يوليو 5, 2026

الروهنغيا .. والتحذيرات “الأممية” المنسية

21 أكتوبر 2017

تقرير: كولوم لينش*

وكالة أنباء أراكان ANA | متابعات

لما يزيد على ثلاث سنوات، ظلت جوقة أصوات، من داخل مجتمع الأمم المتحدة، تحذر من أن أقلية الروهنغيا المسلمة في ميانمار تواجه مصيراً قاتماً تبدو الأمم المتحدة غير مجهزة بشكلٍ كافٍ لمعالجته، ودعت هذه الجوقة إلى الضغط على حكومة هذا البلد، لوقف الانتهاكات التي تمارسها ضد هذه الأقلية. ولكن في كل خطوة من الطريق، كان هؤلاء المنتقدون يواجهون مقاومة شرسة من بعض أكبر مسؤولي الأمم المتحدة، الذين كانوا يخشون من أن يؤدي الانتقاد العلني لحكام ميانمار، إلى تعقيد الجهود الرامية لنقل البلاد، من خلال عملية سياسية معقدة، من الحكم العسكري، إلى الديمقراطية، وتعريض الجهود التي تبذلها المنظمة الأممية في مجال التنمية، والإغاثة الإنسانية هناك، للخطر. واليوم نجد أن ما يزيد على نصف مليون مسلم، قد فروا من ميانمار إلى بنغلادش المجاورة، جراء عملية تطهير عرقي وحشية، قامت بها قوات الأمن الميانمارية، التي تعتبر الروهنغيا غرباء على البلاد.

وبعض مسؤولي الأمم المتحدة، يبذلون جهداً ذهنياً كبيراً، لتخيل كيف، ولماذا قصرت سياساتهم عن معالجة الوضع، وللتخطيط لما يمكن أن يقوموا به، للحد من تدفق هذا الطوفان البشري من اللاجئين.

البعض الآخر في المنظمة الأممية، يقول إن أوان ذلك قد فات منذ زمن، وأن قوات الأمن في ميانمار، قد أعادت بالفعل رسم الحدود العرقية في قلب مناطق الروهنغيا في ولاية «أراكان»، وأن هناك احتمالاً ضئيلاً لتراجعها عن ذلك.

نزاع بيروقراطي

رغم أنه يمكن تتبع جذور أزمة اللاجئين الحالية، في التاريخ الميانماري الطويل، الذي شهد تمييزاً واضحاً ضد هذه الأقلية؛ إلا أن بعض جوانب قصور الأمم المتحدة، ترجع، في حقيقة الأمر، إلى أسباب من صنعها هي ذاتها، وتتمثل في المنازعات بين وكالاتها المختلفة، على الاختصاصات، والسياسات الواجب اتباعها، وهي المنازعات التي تفاقمت بسبب قرار بيروقراطي اتخذ في ديسمبر 1977 بخصوص منح صلاحيات إلى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتعيين مسؤولين أمميين كبار، أو منسقين مقيمين، للإشراف على معظم محطات عمل البرنامج، عبر العالم.

ولكن هذا البرنامج، ونظراً لاعتماده في إنجاز مهامه على التعاون مع حكومات البلدان التي يعمل بها، نأي بنفسه تاريخياً عن الخوض في الأمور السياسية الشائكة، أو مواجهة تلك الحكومات، عندما ترتكب انتهاكات من أي نوع- كما يقول المنتقدون. وهذا الوضع، غذى، كما يدعون، ثقافة تقوم على الصمت، تخللت الكثير من مراكز عمل البرنامج، وهو ما عرض الأمم المتحدة إلى اتهامات، بالتواطؤ في الفظائع التي وقعت في بلدان عديدة، مثل سريلانكا، وميانمار. في الوقت الراهن، يضغط الأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو غوتيريش»، من أجل إجراء إصلاح رئيسي، ينهي دور برنامج الأمم المتحدة للإنماء في تعيين مسؤول أممي كبير، أو منسق مقيم، في مكاتب المنظمة الميدانية، وتحويل هذه الصلاحية لمكتبه.

