كثير من أجزاء الاقتصاد واستخدام ذلك لإثراء المساهمين في تلك الشركات.
على الرغم من التغييرات السياسية في ميانمار، لا يزال الجيش يحظى بسيطرة متينة – ولا تزال دفاتره مغلقة أمام التدقيق العام”.
تسلط الشركات المرتبطة بالجيش الضوء على السلطة التي تحتفظ بها القوات العسكرية المسلحة في هذا المركز التجاري الإقليمي الواقع بين الصين والهند.
صحيح أن المجلس الوطني الديموقراطي برئاسة أونج سان سو كي في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 بأغلبية ساحقة، لكن الجيش يسيطر على ربع المقاعد البرلمانية – ما يمنحه من الناحية العملية حق النقض بخصوص التغييرات الدستورية. كما يحظى أيضا بحقائب وزارية مهمة وأغلبية في لجنة أمنية خاصة ذات نفوذ وصلاحيات لازمة لنقض قرارات البرلمان.
شركة إم إي سي وشركة ميانمار القابضة، على وجه الخصوص، تعتبران جزءا أساسيا من الهيكل السياسي للبلاد.
وقد أفادت برقية دبلوماسية أمريكية في عام 2009 ونشرت من قبل موقع ويكيليكس بأن “نفوذ شركة ميانمار ومقتنياتها يعتبر من المكونات الرئيسة لنظام الرعاية المعقد الذي يستخدمه النظام للاحتفاظ بالسلطة”.
كما نقلت البرقية أيضا اقتباسا عن رجل أعمال محلي يدعي أن مسؤولي شركة ميانمار القابضة حصلوا على رشا من الشركات الأجنبية التي تسعى للحصول على عقود وتراخيص وتصاريح. لم ترد الشركة على طلب للتعليق.
ما يؤكد حجم وأهمية التكتلين بالنسبة للدولة هو القائمة الرسمية التي تضم أكبر دافعي الضرائب من السكان المحليين. شركة ميانمار القابضة والشركتان التابعتان مياوادي بانك وشركة مياوادي للتجارة كانت تمثل ثلاثة من أصل أعلى خمسة من دافعي ضرائب الدخل في العامين 2015-2016. كما تحتل كل من شركة مياوادي للتجارة وفرع شركة إم إي سي داجون للمشروبات مرتبة من ضمن أكبر خمسة دافعي ضرائب المبيعات.
خلافا لتلك التفاصيل، لا تزال التفاصيل الأخرى المتعلقة بشركة ميانمار القابضة وإم إي سي مبهمة، فهما لا تنشران سوى القليل فيما يتعلق بملكيتهما وإدارتهما أو وضعهما المالي. واندفاع شركة إم إي سي نحو الخصوصية يعتبر أمرا مثيرا للمفارقة لأن أحد تخصصاتها هو مجال الاتصالات.
وهي جزء من مجموعة من الشركات، بما في ذلك شركة فيتيل، المملوكة من قبل وزارة الدفاع في فيتنام، التي أعلن في كانون الثاني (يناير) الماضي، أنها الفائزة في رخصة الاتصالات الرابعة التي تمنحها ميانمار.
يدرج موقع إم إي سي الإلكتروني أكثر من 30 فرعا آخر وشركات تابعة لها. بعض هذه الفروع عبارة عن مشاريع تصنيعية قائمة منذ أمد بعيد، مثل ساحة تفكيك السفن ومصنع لتصنيع المحاقن التي تستخدم لمرة واحدة.
أما الشركات الأخرى فتستهدف أسواقا جديدة مثل مدفوعات الهواتف المحمولة. وهنالك كثير منها أيضا في أيدي نخبة ثرية ناشئة في البلد: حيث يظهر مقطع فيديو ترويجي زوجين شابين يلعبان الجولف في منتجع أوكالا للجولف التابع لشركة إم إي سي في يانغون قبل أن يشربا المشروبات المعلبة والمصنعة من قبل شركة إم إي سي.
يعتبر هذا تناقضا حادا مقارنة بالوجه الذي قدمته الشركة في مقرها في يانغون عندما زارتها صحيفة فاينانشيال تايمز. صرخ أحد الموظفين بصورة عصبية، بينما كان يشير إلى المَخرج قائلا: “أنتم أيها الرجال لا ينبغي أن تكونوا هنا. تراجعوا قبل أن يراكم رؤساؤنا. غادروا المكان بسرعة. اذهبوا اذهبوا”.
لم ترد شركة إم إي سي على التساؤلات المكتوبة التي قدمتها صحيفة فاينانشيال تايمز في وقت لاحق في مكاتبها.

بناء الثروة
تعتبر شركة ميانمار القابضة، الشركة الأبرز من قريبتها شركة إم إي سي، رسميا مصدرا للرعاية يتمثل في خدمة أفراد القوات المسلحة الحاليين والسابقين وعائلاتهم، وفقا لوثائق الشركة التي اطلعت عليها صحيفة فاينانشيال تايمز. كما تتمتع بعض مشاريعها المشتركة بأهمية استراتيجية: فهي تدخل في علاقات تجارية مع شركة وانباو المملوكة للدولة في الصين في أكبر مجمع لمناجم النحاس في البلاد، الذي طالما عانى نزاعات على الأراضي وادعاءات بالعنف من قبل قوات الأمن، لكن الشركات نفت أنها ارتكبت أي خطأ.
تحظى فروع شركة ميانمار القابضة الأخرى والشركات التابعة لها بشراكات مع كيرين، شركة صناعة البيرة اليابانية، وبوسكو، شركة صناعة الصلب في كوريا الجنوبية.