معارضو الإصلاح

هذا الإصلاح، وفقاً للمدافعين عنه، سيمنح الأمين العام صلاحيات أكبر لحشد وكالات المنظمة المتنافسة، وراء سياسة واحدة، واستبدال كبار مسؤولي الأمم المتحدة الميدانيين، الذين يفتقرون للكفاءة اللازمة للاستجابة للأوضاع المستجدة، عندما تغرق محطات عملهم في حالة من الفوضى. في اجتماعه الأول مع كبار مستشاريه، أوضح غوتيريش الخطوط العريضة، لخطة تتعلق بوضع مسؤول أممي كبير، أو منسق مقيم، في ما يزيد على 130 محطة عمل تابعة للأمم المتحدة، تحت سلطة «مجموعة تنمية الأمم المتحدة» التي ترأسها في الوقت الراهن نائبته «أمينة محمد» وزيرة البيئة النيجيرية السابقة.

ولكن هذا الجهد من جانب الأمين العام، واجه مقاومة من وكالات المنظمة الأممية المختلفة، بما في ذلك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، التي ترى أن هذا الجهد يمكن أن يضعف موقفها الميداني، كما جاء على لسان مصدر دبلوماسي رفيع.

قلق صيني روسي

كما جرى استقبال مقترحات الإصلاح هذه، ببعض التخوف والقلق من جانب الدول النامية، بالإضافة إلى الصين وروسيا، التي تشك في أن مثل هذا الإصلاح لو تم، سيضع قدراً أكبر مما ينبغي من الصلاحيات في يدي الأمين العام، الذي قد يلجأ في يوم من الأيام لاستخدامه للتدخل في شؤونها الداخلية، أو إلقاء المحاضرات على مسامعها، بشأن السلوك الواجب عليها اتباعه في مجال حقوق الإنسان.

من نواحٍ عديدة، يمكن القول إن الأمين العام، قد اصطدم بعد تعيينه العام الماضي، بحالة فراغ سياسي كبير فيما يتعلق بمشكلة بميانمار. فقبل تعيينه بفترة قصيرة، كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد ألغت منصب الممثل العام للأمم المتحدة في ميانمار، وهو ما اعتبر في حينه مؤشراً على أن المجتمع الدولي، يرى أن التحول الديمقراطي في ميانمار، الذي كانت تقوده أونغ سان سوتشي، الزعيمة السياسية الحاصلة على جائزة نوبل في السلام يسير على الطريق الصحيح، وأن أوان الحاجة إلى التدخل الخارجي في هذا البلد، قد فات بالفعل.

وكانت حكومة ميانمار قد أوضحت بجلاء للأمين العام للأمم المتحدة، خلال الأشهر الأولى في منصبه، أنها لن تقبل بممثل خاص جديد للأمم المتحدة فيها. وكان الاقتراح الذي تقدم به غويتريش هذا الصيف، لاستبدال منسقة عامة هي «ريناتا لوك- ديسالين»، بمسؤول أعلى مرتبة للتعامل مع الموقف السياسي المتدهور، وأوضاع حقوق الإنسان المتفاقمة في ميانمار، قد رفض أيضاً من قبل حكومتها، التي أنكرت مراراً وتكراراً وجود أي مشكلة بحقوق إنسان فيها.

كارثة إنسانية

وبعد شعوره بالإحباط، نتيجة لفشل سياسته، القائمة على الدبلوماسية الهادئة، في دفع قادة ميانمار للعمل، أقدم غويتريش في أوائل شهر سبتمبر الماضي، على اتخاذ خطوة نادرة، تمثلت في مطالبة مجلس الأمن مباشرة، بالضغط على المسؤولين في ميانمار من أجل الهدوء وضبط النفس، محذراً من أن البلد يواجه «كارثة إنسانية».

وقال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة «اندرو جيلمور»، أمام مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة الماضي: «إن الأزمة الحالية في أراكان، التي يمكن اعتبارها أكثر أزمات حقوق الإنسان حدة في العالم، في الوقت الراهن، ربما تكون قد اندلعت بسبب هجمات المسلحين المسلمين على قوات الأمن في ميانمار؛ لكن الحقيقة هي أن الأزمة في ذلك البلد قد ظلت في طور التشكل لعقود، بسبب التمييز المنهجي الذي كان يمارس ضد السكان من الروهنغيا».

وكان «ريتشارد هورسي» وهو خبير استشاري استعان به مكتب الأمم المتحدة في «يانجون» عاصمة ميانمار، قد حذر في تقرير داخلي سري، قدمه في أبريل الماضي، من احتمال وقوع موجة جديدة من العنف، وقال إن حدوث ذلك ليس سوى مسألة وقت فحسب.