كما انضمت مجموعة إينو في كوريا لشركة ميانمار القابضة في تطوير مخطط لمشروع في يانجون بكلفة 120 مليون دولار سيشتمل على مبان سكنية ومركز للمؤتمرات.
لم تقم أية شركة بشكل مباشر بمعالجة مسألة الضمانات، إن كانت هناك ضمانات، التي حصلت عليها بشأن روابط الشركة الشريكة مع الجيش.
تقول كيرين إنها “لا تشعر بأي مخاوف في الوقت الحاضر بخصوص شركة ميانمار القابضة، التي تصفها بأنها “صندوق تقاعد للمتقاعدين العسكريين”. شركة بوسكو، التي امتنعت عن إعطاء تفاصيل حول ملكية مشروعها المشترك، تقول إنها “ليست متورطة في أية مخالفات أو أفعال غير قانونية” في ميانمار. ولم تستجب مجموعة إينو لطلبنا بالحصول على تعليق.
تصر شركة ميانمار القابضة على أنها تغيرت لتصبح أقرب إلى كونها شركة طبيعية. وفقا لما يقوله هلا ميو، لم تعد وزارة الدفاع تمتلك حصة في الشركة. ويقول إن أكثر من 320 ألف مساهم من الأفراد – الذين هم من المتقاعدين العسكريين، والضباط الموجودين على رأس الخدمة، والمؤسسات العسكرية – يمتلكون المجموعة الآن.
وقال إن المجموعة سجلت أرباحا قبل الضرائب مقدارها 102 مليار كيات (نحو 75 مليون دولار) في 2015 – 2016، منها أقل من الثلث بقليل أعيدت إلى المساهمين. ويقول هلا ميو إن شركة ميانمار تسعى للحصول على شركاء لإنعاش الصناعات المريضة، وهي تجري الآن مباحثات مع شركة طلاء غربية حول إنعاش أعمالها في الطلاء.
يقول المنتقدون إن ثروة شركة ميانمار القابضة ربما تكون أكبر بكثير من الأرقام المعلنة. فلديها موقع بارز في إحدى تداولات أحجار اليشب، يساوي حسب تقديرات مجموعة Global Witness، المدافعة عن الحقوق ومقرها في بريطانيا، مبلغا يصل إلى 31 مليار دولار بالنسبة لميانمار في 2014، على اعتبار أنها تورد إلى أكبر سوق في العالم في الصين.
في مزاد الأحجار الكريمة في عام 2014، وهو المزاد الرسمي الذي تعقده الحكومة، سجلت شركة ميانمار إمبيريال جيد، وهي شركة تابعة لميانمار القابضة، ثاني أعلى أرقام المبيعات لأية شركة، حيث بلغ إجمالي الحصص الخاصة وحصص المشروع المشترك نحو 150 مليون دولار، بحسب ادعاءاتGlobal Witness.
هذا هو السبب في أن بعض المراقبين ليسوا مقتنعين نهائيا بقصة الشركات حول إصلاحات العهد المدني. أكبر عشرة أعضاء في مجلس إدارة شركة ميانمار القابضة جميعا لديهم رتب عسكرية، وفقا لمستندات الشركة التي اطلعت عليها “فاينانشيال تايمز”.
ويشرف على مجلس الإدارة “مجموعة عليا” تتألف من سبعة أشخاص من كبار الضباط في ميانمار، برئاسة القائد الأعلى للقوات المسلحة.
مسؤول من إحدى الحكومات الأجنبية التقى بممثلين عن شركة ميانمار يصف اللقاء بأنه “يأتي من عالم مختلف تماما”، تديره “مجموعة من الضباط المتقاعدين من كبار السن. ولا أرى أية محاولة جادة لإعادة التشكيل”.
فيكي بومان، وهي سفيرة بريطانية سابقة إلى ميانمار وترأس “مركز ميانمار للأعمال المسؤولة”، تقول إن الشركات بحاجة إلى “تغيير لعبتها” بخصوص حوكمة الشركات والشفافية والالتزام بالقوانين التي من قبيل ضوابط التلوث.
وتضيف أن: “في السابق كان يُنظَر إليها على أنها شركات لا يستطيع أحد المساس بها. ولا نعلم إلى أي مدى تستطيع حكومة أونج سان سو أن تدفعها للالتزام”.
ليست هناك دلائل تذكر على أن إدارة ميانمار المثقَلة لديها الشهية – أو النفوذ السياسي – لتتولى قدرا أكبر من السيطرة. مكتب وزير الإعلام لم يستجب لطلبنا بإعطاء تعليق. شون تيرنل، وهو أستاذ جامعي أسترالي ويعمل مستشارا اقتصاديا دون أجر لحكومة ميانمار، يقول إن المسؤولين يريدون إلغاء الامتيازات التي تتمتع بها تكتلات “المحاسيب”، بما فيها الشركات المرتبطة بالجيش. لكنه يؤكد أنه لن تكون هناك “عمليات انتقامية”، ما يشير إلى الحذر من جانب أونج سان سو كي. إريك روز، وهو محامي شركات أمريكي متخصص في ميانمار، يتوقع أن “النهج غير الملتزم بالأيديولوجيا نحو الشركات” من قبل إدارة ترامب سيتيح المجال أمام المزيد من الاستثمارات الأمريكية – بما في ذلك صفقات محتملة مع شركات كانت مرتبطة بالمجلس العسكري سيء السمعة، إذا أثبتت أنها جادة بشأن التغيير.
يقول روز: “فرص النمو هائلة. والشركات الأمريكية هي في أفضل موقع يؤهلها لمساعدة الشركات العسكرية القديمة على الإصلاح”.

شارك
×