وهورسي، لم يكن هو أول من أثار المخاوف بشأن مصير الروهنغيا. ففي عام 2015، كتب «ليام ماهوني»، مستشار مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، نقداً حاداً لدور المنظمة في ميانمار، الذي كان يعاني في رأيه من خلل كبير. وقال ماهوني في ذلك التقرير، إن الوكالات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة، العاملة في ميانمار، قامت بحجب المعلومات عن بعضها البعض، وهونت من شأن انتهاكات النظام.

واحتفظ ماهوني ببعض أشد الانتقادات التي وجهها حدة، إلى «لوك ديسالين»، حيث اتهمها بأنها لم تتحدث علنا ضد السياسات التمييزية، التي حكمت على الروهنغيا بالحياة، في ظل نظام شبيه بأنظمة الفصل العنصري، وضع بموجبه الآلاف من المدنيين في معسكرات اعتقال، تتلقى معونات من قبل الأمم المتحدة. ورأى ماهوني، أن ميانمار تعتمد على ختم موافقة من الأمم المتحدة لتحقيق انتقال ناجح، ومع ذلك أحجمت المنظمة الأممية، عن استخدام هذا النفوذ، للضغط على سلطات هذا البلد، ودفعه لتحسين معاملته للروهنغيا. وقال في تقريره بشأن هذه النقطة «إن نهج الأمم المتحدة الشامل في التعامل مع الأزمة في ميانمار، فشل في الاستفادة، بشكل ملائم، من اللحظة التاريخية الفريدة التي تمر بها البلاد».

وقد واجهت سياسة الأمم المتحدة اللينة والحذرة في ميانمار معارضة من قبل بعض كبار المسؤولين الآخرين في الأمم المتحدة، وخاصة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان «زيد رعد الحسين»، والنائب السابق للأمين العام «يان إلياسون»، اللذين كانا مكلفين بتنفيذ مبادرة الأمين العام السابق للأمم المتحدة «بان كي مون» في مجال حقوق الإنسان، والتي كانت تدعو إلى إعطاء الأولوية في مهام الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان، ووضع هدف تعزيز تلك الحقوق، في صميم عملها الميداني. ولكن هذين المسؤولين، واجها مقاومة شديدة من المديرة التنفيذية السابقة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي «هيلين كلارك»، والمبعوث الخاص السابق «فيجى نامبيار»، وهما قالا في لقاءات خاصة، مراراً وتكراراً، إن الانتقاد الصريح لسلوك حقوق الإنسان في ميانمار، سيكون له نتائج عكسية، وأن الحكومة هناك تبذل قصارى جهدها لتحسينه.

ضغوط بلا جدوى

في فترة أبكر، تعود إلى أواخر عام 2015، ضغط «أليسون» من أجل استبدال «ديسالين» بمسؤول أكثر خبرة في مناطق الأزمات، لديه رغبة أكثر في الضغط على الحكومة على نحو أكثر قوة، في موضوع حقوق الإنسان، ولكن ذلك الجهد من جانب «أليسون» تعطل بسبب «كلارك»، وفقاً لمسؤولين سابقين كبار في الأمم المتحدة. وفيما بعد، قالت «كلارك» رداً على استفسار وجه إليها، إنه كانت هناك مناقشة تدور من وقت لآخر، حول استمرار «ديساليين» في قيادة مهمة الولايات المتحدة في ميانمار، ولكن، ونتيجة لعدم وجود أسباب مقنعة لسحبها، فإنها استمرت في منصبها.

وقالت كلارك أيضاً، إنه لم تكن هناك نزاعات حادة بشأن السياسة، وبشأن أن مهمة الأمم المتحدة يجب أن تركز على تعزيز حقوق الإنسان، مع العمل في الآن ذاته، على تحقيق الأهداف السياسية، والإنسانية، والإنمائية في ميانمار؛ وأكدت إنها أول من ناقشت هذه الموضوعات مع أونغ سان سوتشي، عندما التقت بها في«نايبيداو» عام 2013».

من جانبه، اعترف نامبيار، في رد مكتوب مطول، على استفسارات وجهت إليه، أن عملية تصوير الخلافات في المستويات العليا في الأمم المتحدة «ليست غير صحيحة من حيث الجوهر؛ ولكنه قال إن رسائله الخاصة إلى قادة ميانمار «كانت مباشرة وصريحة بقدر الإمكان». وأضاف: «كان اعتقادي أن انتقاد الحكومة الميانمارية علناً بشأن موضوع الروهنغيا، واستخدام مصطلحات مثل «الإبادة الجماعية»، كانا سيؤديان إلى نتائج عكسية، يمكن أن تضعف يد حكومة أونغ سان سوتشي المقبلة، في معالجة المسألة. وقال «نامبيار» إنه عبر عن قلقه بشأن «التمييز المؤسسي» ضد الروهنغيا، وغيرهم من الأقليات، في كل اجتماع تقريبا كان يجريه مع الرئيس الميانماري في ذلك الوقت «يو ثين سين»؛ ولكن حكومة ميانمار أثبتت عدم رغبتها، وعدم قدرتها من الناحية السياسية، على اتخاذ موقف قوي، ضد رجال الدين البوذيين، أو جنرالات الجيش. وقال أيضاً أنه كان يضع في البداية آمالاً كباراً على أن أونغ سان سوتشي، ستتبنى نهجاً أكثر تعاطفاً مع محنة الروهنغيا، ولكن ما حدث، في الواقع، هو أن موقفها ازداد صلابة، بعد ظهور المسلحين الروهنغيا في أكتوبر 2016.

خلافات حادة

ولكن تلك الخلافات الحادة في السياسات في مقر قيادة الأمم المتحدة لم تُحل أبداً، مما أجج معركة مماثلة بين وكالات المنظمة الأممية العديدة في الميدان، بشأن الحكمة من ممارسة الضغط، على حكومة ميانمار، لتحسين معاملتها للروهنغيا وغيرهم من الأقليات.

ونفذت لوك- ديساليين، السياسة المفضلة من قبل كلارك ونامبيار، والخاصة بالبعد عن اللهجة الخشنة عند التحدث مع الحكومة بشأن الحاجة إلى إصلاحات سياسية، أو تحسين أوضاع حقوق الإنسان، وركزت بدلاً من ذلك على المجالات التي يمكن للأمم المتحدة والحكومة الميانمارية العمل فيها معاً، من أجل تعزيز النمو.

وهذا النهج، أدى إلى انقسامات عميقة، داخل مكتب الأمم المتحدة الميداني، حيث قام مسؤولو وكالات الأمم المتحدة، بما في ذلك مكتب منسق الإغاثة الطارئة، ومكتب المفوض العام لحقوق الإنسان، بالانخراط في نزاعات علنية.

ورفضت لوك- ديسالين، عبر متحدث باسمها التعليق على ذلك. ولكن مسؤولاً أممياً كبيراً تقدم لمساعدتها، وقال إنها موظفة مدنية دولية ذات مبادئ، حتى وإن كانت تفتقر للخبرة والمهارات التي تمكنها من التكيف مع انحدار ميانمار نحو وضعية الأزمة.

وأضاف هذا المسؤول «ولكن إذا ما كنتم تعتقدون أنها لو اتخذت موقفاً أكثر صرامة بكثير العام الماضي، فإن لا شيء مما يحدث حالياً، كان سيحدث، فإنكم ستكونون واهمين في هذه الحالة».

وأضاف هذا المسؤول، الذي تحدث بشرط عدم ذكر اسمه، أن الأمم المتحدة، كان يمكن أن تدفع ثمناً غالياً للتحدث علناً من غير تحقيق نتائج. وقال «نحن لسنا منظمة غير حكومية؛ فلو كانت هيومان رايتس ووتش قد طردت من البلد لحديثها علنا عن الانتهاكات، لاعتبر ذلك بمثابة وسام فخر على صدرها، ولكننا إذا ما كنا قد طردنا لقيامنا بذلك، فما الذي كان يمكن أن يحدث للبرامج الإنسانية والإنمائية، التي نضطلع بها؟». وأنهى المسؤول حديثه بالقول: «اعتقد أن ديسالين قد تعرضت لاتهامات ظالمة، فالعيب ليس فيها، وإنما في المنظومة ككل».

*كبير مراسلي دورية «فورين بوليسي» في الأمم المتحدة

شارك
×